السبت، 21 فبراير 2015

لا يبقى شئ سوى الصورة


الصور الفوتغرافية حين تتحول الى لوحات أرشيفية 

كم إستوقفتني الصور الفوتغرافية الأرشيفية بالأبيض والأسود، والتي تؤرخ لأناس عاديين من جنوب لبنان لعقود الخمسنيات والستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم حينما زرتُ معرض المصور الفوتغرافي اللبناني أكرم الزعتري في كالري التيت مودرن وكم إستوقفتني لاحقا صور أكرم الزعتري بمركز جورج بومبيدو في باريس كجزء من معرض فوتغرافي عن الشرق الاوسط. ترى لماذا يحظى أكرم الزعتري بكل هذا التقدير في كبرى المعارض في العواصم العالمية! 
يمزج أكرم الزعتري المولود في صيدا عام 1966 مهارات المؤرخ والفنان والدليل الفني ليجري فحصاً دقيقاً على الصور الفوتغرافية القديمة والمهملة ربما، ومدى قدرتها وقابليتها لعرض الماضي بحيادية ونقده. لوحاته الفوتغرافية تتحدى الصور النمطية للتاريخ القريب في محاولة لتقويم هذا التاريخ والتركيز على الفردانية الى درجة تضخيم هذه الفردانية في أحيان كثيرة. عام 1997 أسس مؤسسة الصورة العربية وهي منظمة غير ربحية متخصصة لدراسة وحفظ الصور الفوتغرافية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبحوزة هذه المؤسسة الان ما يعادل 300.000 صورة فوتغرافية.  بدأ اكرم الزعتري عبر هذه المؤسسة مشروع لإثارة إنتباه الناس والرأي العام لأرشيف إستديو شهرزاد للمصور الفوتغرافي (هاشم المديني ) وهو إستديو للفوتغراف بدأ عمله في مدينة صيدا جنوب لبنان منذ عام 1948، اللقطات الفوتغرافية التي التقطها مصورو إستديو شهرزاد تمثل صور لأناس من مختلف الفئات العمرية غير معروفين  فردية أو في مجموعات أو صور ثنائية، أناس مغيبون ومجهولون غالباً، لكننا نراهم بملابسهم البسيطة وتسريحات الشعر ونظراتهم التي يواجهون بها الكاميرا بشكل متعمد حينما تعلق هذه الصور المنسية في كبرى الكالريهات في العواصم العالمية. الصورة الفوتغرافية إذن هي اللغة الوحيدة المفهومة في كل أرجاء العالم والتي تصل بين الامم والثقافات وتربط  حياة البشر بتضامن عاطفي غالبا، والفوتغراف اذا ما إستقل عن الخطاب السياسي يعكس الحياة ومجرياتها بصدق ويتيح لنا مشاطرة الاخرين آمالهم وآلامهم ويلقي بضوء ساطع على الأوضاع السياسية والاقتصادية في لحظة الصورة ونصبح نحن المتلقين أينما نكون شهود عيان على أنسانية ولا إنسانية البشر. 
  
تضج هذه الصور بحياة حيوية كاملة الوجود، صورة لفتاتين ترتديان عوينات شمسية كبيرة كتلك التي سادت في تلك الحقبة تحضنان بعضهما، صورة أخرى لرجلين ومسدسين في أيدهما ويمثلان مشهداً للقبض على رجل ثالث بينهما، صورة اخرى لرجلين أحدهما يرتدي برقع على رأسه في محاولة لتمثيل دور عروس بينما يلف الرجل الثاني ذراعه حول كتف الأول، الكاميرا تحنط الإبتسامات والإيماءات وحركات الجسد ونظرة العين بل يخيل لنا إننا نسمع الناس ونشعر بهواجسهم الداخلية وننصت للضوضاء خلف جدران الإستيديو في الشوارع ، نلمس أحلامهم ورعبهم وآمالهم ووضعهم والاقتصادي وتطلعاتهم. 
 الصورة الفوتغرافية هي لحظة مرنة لمصافحة الاخرين
 كان إستديو شهرزاد ملاذاً آمناً في مجتمع محافظ، يسمح للناس أن يمارسو خيالاتهم وأحلامهم أمام الكاميرا للوصول الى صورة مثالية لهم ( من وجهة نظرهم) وهي ممارسة كانت شائعة ومقبولة داخل إستوديهات التصوير في تلك الحقبة، كأن الاستديو يفصل الناس عن محيطهم ليصبحو بطريقة ما أكثر إنتماءاً لأنفسهم وأحلامهم، كان الناس في تلك الحقبة من الزمن يذهبون للإستديو لأخذ الصور الفوتغرافية كنوع من الموضة مثلما يذهبون الى قارئ البخت لمعرفة طالعهم لذا فهم يعتمدون على المصور كي يحررهم من واقع مخذل أغلب الأحيان.

