الخميس، 28 مايو 2015

عن معرض الفنان علي جبار الأخير

علي جبار وقناعه الأعمى  

يستضيف كالري هاي هيل ( Hay Hill Gallery) في جادة بيكر ستريت وسط العاصمة البريطانية لندن معرضاً بعنوان (القناع الأعمى / Blind Mask ) للنحات والرسام والمصمم العراقي الدنماركي علي جبار المولود في البصرة عام 1963 والذي غادر العراق عام 1992 الى الدنمارك ونال شهادة التصميم الكرافيكي من أكاديمية الفنون الدنماركية في كوبنهاكن عام 2002 والذي إستقر في لندن أخيراً.
ويبدو إن الفتى البصري يعرف تماماً ماذا يفعل وكيف يلوّن أحلامه وذكرياته وأفكاره وأين يذهب بضربات فرشاته. إثنتا عشر لوحة وعمل نحتي واحد، السمة الواضحة لها هي التجريب بلا هوادة للوصول الى هاجس خفي في وعي الفنان، ربما يخفى عليه أيضاً. علي جبار يجرب بلا قناعة مسبقة لذا فهو يضع المتلقي معه في عملية حوار مفتوح على إحتمالات التصور والخيال وإستنباط النتائج البصرية والذهنية في العمل الفني. لوحاته تبرز التناقض الحي والجلي بين ما هو مختفي تحت قناع وبين ماهو عارٍ، بين البراءة والخداع، القديم والجديد، والواهن والغليظ ، كل لوحة هي مزيج من الحلم والواقع، مزيج من الكوابيس الشخصية الغارقة في لغز الذات والبحث عن جواب، وبين وعي الفنان بمحيطه الجمالي والمعرفي. مزيج التناقضات هذا مُعبرٌ عنه بمزيج من الأساليب أيضاً من التجريدية الى التعبيرية ومن الواقعية الى السوريالية. 


في لوحة (عالم جديد للوجود) أكريليك على قماش، كأن الفنان يرسم لوحة داخل لوحة، يستحوذ اللون الأزرق على فضاء اللوحة، الرجل الذي يجلس على كرسي مريح بمواجهة شاطئ البحر ويفتح كتاب بإحدى يديه بينما اليد الأخرى تهمّ أن تعيد خصلة شعر أزعجت العينين أثناء القراءة أو تحك أذناً أو تَنشُ حشرة، لكن الرأس يتلاشى ليحل محله جناح كبير متأهب للطيران (هل الجناح مرادف للكتاب المفتوح!)، كما تغيب ساقا الرجل، هناك إطاراً بمركز اللوحة يؤطر الرجل الجالس، كأنها نافذة ما مفتوحة خلف الأفق أو ربما لوحة داخل اللوحة،(المشاهد الذي يحدق باللوحة هو أيضاً لوحة لمن ينظر له من الخلف!)، ديناميكية حياة هائلة في هذه اللوحة، من الأمواج التي تركن بهدوء الى الشاطئ الى اليد التي ترتفع لأمر ما، الى الجناح الكبير الذي يحتل مكان الرأس الى الأزرق الذي يعد بإفق مفتوح، كم ذكرتني لوحة علي جبار هذه بلوحات السوريالي البلجيكي رينيه ماغريت.
 شخوصه وثيماته لا تفصح عن أسرارها ولا تزيل أقنعتها الفاتنة التي تغوي بالتأمل العميق. العيون الواسعة الفارغة في الأقنعة تعيدنا الى منحوتات الحضارة الرافدينية، هذه العيون تتناقض كلياً مع  الإكسسوارات المعاصرة الموغلة في الإيروتيكية التي ترتديها أجزاء الأجساد. 

