الأحد، 10 أغسطس 2014

جيري جودا وخراب بابل


جيري جودا وخراب بابل 

يتجلى دور الفنان المعاصر في إعادة خلق وعكس مشاهد وتأثيرات الحياة والكون من حولنا، والفنان ربما يختار الإحتفاء بالجمال (من وجهة نظره) بطريقة تصويرية أو تجرديدية او بتأثير من موروثه الديني أو الإجتماعي، وبالتالي يشارك المتلقي يومياته المرئية والمصورة وإستغراقاته وهوسه الملون بحساسيته الشخصية تجاه الموضوعات المختلفة، أو ربما يختار التعبير عن الوعي الجمعي لمجتمعه الخاص أو الإنساني. ومن جانب آخر يعيد المتلقي إكشاف ذاته القلقة من خلال الفن الحقيقي .
ولوحات جيري جودا هي إستجابة مباشرة للصراعات حول العالم وتأثير العنف المروع  بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية، وفي نفس الوقت هذه اللوحات تدعونا الى التساؤل: متى يكف الرسم أن يكون رسماً ؟ وكيف تخرج اللوحة عن إطارها رغم إنها ما زالت ملعقة على حائط ما؟ أليست اللوحة هي التي "تخاطب" دون أن تقول شيئا؟ إذا كان هذا هو مشروعها فحتماً ستكون في رتبة أعلى من الكلام.

حروب الشرق الأوسط
 ويبدو إن لوحات  جيري جودا تجيب على هذه الأسئلة، حين تتوسط  منطقة ما بين الرسم والنحت، وحينما ينشغل الفنان ذاته بالأحداث المروعة وبالتغيير الذي يطرأ على البيئة الحضرية أثناء وبعد النزاعات والحروب، وهذا التوسط يترجرج في أحيان كثيرة، بتناغم  مع الكوارث ذاتها. رسومات جيري جودا تستكشف ديناميكية البناء والتدمير ومحنة الحيرة والذهول إزاء العنف الذي بدا كعملاق شاحبٍ يهيمن علي الكتل الرمادية البيضاء المستوحاة من مخلفات الحروب الداكنة، حتي عندما يطغي لون آخر علي بعض اللوحات فأن فجوة كونية تهيمن داخل اللوحة كما في خرائط الفضاء والفللك، من الصعب تقييم أعمال جيري جودا بمعزل عن تجليات الحروب في منطقة الشرق الاوسط ، العراق وسوريا أو غزة . كما أن أصداء الكوارث الناجمة عن التغييرات  
  المناخية والأعاصير أو الفيضانات وحرائق الغابات تتردد في لوحاته أيضا


   جيري جودا المولود في كلكتا عام 1951 والذي ينحدر من إصول عراقية (هاجر جده من بغداد ليسكن  منطقة ليهود العراق في الهند)، وترعرع هو في البنغال الغربية قبل أن تهاجر عائلته الى لندن. بريطانيا ما بعد الحرب الثانية ولندن تحديداً، شكّلت  صدمة الخراب الاولى لجودا الذي قضي وقته بإستعادة ذكرياته عن الهند ومناظرها الطبيعة والهندسة الزخرفية للمعابد الهندوسية والبوذية واليهودية والجوامع وتأثيرات الشعائر الممسرحة التي تقام في الاماكن الدينية، ونميّ مخيلته المعمارية بإعادة رسم هذه المعالم  بقلم الرصاص والفحم. درس الفن في كلية بارنت للفنون شمال لندن (1970_1972 ) قبل أن يحصل على درجة الشرف من كلية الفنون الجميلة (كولد سميث كولج 1972_1975 ) وبعدها درس النحت في كلية لندن الجامعة (1975_1977 ). إفتتح مشغله الخاص في (ويست إند) في لندن وبدأ في نحت الاعمال الضخمة،  ولكي يدعم مشروعه مادياً، عمل في المسرح كمصمم للمشاهد والديكورات وإشتغل لعدة مسارح مهمة في العاصمة البريطانية منها مسرح شكسبير والمسرح الملكي الوطني .وقد وظف المسرح كساحة بصرية لعرض أعماله الفنية وحقق نجاحاً طيباً في التصاميم المبتكرة للمسارح والأفلام والبرامج التلفزيونية والمتاحف. إبتكر عدة تصاميم لمحطة البي بي سي وللقناة الرابعة البريطانية والمتحف البريطاني وإشتغل في التصاميم المسرحية لعدد من المطربين منهم بول ماكارثي ومايكل جاكسون. صمم عدد من الجسور في مدينة لندن وكامبريج. ينصب إهتمام الفنان في الوقت الحاضر على النحت المتداخل مع الرسم والذي يعكس تفكيره ومشاعره تجاه الأحداث التاريخية القريبة وقد أبدع سلسلة من اللوحات الكبيرة الثلاثية الأبعاد التي تغور عميقاً لاستكشاف تأثيرات الحروب والتخريب الذي يتسبب به الانسان على سطح هذا الكوكب . عُرضتْ لوحاته في معارض شخصية عديدة منها في التمبر يارد في لندن 2005، وفي كاليري إنجلز وفي المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين 2006. 