 عرض كالري التيت في لندن مجموعة لوحات أرشيفية تستقرء وجوه ومواقف الناس العاديين في لبنان للفترة من 1950_ 1970، مصنفة حسب الفئات تعكس هذه الصور وتبرز المكانة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها من يجلس امام الكاميرا. الصور بالأبيض والأسود تثير فينا حنين جارف وتستنفذ غريزة الفضول الى أقصاها، أكرم زعتري يقترح طريقة لقراءة الصور الفوتغرافية بالتمعن في لباس و دوافع الناس الذين يجلسون لإلتقاط الصور كما لو إن الإستديو يروي فلم متسلسل لإناس مجهولين والمصور هو مخرج هذا الفلم. الزعتري يركز على الذكريات والأحداث اليومية التي تعيد تفسير سلوك الناس وأفعالهم وردات فعلهم في أوقات الحرب والمنفى ضمن نطاق المسموح به، في مقابلة لإبنة هاشم المديني صاحب إستديو شهرزاد قالت إنها لازالت تحتفظ بالديكورات والأزياء التي كان والدها يحتفظ بها في الإستديو كي يلبسها الناس ليتشبهوا بنجوم السينما. أكرم الزعتري صانع صورة وجامع لها لكن حقوق عرض الصور الشخصية بمعارض عامة للجمهور قد يثير فينا تساؤلاً : هل يسمح أصحاب هذه الصور بنشرها علناً؟ هناك صور مخربة عن قصد لأمراة شابة تدعى زوجة الباقري، طلب زوج هذه المرأة من المصور أن يتلف نيجاتيف صورها لأنها ذهبت الى الإستوديو دون موافقته، لكن أكرم الزعتري يبدع صور جديدة من نيجاتيف الصور المخربة عمداً، تصبح الخطوط المتعجلة التي تتقاطع على وجه المرأة الفاتنة جزءاً من جمالية الصورة ودليلاً كافياً على إن تخريب الجمال عمداً يزيده بهاء.  

 الكاميرا لا تكذب

في قاعة أخرى في كالري التيت خًصصتْ لعرض صور لأطفال فلسطينين من إحدى مدارس الأونروا وهم يجلسون جميعا على ذات الكرسي بالتعاقب وخلفهم حائط مخربش، يعود تاريخ  هذه الصور لسنة 1960، الفاقة جليّة على الوجوه جداً لا إبتسامات ولا ملابس مرتبة، أطفالاً غادروا طفولتهم قبل أن يولودوا ربما. 

 في صالة أخرى  صور ارشيفية لرجال من المقاومة الفلسطينية والسورية، بعضهم شباب يرتدون الملابس العصرية في تلك الحقبة يوجهون بنادقهم الى زاوية منحرفة عن الكاميرا بفرح يطفر من ملامحهم كأنهم يحملون حبيباتهم بين أيديهم ونستطيع أن نخمن بسهولة إن حمل البندقية في تلك الحقبة هي جزء مكمل لرجولة الرجل الفلسطيني. بينما يظهر رجال المقاومة السورية بشكل أكثر صرامة تلف رقابهم وصدورهم الغترة العربية ولا   
يحملون أسلحة بين اديهم.