هوس التنقيط والأقنعة 



يصاب المتلقي بالصدمة او لنقل الدهشة البصرية من كون الفنان قد جمع هذه الأجزاء من الجسد البشري ووزعها مجدداً بطريقة تتناقض تماماً مع طبيعة هذا الجسد وتتآلف من جانب آخر مع مخيلة الفنان الواسعة، كأنه يهدم الأجساد والأشكال والأشياء ليعيد ترتيبها، كما في لوحة (دروان) التي أشعرتني شخصياً بهلوسات حقيقية هو يستعير ثيمة التنقيط بالأبيض على خلفية حمراء من الفنانة اليابانية المخضرمة (يايوي كيوساما/ Yayoi Kusama)، في مركز اللوحة وجهان واضحا الملامح ينظران بدهشة وترقب نحو الأعلى، للوجهين أكثر من جذعٍ  وأكثر من ساقين كأنها في حالة  دوران على ذاتها، في يمين اللوحة درجات سلم تدعونا للإرتقاء وإكتشاف سر الدهشة.   
لماذا يرسم علي جبار كل هذه الاقنعة في لوحاته ؟ كأنه يخشى النظر للوجوه، أو لعلها خشية الوقوع ضحية ملامحه الشخصية وإسقاطها على الشخوص أو لأن الأقنعة تزيد جرعة الغموض في اللوحة وتخفي الىتشوهات والتناقضات. في لوحة (المركب السكران) مثلاً وعنوان اللوحة هي قصيدة رامبو الشهيرة، هناك جذع إمراة مبتورة الذراعين والساقين ترتدي قناع وغطاء رأس شبيه بالذي ترتديه النساء في المغرب وملابس جلدية توحي بإيروتيكية مشوهة، جذع المرأة ينبت في زورق يرسو على شاطئ، الأمواج بالرمادي والأبيض بينما الأزرق هو وشاح المرأة الذي يطير بعيداً عنها، كأن الفنان يقول لنا إن الرسو هو الرمادي بينما الإقلاع هو أزرق البحر والإفق. 


 كل لوحة لا تشبه أختها .. كل لوحة هي كائن مكتمل بذاته يفسر العالم ومعضلاته على هواه، بسخرية وخوف ربما. علي جبار لا يكرر المشاهد البصرية والثيمات بل لا يكرر حتى الألوان على الرغم إن كل لوحاته تعرض التناقض والمفارقة بين أبدية الأشياء والأشكال وزوال الاحساس الآني بها التي خلفته داخل وعي الفنان بواسطة الصدفة المحضة.  


في لوحة (بورتريت لجيل واحد/ A Portrait of a Generation)، أكثر من شكل لأمرأة ورجل وربما طفل تَنزُ عيناه من بطن المرأة وكل هذه الشخوص تتقاسم ذات الكرسي في ذات الحجرة، هناك تناقض كبير بين السكون الذي يخيم على أجواء اللوحة وبين ذراعي الرجل التي تحتضن المرأة كأنهما تشدّاها الى حضنه، كم ذكرتني هذه اللوحة بألوانها الكابية ببيكاسو في مرحلته الزرقاء. الفنان موجود بوضوح في لحظة لوحته ( يخيل لي إنها وطنهُ!) رغم إختبائه خلف ألوانه، يعبر عن مشاعره الغامضة التي تربطه بالعوالم الأخرى والكائنات وهي تطفو الى سطح هذه اللوحات. كأنه يعيد سرد سيرته الذاتية بألوان وثيمات مستلة من مورثه الشعبي والحضاري مع ما يختزنه وعيه من مفردات حياته اليوميه وتجاربه السابقة في المدن التي مرّ بها.
علي جبار يعرف جيداً إن وضوحه يضعف اللوحة ولكن ألا يجدر به أن يمسك عصا الغموض من وسطها؟ إذا كانت النفس البشرية غير منطقية، كيف يمكن تدجينها والإفصاح عنها بلون وفكرة وفرشاة رسم؟ الإجابة هي البساطة بالتأكيد كما في (أكواب الفرو لميريت أبونيام/ فنانة سويسرية تمزج شيئين متباعدين وتجعلك تنتفض من الدهشة)، وليس التعقيد الفائض عن حاجة المتلقي.                                                          
نفذ علي جبار أربعة عشر عملاً نحتياً في تركيا وإيران والبحرين وعمان ولبنان والإمارات العربية وألمانيا وشارك باكثر من 85 معرضاً مشتركاً وأكثر من عشر معارض فردية.