 معرضه الأخير والمعنون (بابل) في كالري فلورز في شرق لندن، تفاجأك لوحات كبيرة معلقة أسفل الحائط لكنها تبنى من الحائط ايضا، تبدو غريبة او تسلك طريق الغرابة حين ننظر اليها من فوق، بعين طائر أو يعسوب، حيث غالباً ما تستقر هذه اللوحات في الجزء الاسفل من الحائط القريب للأرض وغالبا ما تحتوي على مشاهد مرعبة تثير الدوار.
تكوينات من الجنفاص تبدو كأنها تُمسكْ بسطح اللوحة بسحر او بمعجزة ما، وتعرض علينا منطقة متشظية ومتهالكة من مخلفات المجمعات السكنية التي طُحنتْ وأُزيلتْ عن الوجود بفعل القنابل والصواريخ، عبر قطع فنية مائلة ومترنحة بمختلف الاتجاهات. هوائيات وأعمدة معدنية كأنها نتوءات متورمة في فرقاطة ذات ندوب مميتة، يحيطها الحطام وسط الموج. 


قطعاً إن هدف هذه التكوينات وميتغاها ليس الجمال، بل أرشفة الذاكرة الشخصية والجمعية، وهي أيضاً أرشفةً لذاكرة المكان التي إنخرطت في السياق التصويري، لتصبح اللوحة ذاتها جزءًا من سجل تأريخيٍ للواقعة، لكنها، رغم الخراب  تكتسب شيئاً من البهاء في سكون تداعيها المدقع، كأنها تصرخ فينا لتنال بعض الشفقة. في هذا المعرض لا جمال  يخدع عين المتلقي التي تبحث عن الألوان البراقة عادة، كل شئ مُدمرٌ ومُوؤدٌ، كل شئ يمثل  الفظاعات التي تستقر في أعقاب تدمير الحياة الانسانية، الخراب هنا يُبنى كملحمة تراجيدية بلا مسرح وبلا وجود بشري كي يُمحّص الذي حدث، لا دماء مراقة ولا أشلاء متناثرة، وهذه المجمعات السكنية  تتقارب حدّ  التلاصق لدرجة صعوبة الرؤية  في ما بينها، تميل على بعضها كما لو إنها تدعم رزيّة بعضها البعض. الهوائيات والأطباق الفضائية المحطمة لازالت معلقة، كأنها متحجرات أثرية مدفونة في نسيج اللوحة. شظايا الأبنية متضاربة ومدقوقة، تمثل العذاب البشري الذي كان يقيم فيها. الفنان جودا يعمل غالبا بلونين فقط ، الأبيض والأسود والأحمر في أحيان قليلة وهو يكثر من تقنية التكوين المبرقش البارز من السطح  الذي يثير الانتباه ويشتت الذهن عن موضوع اللوحة الاصلي، باتجاه الأبعاد الخارجية، عن قصد ربما، ويبدو انه يتلاعب بتناغمات مختلفة لكن متزامنة للتشتيت البصري. إنه لايقدم الأفكار والتأملات للتزيين والتجميل كأنه يدعونا لإستثناء أعماله عن هذين الغرضين، لكنه من جانب آخر، يجتهد في خلق رؤية يقينية متوقدة وكاملة، حادة وقلقة لنظرة مركزة واحدة تُدين كل أشكال العنف. اللون البيض إذن، يخفي كل شئ، انه لون غبار الهليوم وغبار الانفجارات ولون الأشباح، وهو لون التخفي، فأبيض جيري جودا يصرخ نيابة عن كل من فقد قدرته على الكلام وسوف يشعرك بالغرابة والصمت والإنعزال. اللوحات جميعها تأخذ شكلين فقط ، المستطيل والدائري، في الشكل الدائري  وتكويراته هناك إيحاءاً درامياً في عنف التداعي للمباني المهشمة، سوف تتجه العين مباشرة الى المركز  لذا فالفنان شكل هذه اللوحات كمتراس يوحي برمزية  العبور. 