بينما علقت في مركز جورج بومبيدو صورة أرشيفية جميلة ضمن مجموعة صور أخرى لأكرم الزعتري، لصياد لبناني يرتدي الطربوش وتقف خلفه إبنتاه يرتسم على محيا إحداهما عبوس العنوسة بينما تلّون وجه الاخرى إبتسامة الأمل يبدو إن الصورة قد إلتقطت في منزل الصياد لأن خلفية الصورة هي بطانية داكنة تخفي تفاصيل البيت البسيط لكن يد طفل تمسك البطانية في زاوية الصورة  وتفضح ضوضاء الدار.  

صور أكرم الزعتري شفوقة ومهذبة رغم بلاغتها وشخصية تميل الى ترك المشاهد يرى بنفسه صوراً لا تتظاهر بكونها فناً كما إنها ليست عظة، هي أثر الواقع فقط مثل طبع القدم أو بصمات الأصابع أو مثل أقنعة الموتى. 

الخميس، 5 فبراير 2015

عن الشونكا اليابانية

فن الأحتفاء بمتع الحياة الحسية 

تكاد تكون معرفتنا بفن الإيروتيك الياباني المعروف ب (شونكا/ Shunga) معدومة. المتحف البريطاني يُتيح لزائريه فرصة  نادرة لتذوق ومعرفة هذا الفن عبر معرض عن مطبوعات ورسومات شاملة  لطرائقه وآدابه المكشوفة والساخرة أحياناً، ويُمَكّن الزائرين من مشاهدة اللحظات الحميمية لليابانيين في الوقت الذي كان اليابان معزولاً عن العالم. المطبوعات المصورة مزيجاً من الإبداع الفني الراقي والتصوير الذي لايترك شيئاً للمخيلة.
 معظم اللوحات هي طباعة على رقائق من لحاء الاشجار، طبعت في طوكيو في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر وتستعرض هذه الرقائق الخشبية الملونة مجموعة كبيرة ومتنوعة من النشاطات الإنسانية والجنسية وكل ما يتعلق بالمتعة والإيروتيك  بتفاصيل صريحة جداً مما جعل دخول المعرض مقتصراً على من هم فوق سن السادسة عشر.
 لم يسبق أن عُرضتْ هذه الصور في أي متحف آخر نظراً لمحتواها الفاحش لكن إدارة المتحف البريطاني إرتأت عرض صور الشونكا كنوع من أنواع الفنون الشعبية الأنيقة التي تقدم نظرة ثاقبة للحياة الجنسية والتمايز بين النساء والرجال في المجتمع الياباني في اولى مراحل تطوره.
ومفردة (Shunga/ شونكا) تعني باللغة اليابانية (صور الربيع ) وهي إستعارة عن الفن الإيروتيكي الذي إزدهر نتيجة النمو السكاني لمدينة طوكيو التي كانت تسمى(ايدو)، حيث كانت المتاجرة بالجنس منتشرة فالنساء الفقيرات غالباً ما كّن يمارسن البغاء بإشراف من عوائلهن أو يعملن كمحظيات في بيوت الأثرياء. كان المجتمع الياباني في تلك الفترة يعاني من الطبقية وعدم المساواة بين الجنسين، القوانين الكونفوشية الصارمة التي تركز على الواجبات وتكبح النوازع ، تحكم الحياة الرسمية لكن الحياة الخاصة للأفراد كانت أقل صرامة بكثير، ورغم ان هذا الفن مُنع رسمياً بعد عام 1722 لكن طباعة صور الشونكا إزدهرت بين هذين العالمين، عالم الصرامة الكونفوشية وعالم الإنعتاق الخاص. وإستمر تداول هذه المطبوعات بعيداً عن الرقابة ولم تتعرض للنقد الرسمي . 