 نشر المقال ي صحيفة الشرق الأوسط اللندنية 

السبت، 21 فبراير 2015

لا يبقى شئ سوى الصورة


الصور الفوتغرافية حين تتحول الى لوحات أرشيفية 

كم إستوقفتني الصور الفوتغرافية الأرشيفية بالأبيض والأسود، والتي تؤرخ لأناس عاديين من جنوب لبنان لعقود الخمسنيات والستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم حينما زرتُ معرض المصور الفوتغرافي اللبناني أكرم الزعتري في كالري التيت مودرن وكم إستوقفتني لاحقا صور أكرم الزعتري بمركز جورج بومبيدو في باريس كجزء من معرض فوتغرافي عن الشرق الاوسط. ترى لماذا يحظى أكرم الزعتري بكل هذا التقدير في كبرى المعارض في العواصم العالمية! 
يمزج أكرم الزعتري المولود في صيدا عام 1966 مهارات المؤرخ والفنان والدليل الفني ليجري فحصاً دقيقاً على الصور الفوتغرافية القديمة والمهملة ربما، ومدى قدرتها وقابليتها لعرض الماضي بحيادية ونقده. لوحاته الفوتغرافية تتحدى الصور النمطية للتاريخ القريب في محاولة لتقويم هذا التاريخ والتركيز على الفردانية الى درجة تضخيم هذه الفردانية في أحيان كثيرة. عام 1997 أسس مؤسسة الصورة العربية وهي منظمة غير ربحية متخصصة لدراسة وحفظ الصور الفوتغرافية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبحوزة هذه المؤسسة الان ما يعادل 300.000 صورة فوتغرافية.  بدأ اكرم الزعتري عبر هذه المؤسسة مشروع لإثارة إنتباه الناس والرأي العام لأرشيف إستديو شهرزاد للمصور الفوتغرافي (هاشم المديني ) وهو إستديو للفوتغراف بدأ عمله في مدينة صيدا جنوب لبنان منذ عام 1948، اللقطات الفوتغرافية التي التقطها مصورو إستديو شهرزاد تمثل صور لأناس من مختلف الفئات العمرية غير معروفين  فردية أو في مجموعات أو صور ثنائية، أناس مغيبون ومجهولون غالباً، لكننا نراهم بملابسهم البسيطة وتسريحات الشعر ونظراتهم التي يواجهون بها الكاميرا بشكل متعمد حينما تعلق هذه الصور المنسية في كبرى الكالريهات في العواصم العالمية. الصورة الفوتغرافية إذن هي اللغة الوحيدة المفهومة في كل أرجاء العالم والتي تصل بين الامم والثقافات وتربط  حياة البشر بتضامن عاطفي غالبا، والفوتغراف اذا ما إستقل عن الخطاب السياسي يعكس الحياة ومجرياتها بصدق ويتيح لنا مشاطرة الاخرين آمالهم وآلامهم ويلقي بضوء ساطع على الأوضاع السياسية والاقتصادية في لحظة الصورة ونصبح نحن المتلقين أينما نكون شهود عيان على أنسانية ولا إنسانية البشر. 
  
تضج هذه الصور بحياة حيوية كاملة الوجود، صورة لفتاتين ترتديان عوينات شمسية كبيرة كتلك التي سادت في تلك الحقبة تحضنان بعضهما، صورة أخرى لرجلين ومسدسين في أيدهما ويمثلان مشهداً للقبض على رجل ثالث بينهما، صورة اخرى لرجلين أحدهما يرتدي برقع على رأسه في محاولة لتمثيل دور عروس بينما يلف الرجل الثاني ذراعه حول كتف الأول، الكاميرا تحنط الإبتسامات والإيماءات وحركات الجسد ونظرة العين بل يخيل لنا إننا نسمع الناس ونشعر بهواجسهم الداخلية وننصت للضوضاء خلف جدران الإستيديو في الشوارع ، نلمس أحلامهم ورعبهم وآمالهم ووضعهم والاقتصادي وتطلعاتهم. 
 الصورة الفوتغرافية هي لحظة مرنة لمصافحة الاخرين
 كان إستديو شهرزاد ملاذاً آمناً في مجتمع محافظ، يسمح للناس أن يمارسو خيالاتهم وأحلامهم أمام الكاميرا للوصول الى صورة مثالية لهم ( من وجهة نظرهم) وهي ممارسة كانت شائعة ومقبولة داخل إستوديهات التصوير في تلك الحقبة، كأن الاستديو يفصل الناس عن محيطهم ليصبحو بطريقة ما أكثر إنتماءاً لأنفسهم وأحلامهم، كان الناس في تلك الحقبة من الزمن يذهبون للإستديو لأخذ الصور الفوتغرافية كنوع من الموضة مثلما يذهبون الى قارئ البخت لمعرفة طالعهم لذا فهم يعتمدون على المصور كي يحررهم من واقع مخذل أغلب الأحيان.