وحين نحدق يمين او يسار هذه المباني المحطمة، نكتشف ان سطوح هذه اللوحات منقرة او مجوفة بأجزاء وأجسام متشظية أو مخدشة بخطوط غريبة، بعضها دائري أو مستقيم. كأنها تحفظ آثار سكانها الاصليين، او تخفي أسرارهم بين بقاياها. 

العبث الكوني 

 (الرسومات / المنحوتات) تبدأ من مصغرات كارتونية وبكل تفاصيلها مصفوفة واحداً بجانب الآخر في إستديو الفنان، كأنها نماذج لمبانٍ موحشة من مناظق الحروب، سوريا أو العراق او فلطسين. تلصق هذه المصغرات المجسمة بالنسيج الخشن لسطح اللوحة و يقوم الفنان بعد ذلك بتدميرها بقبضته فجاة، كأنه يحرر غضبه من الحروب بإعادة تصويرها. هذه القبضة التدميرية هي جوهر العمل الحقيقي والمحفز لفكرة إبتكار لوحة او إختراعها، وهو لايكف عن متاهة إغترابه حين يفتت أشكالا بناها، ليستخرج خراباً يتفاقم لينقض معناه. وبعد التدمير، يضيف الفنان  الجص والأشرطة اللاصقة والصبغ والأنقاض والشظايا الزجاجية، لتتحول اللوحة بعد ذلك الى منظر جارف في تهديده. بغداد ما بعد  2003، هذا ما إستحضتره سريعا حين تأملت لوحات جيري جودا، إنبعاث موروث الحرب، الأسلاك والأطباق الفضائية التي تحكي عن موت الحاضر مثلما مات الماضي، ونعم انها لوحات تمثل خراب بغداد أو حلب، عَبّرَ عنها الفنان من خلال إستعارة اسم بابل كعنوان لمعرضه، وكلما منحته خامة اللوحة فسحة اخرى إمتدت أسئلته البصرية في حرية لا نهائية ورغبة للبحث عن نقاء وسط هذه الزحمة من العبث الكوني الذي تصنعه الكراهية والجيوش والسيارات المفخخة. 


الخميس، 24 يوليو 2014

مان راي المصور الفوتغرافي السوريالي


فوتغراف الرسم والرسم بالفوتغراف  



حنط لحظات بيكاسو ودالي وخوان ميرو وآخرين
"الجمال هو اسم شئ لا وجود له،
وهو ما أمنحه أنا للأشياء مقابل ما تمنحني من بهجة"
كانت أبيات بيسوا هذه آخر ما قرأته من قارئي الالكتروني وأنا أنتظر دوري لشراء بطاقة الدخول الى المعرض الإستعادي لواحد من أهم مصوري القرن العشرين في الناشنول بورتريت كالري في لندن.
صالات العرض ضمت 150 عملاً فوتغرافياً فقط، برهنت واقعية أبيات بيسوا فقد إبتكر مان راي الجمال وحنطه بلقطاته ولوحاته التي كانت بانتظار الزائرين.
لوحاته تتناغم فيها قبائل ضوء وظل تغمر موديله أو موضوعه، لقد فعل الصواب ذلك الفتى النيويوركي المنحدر من عائلة روسية يهودية مهاجرة إمتهنت الخياطة وتجارة الملابس، حينما سمع نصيحة صديقه المقرب (مارسيل دوشامب) بأن يتجه كلياً الى التصوير الفوتغرافي وقد كتب دو شامب عن مان راي فيما بعد "كان إنجازه الأهم إنه تعامل مع الكاميرا كما يُتعامل مع فرشاة الرسم، كوسيلة خالصة لتحقيق رؤاه الجمالية" لكن مان راي يميز في ذاته الرسام عن المصور " أرسم ما لا استطيع تصويره، الرسم يأتي من المخيلة أو من الأحلام أو من اللاوعي، بينما تلتقط عدستي الأشياء التي لا أقدر على رسمها، الأشياء الموجودة أصلاً." 