صور الوسادة 


ويسمى هذا الفن الايروتيكي أحيانا ب (صور الوسادة/pillow picture ) وهي حكايات ومطبوعات  تصور رجالاً ونساءً يستمتعون بالحياة والجنس في وضعيات عديدة وتبتعد عن تصوير الجنس بالاكراه او مشاهد الاغتصاب. وهناك أيضا رسومات تصور الجنس المثلي الذكوري والانثوي أو تصور مجموعة إناس منغمسين بالجنس الجماعي أو اللهو.
ساهمت مطبوعات الشونكا في التربية الجنسية لليابانيين لأن طباعتها غير مكلفة وبمقدور أي فرد ينتمي  للطبقة الوسطى أن يشتريها. كانت الأمهات تورثها أو تهديها للبنات اللواتي على وشك الزواج.
لقد سَرقتْ نظرة
من صور الوسادة
خلف مخدع عرسها
هذه اللوحات تصور مكامن الجمال للناس العاديين ومحاربي الساموراي والراهبات والرهبان اوحتى تقنص الجمال الخافت في الشيوخ، وهي إحتفال بالحب الحر والمتخفف من العواقب والقيود وسط الطبيعة الجميلة. الأجساد البشرية في مطبوعات الشونكا ليست مثالية الجمال والتكوين كما هي في منحوتات الحضارة الأغريقية والررومانية وهو دليل على إختلاف معايير الجمال في شرق آسيا. 


الصور الاولى في هذا المعرض يعود تاريخها الى سنة 1600هي رسوم على شكل مخطوطات ملفوفة كما رسائل البردي القديمة سبقت الطباعة تمثل رجلاً  ضخماً يبدأ بإستخدام الفرشاة برسم مشهد مباراة لقياس طول العضو الذكري لمجموعة من الرجال، ووفقاً لاقتباس من أحد الرسومات في هذه المجموعة يظهر إنه لاعلاقة لهذه المباراة بالحقيقة الفسيولوجية بقدر ما هو نزوع جماعي لنزوة تأكيد الذكورة:
( اذا كان "الشئ" يُصَور في حجمه الطبيعي فلن يكون  ميثيراً للاهتمام، ألم نقلْ إن الفن هو الخيال).
 
تبهر غالبية الصور عين المشاهد وتقودها عبر مسالك التناقض بين الملابس المزركشة الفاخرة والأجساد النقية البيضاء التي تظهر أجزاءً منها فقط في حالة نشوة مطلقة . تقترح وضعية الاجساد  الفيسولوجية حالة الاستمتاع القصوى، التشابه بين وجوه النساء المنتشيات وبين وجوه الرجال الرقيقة  تضيف رعشة مربكة الى سلسلة لوحات الفنانين (شن جو / Shuncho  )(هوكوساي/ Hokusai) وغيرهم من الفنانين المعروضين في هذا المعرض .
وبرؤية حداثوية ربما تمثل الشونكا رسوماً كاريكتورية يابانية لها طابع جنسي فاضح ورغم ذلك فانها لاتظهر الأجساد عاريةً لأنها تريد من المتلقي أن يستشف هذه الأجساد وهي تتناغم مع الملابس المزينة بالزهور وما يحيطها من أثاث ونوافذ وأشجار وطيور وآلات موسيقية وغيرها من وسائل الحياة اليومية. ويبدو إن الملابس الحريرية المزينة بالرسوم والزهور بالنسبة لليابانين أكثر إثارة من الجسد العاري الذي ربما يوحي الى الأستحمام في حمام عام. مثلا لوحة تمثل أحد مقاتلي الساموراي يضع سيفيه على جنب ويستلقي مع إمراة ثرية تحت غطاء مزين برسم لديك متوثب وريشه الملون منثور على  جوانب الغطاء.

عبق براعم زهور الخوخ
حراس المعبد
 فم مفتوح وفم مغلق
الضحكة الاولى لبداية العام الجديد. 