 عرض كالري التيت في لندن مجموعة لوحات أرشيفية تستقرء وجوه ومواقف الناس العاديين في لبنان للفترة من 1950_ 1970، مصنفة حسب الفئات تعكس هذه الصور وتبرز المكانة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها من يجلس امام الكاميرا. الصور بالأبيض والأسود تثير فينا حنين جارف وتستنفذ غريزة الفضول الى أقصاها، أكرم زعتري يقترح طريقة لقراءة الصور الفوتغرافية بالتمعن في لباس و دوافع الناس الذين يجلسون لإلتقاط الصور كما لو إن الإستديو يروي فلم متسلسل لإناس مجهولين والمصور هو مخرج هذا الفلم. الزعتري يركز على الذكريات والأحداث اليومية التي تعيد تفسير سلوك الناس وأفعالهم وردات فعلهم في أوقات الحرب والمنفى ضمن نطاق المسموح به، في مقابلة لإبنة هاشم المديني صاحب إستديو شهرزاد قالت إنها لازالت تحتفظ بالديكورات والأزياء التي كان والدها يحتفظ بها في الإستديو كي يلبسها الناس ليتشبهوا بنجوم السينما. أكرم الزعتري صانع صورة وجامع لها لكن حقوق عرض الصور الشخصية بمعارض عامة للجمهور قد يثير فينا تساؤلاً : هل يسمح أصحاب هذه الصور بنشرها علناً؟ هناك صور مخربة عن قصد لأمراة شابة تدعى زوجة الباقري، طلب زوج هذه المرأة من المصور أن يتلف نيجاتيف صورها لأنها ذهبت الى الإستوديو دون موافقته، لكن أكرم الزعتري يبدع صور جديدة من نيجاتيف الصور المخربة عمداً، تصبح الخطوط المتعجلة التي تتقاطع على وجه المرأة الفاتنة جزءاً من جمالية الصورة ودليلاً كافياً على إن تخريب الجمال عمداً يزيده بهاء.  

 الكاميرا لا تكذب

في قاعة أخرى في كالري التيت خًصصتْ لعرض صور لأطفال فلسطينين من إحدى مدارس الأونروا وهم يجلسون جميعا على ذات الكرسي بالتعاقب وخلفهم حائط مخربش، يعود تاريخ  هذه الصور لسنة 1960، الفاقة جليّة على الوجوه جداً لا إبتسامات ولا ملابس مرتبة، أطفالاً غادروا طفولتهم قبل أن يولودوا ربما. 

 في صالة أخرى  صور ارشيفية لرجال من المقاومة الفلسطينية والسورية، بعضهم شباب يرتدون الملابس العصرية في تلك الحقبة يوجهون بنادقهم الى زاوية منحرفة عن الكاميرا بفرح يطفر من ملامحهم كأنهم يحملون حبيباتهم بين أيديهم ونستطيع أن نخمن بسهولة إن حمل البندقية في تلك الحقبة هي جزء مكمل لرجولة الرجل الفلسطيني. بينما يظهر رجال المقاومة السورية بشكل أكثر صرامة تلف رقابهم وصدورهم الغترة العربية ولا   
يحملون أسلحة بين اديهم.

بينما علقت في مركز جورج بومبيدو صورة أرشيفية جميلة ضمن مجموعة صور أخرى لأكرم الزعتري، لصياد لبناني يرتدي الطربوش وتقف خلفه إبنتاه يرتسم على محيا إحداهما عبوس العنوسة بينما تلّون وجه الاخرى إبتسامة الأمل يبدو إن الصورة قد إلتقطت في منزل الصياد لأن خلفية الصورة هي بطانية داكنة تخفي تفاصيل البيت البسيط لكن يد طفل تمسك البطانية في زاوية الصورة  وتفضح ضوضاء الدار.  

صور أكرم الزعتري شفوقة ومهذبة رغم بلاغتها وشخصية تميل الى ترك المشاهد يرى بنفسه صوراً لا تتظاهر بكونها فناً كما إنها ليست عظة، هي أثر الواقع فقط مثل طبع القدم أو بصمات الأصابع أو مثل أقنعة الموتى. 