مان راي الذي رقص على حافة السوريالية إبان تشكلها في باريس يتوارى خلف لقطاته الفوتوغرافية وخلف موديلاته، كأن لوحاته الصورية فلما  سينمائيا طويلا ومتسلسلا يمثله بشكل رائع معرضه الحالي في الناشنول بورتريت كالري والذي يغطي سنواته في باريس ونيويورك وهوليوود ولندن، لوحاته ليست فقط وثائق صورية لحقبة معينة، بل هي تمثيل عميق وفاضح لهؤلاء الأشخاص عبر حلقاتهم الفنية والأدبية التي يمثلونها.
هناك علاقة وثيقة جلية في صوره مع شخوصه فهم إما أصدقاؤه وهو يحتفي بهم على طريقته وهذا نادرالحدوث بين أصدقاء الحقبة الواحدة وكأن حياته يمكن قراءتها من خلال صور أصدقائه وعشيقاته او نجمات سينما مشهورات، هناك هوس لديه كما عند معظم السورياليين بالجسد الانساني العاري وهذا المعرض ملئ بالصور العارية التي تتجاوز الغواية الى توثيق الجمال بكل معانيه ومن كل اتجاهاته بعدسة الكاميرا . 

حياته تناثرت بين صور (كيكي) المغنية الباريسية الشهيرة والتي ارتبط معها بعلاقة حب وعمل منذ قدومه الى باريس عام 1922، وبعدها المصورة والصحفية الأمريكية (لي ميلر) من عام 1929 الى عام 1932حيث إبتكر بمساعدتها إسلوب التشميس(وهو تسجيل الصورة ذاتها على صورة مطبوعة على أساس أن تكون الألوان متعارضة كلياً أو جزئيا مع لونها الأصلي حيث تظهر مناطق اللون الأبيض سوداء وتظهر المناطق السوداء بيضاء اللون بدرجات متفاوتة) والتي تركت مان راي لتتزوج من ثري مصري يقطن باريس، وبعدها مرحلة الراقصة (آدي فيدلين) من عام 1936 الى 1940 عندما غادر مان راي باريس الممزقة بسبب الاحتلال النازي عائدا الى الولايات المتحدة، حيث تزوج من (جوليت براونر) التي بقيت معه الى وفاته عام 1976، كل لوحاته عن عشيقاته وخصوصا (لي ميلر) مشحونة بعاطفة وانجذاب للجسد وتقدير للكائن ومحاولة إبراز هذا الكائن وخفاياه.

صورته المشهورة عن الماركيزة الايطالية (كاساتي عام 1922) والتي تصورها بأربعة عيون ، هذه الصورة ليست وليدة خدعة بل نتيجة التصوير المزدوج للعينين والصاق صورتي العينين على بعضهما لتبدو الصورة ذات نظرتين متلاحقتين مما جعلها غلافاً لمجلة كفنتري فير المشهورة للازياء.

الصورة المشهورة الفيولين 1924 لعشيقته الراقصة والفنانة (كيكي) والتي يصور ظهرها كآلة كمان حيّ كم تبدو نمذوج سوريالي سابق لعصره ومتجدداً كلما نظرنا اليه حتى في وقتنا هذا الذي نَدرتْ فيه الدهشة، عمامة الموديل والتي تدير رأسها قليلاً الى اليسار يماثل الجزء العلوي من الكمان بينما أقراطها الطويلة تقابل مفاتيح شد الأوتار وزند الكمان هو العمود الفقري للظهر بينما رُسمت علامات الكمان بالأسود على الظهر العاري بدقة في قسمه السفلي، هذه الصورة كأنها نشيج الكمان بحب الظهر الفرنسي الباذخ العاري.