  
لوحات ملونة ومنثورة برذاذ ذهبي وفضي ببذخ وأناقة وبمزيج متناقض من الألوان والأنسجة والأنماط مع تداخل الأعضاء التناسلية للرجال والنساء ذلك التداخل الذي لايوحي بل يصور بشكل فاضح وصريح.
في منتصف سلسة الفنان وشاعر الهايكو المتوفي سنة 1806( كيتاكاوا اتامارو/ Kitagawa Utamaro) المعنونة (قصيدة الوسادة) وهي أكثر الأعمال المتسلسة أناقة وتنطوي على الكثير من عدم التوقع والمفاجأة التي تجبر المشاهد على الضحك ،وهي جوهر فن الشونكا الذي  يمزج الجنس مع الفكاهة على خلاف فن العصور الوسطى في أوربا حيث الفن غالباً يدور في دائرة الكنيسة والدين. يزين هذا الفنان مطبوعاته بهوامش شعرية مثل:
رغم قلقي،
وعدم قدرتي على معرفة ما تخفي في قلبك
فاني أمنحك جسدي
لم يبخس فن الشونكا حق المرأة بالمتعة، هناك مطبوعات كأنها أُنتجَتْ للمرأة تحديداً. مثلا مطبوعات من القرن السابع عشر لفنان مجهول بعنوان (راهب في صندوق) تصور راهبة بوذية حليقة الراس تماماُ في عدة مشاهد، تزرع هذه الراهبة نفسها فوق  كيس كبير كأنه هدية من هدايا أعياد الميلاد وبالتتابع  نتبين إن الكيس المزين بالزهور والريش يخفي بداخله رجل عارم الشهوة ، ومن المستحيل أن يمر المشاهد دون أن يبتسم لهذه الحكايات الطريفة ، نعم فقد كانت النسخ القديمة من الشونكا تسمى بالصور المضحكة لكن هناك حكايات تستلهم الخيال المرعب في تصوير متع الجسد مثل تلك اللوحة الغريبة التي تصور إمراة غطاسة للبحث عن اللؤلؤ وهي تسمتع بمارسة الجنس مع أخطبوط .
أزيلت آثار الشونكا من الذاكرة الشعبية والرسمية في اليابان في القرنين التاسع عشر والعشرين وصارت نوع من أنواع التابوهات لكن في ذات الوقت أُكتشفَ فن الشونكا في أوربا وأمريكا وجمع بعض الفنانين مطبوعاته بحماس مثل هنري لوتريك وبيردسلي ورودان وبيكاسو .
منقاره
أُسِرَ بشراسة
في المحارة الرائقة
طائر الشنقب
لن يستيطع التحليق
في الليلة الخريفية.*
عندما ستنتهي فترة معرض الشونكا في المتحف البريطاني سوف ينتقل الى عدة عواصم  اخرى ومن ضمنها طوكيو.
___________
*المقاطع الشعرية من مقتبسات المعرض نقلا عن الانكليزية 