الخميس، 5 فبراير 2015

عن الشونكا اليابانية

فن الأحتفاء بمتع الحياة الحسية 

تكاد تكون معرفتنا بفن الإيروتيك الياباني المعروف ب (شونكا/ Shunga) معدومة. المتحف البريطاني يُتيح لزائريه فرصة  نادرة لتذوق ومعرفة هذا الفن عبر معرض عن مطبوعات ورسومات شاملة  لطرائقه وآدابه المكشوفة والساخرة أحياناً، ويُمَكّن الزائرين من مشاهدة اللحظات الحميمية لليابانيين في الوقت الذي كان اليابان معزولاً عن العالم. المطبوعات المصورة مزيجاً من الإبداع الفني الراقي والتصوير الذي لايترك شيئاً للمخيلة.
 معظم اللوحات هي طباعة على رقائق من لحاء الاشجار، طبعت في طوكيو في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر وتستعرض هذه الرقائق الخشبية الملونة مجموعة كبيرة ومتنوعة من النشاطات الإنسانية والجنسية وكل ما يتعلق بالمتعة والإيروتيك  بتفاصيل صريحة جداً مما جعل دخول المعرض مقتصراً على من هم فوق سن السادسة عشر.
 لم يسبق أن عُرضتْ هذه الصور في أي متحف آخر نظراً لمحتواها الفاحش لكن إدارة المتحف البريطاني إرتأت عرض صور الشونكا كنوع من أنواع الفنون الشعبية الأنيقة التي تقدم نظرة ثاقبة للحياة الجنسية والتمايز بين النساء والرجال في المجتمع الياباني في اولى مراحل تطوره.
ومفردة (Shunga/ شونكا) تعني باللغة اليابانية (صور الربيع ) وهي إستعارة عن الفن الإيروتيكي الذي إزدهر نتيجة النمو السكاني لمدينة طوكيو التي كانت تسمى(ايدو)، حيث كانت المتاجرة بالجنس منتشرة فالنساء الفقيرات غالباً ما كّن يمارسن البغاء بإشراف من عوائلهن أو يعملن كمحظيات في بيوت الأثرياء. كان المجتمع الياباني في تلك الفترة يعاني من الطبقية وعدم المساواة بين الجنسين، القوانين الكونفوشية الصارمة التي تركز على الواجبات وتكبح النوازع ، تحكم الحياة الرسمية لكن الحياة الخاصة للأفراد كانت أقل صرامة بكثير، ورغم ان هذا الفن مُنع رسمياً بعد عام 1722 لكن طباعة صور الشونكا إزدهرت بين هذين العالمين، عالم الصرامة الكونفوشية وعالم الإنعتاق الخاص. وإستمر تداول هذه المطبوعات بعيداً عن الرقابة ولم تتعرض للنقد الرسمي . 

صور الوسادة 


ويسمى هذا الفن الايروتيكي أحيانا ب (صور الوسادة/pillow picture ) وهي حكايات ومطبوعات  تصور رجالاً ونساءً يستمتعون بالحياة والجنس في وضعيات عديدة وتبتعد عن تصوير الجنس بالاكراه او مشاهد الاغتصاب. وهناك أيضا رسومات تصور الجنس المثلي الذكوري والانثوي أو تصور مجموعة إناس منغمسين بالجنس الجماعي أو اللهو.
ساهمت مطبوعات الشونكا في التربية الجنسية لليابانيين لأن طباعتها غير مكلفة وبمقدور أي فرد ينتمي  للطبقة الوسطى أن يشتريها. كانت الأمهات تورثها أو تهديها للبنات اللواتي على وشك الزواج.
لقد سَرقتْ نظرة
من صور الوسادة
خلف مخدع عرسها
هذه اللوحات تصور مكامن الجمال للناس العاديين ومحاربي الساموراي والراهبات والرهبان اوحتى تقنص الجمال الخافت في الشيوخ، وهي إحتفال بالحب الحر والمتخفف من العواقب والقيود وسط الطبيعة الجميلة. الأجساد البشرية في مطبوعات الشونكا ليست مثالية الجمال والتكوين كما هي في منحوتات الحضارة الأغريقية والررومانية وهو دليل على إختلاف معايير الجمال في شرق آسيا. 