الصور المعروضة تظهرمعرفة حقيقية للرسم بمنح الوجوه حضورٌ قوي بإستخدام الضوء وبتقديم الوجوه على خلفية مناسبة معتمة وكثيرا ما أضاف مان راي مربعا لكي يركز على بؤرة الصورة. وهناك أيضاً إهتمام عميق بالعمليات التي تجرى على الصور بعد ان تُلتقط نلاحظ ذلك في صوره الشخصية التي يلتقطها لنفسه والتي غالبا ما تُظهره في معمل تحميض الصور أو في مرسمه على الرغم انه كان يصرح: " لقطاتي هي أعمال ضوئية بحتة". نعم، فالمناورة بالضوء والظلال وأشباههما في غرفة مظلمة كانت  تفتنه وتحفزه للتجريب أكثر.
 ورغم انه يُعد من رواد السوريالية لكنه لم يكن يبالغ في سلوكه أو أعماله لجذب الأنتباه اليه ولم يصور شخوصه على انها موديلات يمكن التلاعب بها فنياً لخدمة غرضه فقط، ما حاول التقاطه وتثبيته بلوحاته الفوتغرافية هو الشعور العالي بالفردانية لدى موديلاته، هناك إستيعاب وموازنة بين الصورة الفنية وبين رغبة شخوصه بالظهور كما يحلمون وكما هم عليه حقيقةً كما في بورتريت (باربيت/ 1926 فنان سيرك يلبس أزياء النساء) فهو يظهره بظلال لنهدين على صدره المسطح مع تركيز على شفتيه ونظرته الأنثوية الصارخة ويضيف صورة صغيرة اخرى له أثناء الإستعراض كخلفية لوجهه. 

بورتريت لفرجينيا وولف أُلتقطَ عام 1934 يُظهر ذكاءها وحساسيتها المفرطة، ترفع يدها كأن أصابعها تكلم الكاميرا بينما يميل وجهها ونظرتها نحو اليسار. 

 صور(ميريت ابونيام الفنانة السوريالية والموديل) حكايا قائمة بذاتها في احدى الصور الصغيرة جدا تقف ميريت بجسدها المرمري عارية الا من ضياء نافذة بينما يقف مان راي خلفها  يمسك يدها واليدان معاً تستقبلان الضوء باستسلام .
 (نانسي كونارد) تُفرط في لبس الأساور العريضة تسريحة شعرها تظهرها ذات عزيمة فائقة . (إفا كاردنر) الممثلة الامريكية تظهر وكأنها نفسها تماما، فائقة الجمال ورائقة وتعرف قيمة ذاتها. عوالم الرجال الخفية كانت أكثر صعوبة لإختراقها بالعدسة من بوح النساء السريع، كأنهم غير واثقين تماما مما يريدون لكنه إلتقط صوراً جميلة كثيرة لاصدقائه، صورة (بيكاسو/ 1933) تظهر تناغم نظراته الثاقبة من عينين سوادوين مع يديه الكبيرتين. لماتيس صورة ايضا عام 1925 تظهره محافظ الشكل في بدلته الصوفية ولحية مشذبة تتناقض مع نظرة العينين الرهيبة القلقة الباحثة عن كل شئ. 
(أنتونين أرتو) الصارم والوسيم الملامح وبشعره المبعثر يمنحنا نظرة من فوق كتفه تقول عنه كل شئ الا الجنون، سلفادور دالي متأنق نحيف يغمر وجه ضوء شديد على خلفية داكنة وبأذنين نافرتين لسماع لاوعيه ربما. 


جان كوكتو ينظر من خلال إطار يحمله، كم تبدو هذه الصورة معاصرة..! جيمس جويس يحني رأسه ويمسك جبهته كأنما يستخرج الكلمات منها. خوان ميرو والحبل الملتف في عدة إتجاهات كخلفية له للإشارة الى خطوطه النحيلة الشحيحة في لوحاته، وهناك صور ثنائية كما صورة هنري ميلر جالساً غير مكترث وزوجته الاخيرة عارية واقفة خلفه كأنما تغوي ظهره وترسم على وجهها قناعاً من خطوط للتمويه، أو صور جماعية كما في مجموعات السوريالين وصور بها حس الفكاهة والبراءة. معظم موديلاته تنظر مباشرةً للكاميرا او تشيح النظر عنها قليلا لكنها واعية للعدسة، صور قليلة مُلتقطة وكأنما الموديل لايعي أن عدسة ما ستحنط لحظته كما في صورة (إمراة تدخن سيجارة) فهو يتعامل مع رأس المرأة بمعزل عن جسدها ويصور شعرها المتموج كأنه شاطئ بحر يتصاعد مع تلة الذقن وصولاً الى القمة الشفتين والسيجارة بينهما. أو كما في صورة (الوجه الطائر) حيث الموديل مغمضة العين مشعة وجهها طائر من ضوء وخلفه عتمة. 
 لا شك إن الكثيرين قد نسخوا وينسخون إسلوب مان راي في التصوير لأنه استطاع أن يذهل ويسعد جمهوره من خلال إطلاق أفكارهم خارج حدود البيئة المحيطة.الا انه أيضا فنان رومانسي حالم وحساس وهذا ما قالته لوحاته الفوتغرافية المتجددة دوما.