الجمعة، 9 يناير 2015

عن معرض رامبرنت في الناشنول كالري في لندن


لوحات رامبرنت الأخيرة 

حين توجهت الى الناشنول كالري في ظهيرة يومٌ شتوي رائق لزيارة معرض ( أعمال رامبرنت الأخيرة/ Rembrandt the late works)  لم يخطر في بالي إني سأنفق ساعة من الوقت وقوفاً في الطابور الطويل من الزائرين المـتأنقين الذين يرومون مشاهدة المعرض، رغم غلاء سعر بطاقة الدخول، هؤلاء الناس بمختلف أعمارهم وميولهم الثقافية يمثلون مجتمعاً، الفن جزء أساسي من بنيته وليس طارئ عليه أو مكمل له أو نخبوي. 
إشتهر رامبرنت بلوحاته الذاتية self-portraits حيث رسم ثمانين لوحة لنفسه، أرّختْ بدقة لحياته وتقلباته النفسية، أفراحه وأحزانه. في قاعة الكالري الأولى المخصصة للوحاته الذاتية، نرى رجلاً تخفي ملامحه أكثر مما تُظهر، كأنها  تصرخ به كي يدوّنها بفرشاته : وجهٌ يخيم عليه الحرمان، أنف مميز يميل الى العرض، شعر مجعد وعينان تعكسان حكمة ومعرفة لا تنتمي لزمن معين، كأنهما واعيتان لكل العيون التي ستتفرس فيهما مستقبلاً. آخر لوحة رسمها لنفسه عام وفاته 1669، والتي تظهره بوجه واهن وغير مكترث منحوت بدقة بالألوان يرتدي رداءاً أحمراً قانياً وقبعة فرنسية للرأس، يداه مرتخيتان تعلنان عن إنهيار وإستسلام تام للمصير، لكن رامبرنت الذي غادر عالمنا قبل أربعة قرون أسرني بنظرته الثابتة الثاقبة كأنه خصني بها وحدي وسبر أغواري وحدثني بلغة تعبر الأجيال والسنوات .
أكثر من تسعين عملاً فنياً بين لوحات تتباين في حجومها وتخطيطات، تستعرض الخمسة عشر سنة الأخيرة من حياة هذا الهولندي المدهش، كأن هذا المعرض يقول لنا بملء الفم إن الأعمال الفنية  الكلاسكية لا تعني أبداً إنها 
قديمة أو إُستُهلكتْ فنياً ونسيّها الجمهور. 

حساسية مفرطة للضوء 

رامبرنت المجدد بتعامله وتلاعبه بحساسية اللون للضوء والظل، للوصول الى أقصى إمكانيات التعبير الفني. تفصح ضربات فرشاته وتخطيطاته أيضاً عن حساسية إنسانية عميقة مزمنة ومقدرة تنويرية على شحن لوحاته التصويرية بعواطف حقيقية جياشة. عبقرية رامبرنت الفنية  قادته الى مزيد من التحرر الفكري والروحي من الأنماط والأساليب الفنية التي سادت عصره، والى المزيد من الإبتكار في الرسم والتصوير والتخطيط والتجريب في إستخدام اللون وكثافته والضوء والظل والانعكاس  في خلق الفضاء التصويري، ولم يكف عن إستبطان الألوان وخصائصها للحصول على التأثيرات المبتغاة بذكاء فني حاد وأصالة متفردة فقط، بل إمتاز هذا العبقري الهولندي أيضاً بفطنته وفرادة عينه الحميمية الرائية التي إستوعبت عصره إنسانياً وفنياً.
ولد رامبرنت في مدينة لايدن الهولنددية عام 1606 وتوفي في أمستردام عام 1669، عاش في العشرين سنة الأخيرة من حياته إضطرابات وفواجع بلا نهاية فقد ماتت زوجته ساسكيا Saskia عام 1642 وقبل ذلك فقد ثلاثة أطفال، أعلن إفلاسه عام 1652 وباع بيته ولوحاته ومقتنياته الفنية لكي يسدد ديونه، عام 1662 رفضت بلدية أمستردام، بعد أن تعاقدت معه لوحته الشهيرة مؤامرة كلاديوس سيفيليس The Conspiracy of Claudius Civilis  التي تعرض في هذا المعرض. ماتت عشيقته وملهمته ومربية إبنه هندريكي ستوفلس Hendrickje Stoffels عام 1663، وفقد إبنه المدلل تيتوس Titusعام 1668. خلال هذه الفترة ايضاً كان رامبرنت يكافح فنياً لإبتكار طرق جديدة في الرسم والتخطيط  ويبدو إن فرشاته الحادة وإسلوبه في ترك نتوءات لونية بارزة ، سواء بإستخدام السكين او باستخدام ضربات فرشاة عريضة لم يحظ  بقبول من الأوساط الفنية والشعبية في ذلك الوقت. ويبدو جلياً أيضاً إن رامبرنت رفض الرسم بطريقة تدر عليه ربحاً تجارياً 
والحياد عن إسلوبه التجديدي، وظل يبدع  روائعه التي ستبقى جديدة وحيّة على مر الأزمان.