الصور الاولى في هذا المعرض يعود تاريخها الى سنة 1600هي رسوم على شكل مخطوطات ملفوفة كما رسائل البردي القديمة سبقت الطباعة تمثل رجلاً  ضخماً يبدأ بإستخدام الفرشاة برسم مشهد مباراة لقياس طول العضو الذكري لمجموعة من الرجال، ووفقاً لاقتباس من أحد الرسومات في هذه المجموعة يظهر إنه لاعلاقة لهذه المباراة بالحقيقة الفسيولوجية بقدر ما هو نزوع جماعي لنزوة تأكيد الذكورة:
( اذا كان "الشئ" يُصَور في حجمه الطبيعي فلن يكون  ميثيراً للاهتمام، ألم نقلْ إن الفن هو الخيال).
 
تبهر غالبية الصور عين المشاهد وتقودها عبر مسالك التناقض بين الملابس المزركشة الفاخرة والأجساد النقية البيضاء التي تظهر أجزاءً منها فقط في حالة نشوة مطلقة . تقترح وضعية الاجساد  الفيسولوجية حالة الاستمتاع القصوى، التشابه بين وجوه النساء المنتشيات وبين وجوه الرجال الرقيقة  تضيف رعشة مربكة الى سلسلة لوحات الفنانين (شن جو / Shuncho  )(هوكوساي/ Hokusai) وغيرهم من الفنانين المعروضين في هذا المعرض .
وبرؤية حداثوية ربما تمثل الشونكا رسوماً كاريكتورية يابانية لها طابع جنسي فاضح ورغم ذلك فانها لاتظهر الأجساد عاريةً لأنها تريد من المتلقي أن يستشف هذه الأجساد وهي تتناغم مع الملابس المزينة بالزهور وما يحيطها من أثاث ونوافذ وأشجار وطيور وآلات موسيقية وغيرها من وسائل الحياة اليومية. ويبدو إن الملابس الحريرية المزينة بالرسوم والزهور بالنسبة لليابانين أكثر إثارة من الجسد العاري الذي ربما يوحي الى الأستحمام في حمام عام. مثلا لوحة تمثل أحد مقاتلي الساموراي يضع سيفيه على جنب ويستلقي مع إمراة ثرية تحت غطاء مزين برسم لديك متوثب وريشه الملون منثور على  جوانب الغطاء.

عبق براعم زهور الخوخ
حراس المعبد
 فم مفتوح وفم مغلق
الضحكة الاولى لبداية العام الجديد. 


  
لوحات ملونة ومنثورة برذاذ ذهبي وفضي ببذخ وأناقة وبمزيج متناقض من الألوان والأنسجة والأنماط مع تداخل الأعضاء التناسلية للرجال والنساء ذلك التداخل الذي لايوحي بل يصور بشكل فاضح وصريح.
في منتصف سلسة الفنان وشاعر الهايكو المتوفي سنة 1806( كيتاكاوا اتامارو/ Kitagawa Utamaro) المعنونة (قصيدة الوسادة) وهي أكثر الأعمال المتسلسة أناقة وتنطوي على الكثير من عدم التوقع والمفاجأة التي تجبر المشاهد على الضحك ،وهي جوهر فن الشونكا الذي  يمزج الجنس مع الفكاهة على خلاف فن العصور الوسطى في أوربا حيث الفن غالباً يدور في دائرة الكنيسة والدين. يزين هذا الفنان مطبوعاته بهوامش شعرية مثل:
رغم قلقي،
وعدم قدرتي على معرفة ما تخفي في قلبك
فاني أمنحك جسدي
لم يبخس فن الشونكا حق المرأة بالمتعة، هناك مطبوعات كأنها أُنتجَتْ للمرأة تحديداً. مثلا مطبوعات من القرن السابع عشر لفنان مجهول بعنوان (راهب في صندوق) تصور راهبة بوذية حليقة الراس تماماُ في عدة مشاهد، تزرع هذه الراهبة نفسها فوق  كيس كبير كأنه هدية من هدايا أعياد الميلاد وبالتتابع  نتبين إن الكيس المزين بالزهور والريش يخفي بداخله رجل عارم الشهوة ، ومن المستحيل أن يمر المشاهد دون أن يبتسم لهذه الحكايات الطريفة ، نعم فقد كانت النسخ القديمة من الشونكا تسمى بالصور المضحكة لكن هناك حكايات تستلهم الخيال المرعب في تصوير متع الجسد مثل تلك اللوحة الغريبة التي تصور إمراة غطاسة للبحث عن اللؤلؤ وهي تسمتع بمارسة الجنس مع أخطبوط .
أزيلت آثار الشونكا من الذاكرة الشعبية والرسمية في اليابان في القرنين التاسع عشر والعشرين وصارت نوع من أنواع التابوهات لكن في ذات الوقت أُكتشفَ فن الشونكا في أوربا وأمريكا وجمع بعض الفنانين مطبوعاته بحماس مثل هنري لوتريك وبيردسلي ورودان وبيكاسو .
منقاره
أُسِرَ بشراسة
في المحارة الرائقة
طائر الشنقب
لن يستيطع التحليق
في الليلة الخريفية.*
عندما ستنتهي فترة معرض الشونكا في المتحف البريطاني سوف ينتقل الى عدة عواصم  اخرى ومن ضمنها طوكيو.
___________
*المقاطع الشعرية من مقتبسات المعرض نقلا عن الانكليزية 