الأحد، 13 يوليو 2014

ميريت اوبنيام


 السوريالية المجهولة 






لم تترافق حركة فنية في التاريخ الحديث كما ترافقت السوريالية مع المشاعر المظلمة والمزاج السوداوي واللاوعي المثخن بغرائبيته وكوابيسه، والكثيرون في بداية نشأة هذه الحركة، إستشعروا التهديد وعدم الراحة  للاهداف المبلبة والمشوشة كما ان الحلقات الأكاديمية والنقاد إعتبروها فكاهة، ورفضوا أن يعيروها إهتمامهم، وقُوبِلتْ باستمرار ببعضٍ من السخرية، كانت تصدر دائماً عن أشخاصٍ غرباء عن الفن.. لكنها في النهاية نَمتْ وتبوأتْ مكانتها الحقيقية باعتبارها أشد حركات الفكر والفن، ضرورةً وحداثةً وتجديداً، وذلك بسبب ارتباطها الدقيق بالشيوعية، من جهة، وبالقضايا الروحية للانسان المعاصر من جهة ثانية.                                      

وقد افرزتْ السوريالية الكثير من الشعراء والفنانين لكننا نكاد لا نعرف شيئا عن رائداتها من الفنانات، وقليلا ما سُلط الضوء او النقد عليهن، بسبب هيمنة صوت الرجل وما أحدثه من جلبة في المشهد الثقافي الباريسي الذي رافق نشوء هذه الحركة.
ولعل ميريت ابونيام هي الصورة الاكثر وضوحاً في سوريالية الانثى، وواحدة من أبرز شخصيات القرن العشرين الفنية السويسرية، ولدت ابونيام في برلين 1913 وتوفيت في بازل بسويسرا علم 1985. ترعرعت في جنوب المانيا حيث إمتلك والدها الطبيب عيادة ريفية. تزوجت عمتها من هرمان هسه الروائي الشهير، وجدتها لامها، التي تربّت في كنفها، روائية معروفة وكاتبة قصص للأطفال ومن الناشطات الاوائل في الدفاع عن حقوق المرأة في سويسرا. وقد أُعجبت الفتاة بجدتها أيما إعجاب وقررت في وقت مبكر عدم الزواج او على الاقل إرجاء الزواج الى وقت متقدم من حياتها. في طفولتها كانت ترسم في الكنيسة أثناء القداس وتخفي دفتر رسمها داخل كتاب التراتيل، وفي عمر السادسة عشر، رسمت اولى رسوماتها السوريالية الفطرية بعد رؤيتها لمعرض فني بوهيمي إقيم في بازل، وسرعان ما تركت الدراسة وبدأت تختلط باوساط الفنانين واشتغلت في التخطيطات التي امتازت بروح دعابة وسخرية. رحلت الى باريس بعمر الثامنة عشر بحثاً عن مناخ أكثر خصوبة لافكارها ونزقها وانخرطت في دراسة الفن في احدى أكاديميات باريس الفنية، لكنها سرعان ما شعرت بالضجر مجدداً من الدراسة الاكاديمية وأنفقت وقتها بدل ذلك في مقاهي باريس ومعارضها الفنية وكتبت اولى قصائدها في مقهى (ذه دومب) حيث قابلت جياكوموتي عام 1933 . 