فان كوخ ورامبرنت
لوحة العروس اليهودية  Jewish Bride 1665 التي ضمتها قاعة المعرض الثالثة المخصصة للوحات رامبرنت ذات الثيمة الإنجيلية، عندما وقف فان كوخ أمام هذه اللوحة قال " يسعدني أن أستبدل عشر سنوات من حياتي كي أجلس مقابل هذه اللوحة لمدة إسبوعين ولا آكل سوى كسرة خبز يابس"، نعم فهذه اللوحة لا تعطي مفاتحيها للمتفرج بسهولة، الزوج وهو يضع يده بحنان بالغ يقترب من الألم على صدر زوجته، لكن الزوجة تبدو ذاهلة تزم شفتيها بشكل ملتبس، مزيج من الطمانينة وعدم الإكتراث، تضع أصابع متراخية على يد زوجها، ملابس باذخة ومجوهرات لكن بؤرة الضوء في هذه اللوحة هي في أيدي الزوجين .

سيسترق المتفرج النظر حينما يواجه لوحة إمراة تستحم في نهر A Woman Bathing in a Stream عام 1654 لكن هذه المرأة التي ترفع ثيابها ستتجاهلنا تماماً وتظل تحدق في الماء الذي يغمر ساقيها. في لوحة لوكريشا Lucretia 1664، يظهر جلياً نزوع رامبرنت نحو الجانب السوادي للميثولوجيا فهو يرسم هذه المرأة وحيدة منزوية تحدق في الخنجر الذي تحمله بعناء وعناية، والذي ستنهي حياتها به، لوحة مليئة بالرثاء المفرط  لكنها على قدر عالٍ من التقنية في التناغم بين قوام المرأة وثيابها الباذخة.

ورغم إن رامبرنت إستخدم في أعماله الأخيرة تقنيات فنية متعددة كان قد بدأ إستخدامها في أعماله المبكرة مثل الخطوط القوية المخدشة وإبراز اللون كأنه  رطب لم يجف بعد والرسم بإستخدام السكين التي تخلط الألوان مباشرة على الكنفاس. إسلوبه الثوري المتجدد هذا لم ينتقص من الطرواة والحنان اللذين رسم بهما رامبرنت إبنه تيتوس على منضدته Titus at his Desk 1655.
يظهرْ رامبرنت في هذا المعرض عدم تراجع عبقريته بتقدمه بالعمر وبسلسلة خيباته وفواجعه، بل على العكس فقد وظف خطوط قريبة ناتئة اللون في لوحاته وإستعرض بجدارة تقنياته الفنية التي ستجعل الزائرين والمهتمين بمجال الفن يستغرقون طويلاً في هذه اللوحات التي ستأسر الناس في كل زمان ومكان.

http://assafir.com/Article/10/392027عن السفير اللبنانية  

الخميس، 18 ديسمبر 2014

عن معرض هناء مال الله الأخير في لندن


الهدهد دليلنا في تلمس الخراب 

أعترف إني لن أكون منصفة حين أكتب عن معرض هناء مال الله الأخير في البارك كالري/ Park Gallery  في لندن، وذلك لأن رسومات هناء مال الله في مطبوعات الأطفال (مجلتي والمزمار) اللتان كنت أحرص على إقتنائهما، جزء من طفولتي، وتخطيطات هناء مال الله بعد ذلك، هي من قادتني لتذوق الخطوط وسماكتها وتفرقها وإنحناءاتها وقابليتها على الإفصاح، حين رافقت هذه التخطيطات المواد الثقافية المنشورة في الصحف العراقية وأحياناً إستحوذت هذه التخطيطات على إهتمام القارئ أكثر مما تُرفق معه من شعر وقصة.
ثيمة المعرض الأخير المعنون ( لقد أحطتُ بما لم تحط به/ I have learned something you did not know )، هو الهدهد العاشق صاحب الأسرار بالفطرة، المبرأ من المثالية والإكتمال المغرور، هو المرشد نحو الخراب بكل تجلياته، يبدأ الخراب بنفسه فنراه في لوحات هناء تارة متشظياً وتارة منجرفاً في دوامة سوداء تتناثر منها أشلاؤه كأنه يخوض حرباً طاحنة، مع نفسه ربما أو مع جهل من لا يعرفون.
هناء تحنط الهدهد في تخطيطاتها بكل أشكاله، الحي والميت والمشتت لكي تتمثل فكرة النجاة، كما لو إن الجسد الخاوي للحيوان المحنط منتهي الصلاحية يمثل الخواء الذي يترافق مع الإحساس بالذنب من قبل الهارب من جحيم بلاده للنجاة بنفسه وبفنه، هناء مال الله ترسم الهدهد المتشظي بإلحاح مذهبي كي تمسح عن روحها غبار الخراب، كأن لوحاتها بورتريت ذاتي مهما كان نوع التشخيص داخل إطار اللوحة. 