الجمعة، 9 يناير 2015

عن معرض رامبرنت في الناشنول كالري في لندن


لوحات رامبرنت الأخيرة 

حين توجهت الى الناشنول كالري في ظهيرة يومٌ شتوي رائق لزيارة معرض ( أعمال رامبرنت الأخيرة/ Rembrandt the late works)  لم يخطر في بالي إني سأنفق ساعة من الوقت وقوفاً في الطابور الطويل من الزائرين المـتأنقين الذين يرومون مشاهدة المعرض، رغم غلاء سعر بطاقة الدخول، هؤلاء الناس بمختلف أعمارهم وميولهم الثقافية يمثلون مجتمعاً، الفن جزء أساسي من بنيته وليس طارئ عليه أو مكمل له أو نخبوي. 
إشتهر رامبرنت بلوحاته الذاتية self-portraits حيث رسم ثمانين لوحة لنفسه، أرّختْ بدقة لحياته وتقلباته النفسية، أفراحه وأحزانه. في قاعة الكالري الأولى المخصصة للوحاته الذاتية، نرى رجلاً تخفي ملامحه أكثر مما تُظهر، كأنها  تصرخ به كي يدوّنها بفرشاته : وجهٌ يخيم عليه الحرمان، أنف مميز يميل الى العرض، شعر مجعد وعينان تعكسان حكمة ومعرفة لا تنتمي لزمن معين، كأنهما واعيتان لكل العيون التي ستتفرس فيهما مستقبلاً. آخر لوحة رسمها لنفسه عام وفاته 1669، والتي تظهره بوجه واهن وغير مكترث منحوت بدقة بالألوان يرتدي رداءاً أحمراً قانياً وقبعة فرنسية للرأس، يداه مرتخيتان تعلنان عن إنهيار وإستسلام تام للمصير، لكن رامبرنت الذي غادر عالمنا قبل أربعة قرون أسرني بنظرته الثابتة الثاقبة كأنه خصني بها وحدي وسبر أغواري وحدثني بلغة تعبر الأجيال والسنوات .
أكثر من تسعين عملاً فنياً بين لوحات تتباين في حجومها وتخطيطات، تستعرض الخمسة عشر سنة الأخيرة من حياة هذا الهولندي المدهش، كأن هذا المعرض يقول لنا بملء الفم إن الأعمال الفنية  الكلاسكية لا تعني أبداً إنها 
قديمة أو إُستُهلكتْ فنياً ونسيّها الجمهور. 