 ومن خلال (جياكومويتي) تعرفت على (هانس آراب وماكس إرنست) حيث أصبح (جياكوميتي وآرب) معلمين ومرشدين لها، في حين صار (إرنست ومان راي) من عشاقها وانتشرت صورها الفوتغرافية/ الإيروتيكية التي إلتقطها الفنان (مان راي/ المصور الفوتوغرافي السوريالي) وأسهمت في إضفاء إسطورة فنية لاحقة على إسمها، وسرعان ما إنخرطت في الحركة السوريالية، حين شجعها جياكوميتي الذي اشتغل في نحت الاثاث والتحف الفنية، على صنع مجسمها السوريالي الاول، قطعة صغيرة منحوتة على شكل أُذن تسمى اذن جياكوميتي 1933. تلقت بعدها أول دعوة من (جياكوميتي وهانس آرب) للمشاركة في المعرض السوريالي في السنة ذاتها، وأصبحت من المواظبين على المشاركة في المعارض واللقاءات التي جمعت رواد السوريالية.                                                                                                                        
لكن ميريت ابونيام كانت تضجر من التصنيف، هي التي عنونت لوحاتها باكثر من لغة كي توحي للمتلقين بأنها لا تنتمي لبلد محدد أو لغة ما، شعرت إنها لن تكون ذاتها لو صُنِفت ضمن مدرسة معينة، لم يكن يعنيها أن يُسجل إسمها بين رواد السرويالية، كانت تبحث عن ذاتها فقط وعبر كل أشكال التعبير الفني والشعري، لقد رسمت وجَمعتْ التحف وأبدعتْ في نحت الأعمال الفنية المركبة التي تجمع بين النقائض بشكل مدهش وكتبت الاغاني والقصائد واشتغلت كموديل للمصورين والفنانين أيضا، لقد آمنت بشدة باحلامها التي دونتها منذ سن الرابعة عشر، بتأثير من والدها الطبيب الذي قربها لنظريات التعمق النفسي وتحديداً لنظرية ( كارل يونغ). لذلك اعتمدت لاحقاً على خزينها الذاتي اللاوعي ورموزه، في الخلق الشعري والفني، وإبتعدت عن وعيّها التام وعرفت كيف تجعل من أعمالها صدى لاحلامها  النابعة من إرثها الفني، وهي اللغة الوحيدة التي أجادتها عبر فنها وقصائدها.   

     
     ولعل ميريت ابونيام أبرز من ساهم في رسم ملامح (الانثى/السوريالية) لعدة اسباب: روحها الطليقة وسلوكها الغرائبي، خيالها المبحر بعيداً بلا شاطئ وحلمها الذي يمارس سطوته القصوى في أعمالها الفنية وربما جمالها وشبابها، هذه المميزات خلقت منها، نموذج المرأة السوريالية المزدانة بالجمال والاستقلالية والحرية والابداع. ورغم هذه الهالة الخارجية لكنها واجهت الكثير من العوائق والحيرة والتساؤل المتواصل عن معنى الحياة والفن، في مسيرة بحثها  الطويلة عن اسلوب تتفرد به للوصول الى النضج الفني.         
و(كوب الفرو/عملها الاشهر) هو عمل نحتي مكون من كوب للشاي مع صحنه وملعقته ومغطى بفرو ماخوذ من غزال صيني، وهو احد مقتنيات معرض الفن الحديث في نيويورك، أصبح العلامة الفنية لميريت ابونيام، ليس لغرائبيه المدهشة فقط بل لانه يوحي للمتلقي بضرورة إختبار شيئاً مشعراً ويقبع عميقاً في شاطئ المخيلة البعيد. وهو من جهة اخرى، عمل يستدعي بعض الذعر والخشية، كأنه وجبة إفطار ملطخة بقطرات الدم، وميريت ابونيام في هذا العمل، تحاذي ثقافة مهوسّة بالغذاء والعنف والجنس.                                                      
  أعمالها التي اخذت حيزها من هياج السوريالية الاولى، أعتمدت دائما على اشياء يومية صغيرة لكنها معزولة عن غرضها ومحتواها فهي، ومثل بقية السورياليين مولعة بتحويل مقتنيات الحياة اليومية الى اعمال فنية غريبة: خواتم ملفوفة بجلد الثعابين، قلادة تتكون من سلسلة من العظام الصغيرة، قبعة على هيئة رأس كلب بفك مفتوح ولسان يسيل منه اللعاب، كما انها من جانب آخر، ركزت على جنسانية الانثى ورحلة اكتشافها من قبل الرجل. اصالتها وجرأتها جعلتها - وبلا إرادة منها - من رواد السوريالية، هي التي آمنت بقوة الحلم العظيمة وبالحركة النزيهة للفكرة.  ميريت ابونيام أعادت إكتشاف العلاقة بين المدنية والطبيعة، الرجال والنساء، الليل والنهار والحلم والواقع. وكل اعمالها هي نتاج مخيلة غنية وحاذقة في مزج الاشياء والافكار لكن النقاد غالبا ما يقيسون ابداع إمراة فنانة بغيرها من الرجال، وترجح كفة الرجال غالبا. 
                                       
     
  ارتبطت اعمال هذه الفنانة أيضاً بالحركة الدادائية وما تميزت به من خفة الدم والفكاهة الحاذقة التي تشكل الهيئة الخارجية لاعمالها والتي غالبا ما يكون لها جذور في لاوعيها. ثمة روح ادبية خالصة قد سكنت ميريت ابونيام وعبر كل الاشكال الفنية التي إنبرت لها  باحثة بلا هوادة عن مهاوي الحلم، شاردة في تجوال أبدي بين الذات والآخر، يقظة على الدوام لهمهمات الوجود، فهي لعقود قد رسمت بإلهام من منابعها الذاتية، من احلامها  وافكارها وحتى من سخريتها كما انها تناولت مسالة التمييز الجنسي بين المرأة والرجل، وآمنت بقوة ان الفن بلا جنس ولا يعرف التمييز بين الانثى او الرجل. هذه الفنانة، هي أول من ادخل تقنيات الملتي ميديا في الاعمال الفنية، الجانب الاخر لتنوع انتاجها الفني، عدم وجود إسلوب معين أو مدرسة أو موعظة سوى حلمها واخلاصها لذاتها.                                                                                                       
  في منتصف الخمسينات استعادت ثقتها بنفسها وبفنها وبهدوء بدأت مرحلة جديدة ومختلفة في انتاجها الفني، من خلال إقامة المعارض الفردية والمشتركة في عدد من المدن الأوربية، وعند نهاية حقبة الستينات وبعد فتور علاقتها بالسوريالية (بعد موت اندريه بريتون عام 1964)، كان هناك اعادة اكتشاف وتسليط ضوء جديد على اعمالها الفنية. تصف ميريت ابونيام نفسها كأنها مقياس ريختر للزلازل لكنها بدل ان تقيس إهتزازات الارض تقيس إهتزازاتها المتجذرة في الماضي والمستقبل لفضاء روحها، والتي تبقي ممر العبور نحو اللاوعي مفتوحا لها دائما، لقد كافحت من اجل خلق موازنة ووحدة أبدية لكينونتها وإرتباطها بالآخر، إمراة روحانية ورجل روحاني، هذا التوازن الذي انعكس حتى على مظهرها الخارجي وأحلامها في سنوات شيخوختها. لقد دَعتْ الى إعادة الاعتبار للانثى القديمة أم العالم، للوصول الى الإنسانية الناضجة، بعد أن تدنت مميزات الانثى، في ظل النظام الابوي، وحُطَ من قيمتها وتحولت الانثى الى إمراة مقيدة.                                              
قضت سنوات حياتها الاخيرة بين بيرن في المانيا وبازل في سويسرا، انها امراة أفنت عمرها في الاخلاص لسوريالية ذاتها، التي مثلت لها قارة سوداء للحلم، لا تنضب.                                         

مختارات من قصائدها

فوق، هناك في تلك الحديقة
تقف ظلالي
التي تبرّد  ظهري.
في تلك الحديقة ، تقف،
تقاتل من أجل كسرة خبز
وتتصايح مثل ديكة.
أريد أن أزورهم...
اليوم،
أريد أن أحييهم...
اليوم،
وأعدّ أنوفهم.   
.................................................

لأجلك، ضدك،
أرمي كل الأحجار خلفك
وأجعل الجدران فضفاضة. 
لك،
 عليك،
لاجل المائة مُنشِد فوقك،
الحوافر تركض طليقة  السراح.
فرحة  في قوقعتي
انا اول الساكنين بها
ولتكن الجدران فضفاضة.
..........................................................................

أخيراً !
حرية !
السنارات تطير.
قوس قزح يفيض في الشوارع،
لا يطغى عليه سوى
طنين نحل عملاق بعيد
الجميع يخسر كل شئ
او يوشك على الخسران،
طفح العبث
لكن : جينيفي :
متخشبة،
تقف على رأسها
مترين فوق سطح الارض
وبدون أن تستند على ذراعيها.
أمير الألم، إبنها:
ملتف في شعرها،
نافورة صغيرة،
سأعيد:
نافورة صغيرة.
تصفر وتبكي في البعيد.
..............................................

أيها الكابتن الصدوق
أخبرني،
دُلّني على المكان
 حيث يفرش  السنونو جناحه،
 بين الغيوم.
وادي الأمواج، في شَعَرِ الآلهة،
الأضواء الخضر في الغابة.
هنا الليل،
مكانس الشر تقتل
الكوبلدس*
ما من عجلة تدور،
الظلام يتنصل من ذاته
وما من أحد يسأل،
هي قبضة في قبضة
 لا يمكن  تميّزها.


) : شخصيات متخيلة من التراث الالمانيkobolds*(
ترجمة النصوص عن الإنكليزية