حساسية مفرطة للضوء 

رامبرنت المجدد بتعامله وتلاعبه بحساسية اللون للضوء والظل، للوصول الى أقصى إمكانيات التعبير الفني. تفصح ضربات فرشاته وتخطيطاته أيضاً عن حساسية إنسانية عميقة مزمنة ومقدرة تنويرية على شحن لوحاته التصويرية بعواطف حقيقية جياشة. عبقرية رامبرنت الفنية  قادته الى مزيد من التحرر الفكري والروحي من الأنماط والأساليب الفنية التي سادت عصره، والى المزيد من الإبتكار في الرسم والتصوير والتخطيط والتجريب في إستخدام اللون وكثافته والضوء والظل والانعكاس  في خلق الفضاء التصويري، ولم يكف عن إستبطان الألوان وخصائصها للحصول على التأثيرات المبتغاة بذكاء فني حاد وأصالة متفردة فقط، بل إمتاز هذا العبقري الهولندي أيضاً بفطنته وفرادة عينه الحميمية الرائية التي إستوعبت عصره إنسانياً وفنياً.
ولد رامبرنت في مدينة لايدن الهولنددية عام 1606 وتوفي في أمستردام عام 1669، عاش في العشرين سنة الأخيرة من حياته إضطرابات وفواجع بلا نهاية فقد ماتت زوجته ساسكيا Saskia عام 1642 وقبل ذلك فقد ثلاثة أطفال، أعلن إفلاسه عام 1652 وباع بيته ولوحاته ومقتنياته الفنية لكي يسدد ديونه، عام 1662 رفضت بلدية أمستردام، بعد أن تعاقدت معه لوحته الشهيرة مؤامرة كلاديوس سيفيليس The Conspiracy of Claudius Civilis  التي تعرض في هذا المعرض. ماتت عشيقته وملهمته ومربية إبنه هندريكي ستوفلس Hendrickje Stoffels عام 1663، وفقد إبنه المدلل تيتوس Titusعام 1668. خلال هذه الفترة ايضاً كان رامبرنت يكافح فنياً لإبتكار طرق جديدة في الرسم والتخطيط  ويبدو إن فرشاته الحادة وإسلوبه في ترك نتوءات لونية بارزة ، سواء بإستخدام السكين او باستخدام ضربات فرشاة عريضة لم يحظ  بقبول من الأوساط الفنية والشعبية في ذلك الوقت. ويبدو جلياً أيضاً إن رامبرنت رفض الرسم بطريقة تدر عليه ربحاً تجارياً 
والحياد عن إسلوبه التجديدي، وظل يبدع  روائعه التي ستبقى جديدة وحيّة على مر الأزمان.

فان كوخ ورامبرنت
لوحة العروس اليهودية  Jewish Bride 1665 التي ضمتها قاعة المعرض الثالثة المخصصة للوحات رامبرنت ذات الثيمة الإنجيلية، عندما وقف فان كوخ أمام هذه اللوحة قال " يسعدني أن أستبدل عشر سنوات من حياتي كي أجلس مقابل هذه اللوحة لمدة إسبوعين ولا آكل سوى كسرة خبز يابس"، نعم فهذه اللوحة لا تعطي مفاتحيها للمتفرج بسهولة، الزوج وهو يضع يده بحنان بالغ يقترب من الألم على صدر زوجته، لكن الزوجة تبدو ذاهلة تزم شفتيها بشكل ملتبس، مزيج من الطمانينة وعدم الإكتراث، تضع أصابع متراخية على يد زوجها، ملابس باذخة ومجوهرات لكن بؤرة الضوء في هذه اللوحة هي في أيدي الزوجين .

سيسترق المتفرج النظر حينما يواجه لوحة إمراة تستحم في نهر A Woman Bathing in a Stream عام 1654 لكن هذه المرأة التي ترفع ثيابها ستتجاهلنا تماماً وتظل تحدق في الماء الذي يغمر ساقيها. في لوحة لوكريشا Lucretia 1664، يظهر جلياً نزوع رامبرنت نحو الجانب السوادي للميثولوجيا فهو يرسم هذه المرأة وحيدة منزوية تحدق في الخنجر الذي تحمله بعناء وعناية، والذي ستنهي حياتها به، لوحة مليئة بالرثاء المفرط  لكنها على قدر عالٍ من التقنية في التناغم بين قوام المرأة وثيابها الباذخة.

ورغم إن رامبرنت إستخدم في أعماله الأخيرة تقنيات فنية متعددة كان قد بدأ إستخدامها في أعماله المبكرة مثل الخطوط القوية المخدشة وإبراز اللون كأنه  رطب لم يجف بعد والرسم بإستخدام السكين التي تخلط الألوان مباشرة على الكنفاس. إسلوبه الثوري المتجدد هذا لم ينتقص من الطرواة والحنان اللذين رسم بهما رامبرنت إبنه تيتوس على منضدته Titus at his Desk 1655.
يظهرْ رامبرنت في هذا المعرض عدم تراجع عبقريته بتقدمه بالعمر وبسلسلة خيباته وفواجعه، بل على العكس فقد وظف خطوط قريبة ناتئة اللون في لوحاته وإستعرض بجدارة تقنياته الفنية التي ستجعل الزائرين والمهتمين بمجال الفن يستغرقون طويلاً في هذه اللوحات التي ستأسر الناس في كل زمان ومكان.

http://assafir.com/Article/10/392027عن السفير اللبنانية