سكونية التقليد أو مجاراة الصرعات الفنية الحديثة 
  تستعيض هناء مال الله عن الحمامة وغصن الزيتون كرمز عالمي للسلام بالهدهد و قناني زيت الزيتون المعبأ، كرمز للنجاة من دمار الحروب وعالم اليوم الإستهلاكي. لوحاتها توغل بسؤال عن غموض الهدهد هل هو عارف أم ضائع؟ هو سؤالها لنفسها أولا ولمتلقيها ثانياً.  
الهدهد الذي له قدرة عجيبة في طلب الماء والكشف عن تواجده تحت الأرض، فإذا رفرف على موضع عُرف إن فيه ماءا،ً لكن للهدهد في هذه اللوحات، رحلة نحو نفسه، ماؤه الذي يطلبه هو يقينه الذاتي، يفني نفسه بخرابه وتيهه، كأنه ما صار عارفاً حتى تاه في العجز وغرق في بحار الحيرة. هدهد هناء مال الله  له نظرة رغم إنه بلا عينين، نظرة تمر من فوقنا وتتجاوزنا غارقة في ذاتها ومليئة بالكارثة، الهدهد الذي أنقذ نبي الله من رحلة التيه هو نفسه تائه ومشتت والذي يدل الناس على الماء هو نفسه عطش ولا يستطيع الشرب كأنه قائد ينتصر لكنه ينتحر من شدة إنهزامه الداخلي.
الهدهد شاهد وإستعاضة عن يوميات الحرب، تارة نراه يتشظى بفعل دوامة سوداء كدخان يعقب إنفجاراً ما، وتارة نراه يحمل رأسه الذي هو عبارة عن شبكة تشبه راداراً ما تحاول إصطياد ذبذبات الفضاء مثلا، حينما سألت الفنانة عن معنى الشبكة بدل رأس الطائر ذو النتوءات المروحية الجميلة أجابتني بأنها تجرب على ثيمة الهدهد فنياً، هل أصدقها وأنا أرى الإنسان المعاصر أسير ذبذبات الأقمار الصناعية، الموبايل والانترنت وغيرها من وسائل التكنلوجيا التي صيرتنا جميعاً أسارى؟ 


تقول هناء مال الله عن ثيمة الخراب في معرضها الأخير: " إن مفهوم الخراب كان جزءا رئيسياً من تجربتي الحياتية والفنية في العراق، والذي كنت أقترب منه محلياً كمفهوم لصيق بجغرافية معينة (العراق) ميسوبوتاميا، وكأنه قدر مستدير التعاقب على العراق ولا يمكن الفرار، او الخلاص منه، بدأت أعيشه كمفهوم عالمي بعد خروجي من العراق، وإستقراري في مدينة عالمية رأسمالية مثل لندن، حيث معاملتنا كأدوات، او بالأحرى وقود لإدامة وضعنا في خانة هوامش مجتمع العولمة الرأسمالي، واعتقد ان للفن العالمي المعاصر الان وتسويقه دورا كبيرا في هذه اللعبة العالمية للخراب، واقصد بذلك إن ما ينتج في الفن العالمي الان ليس الا إنعكاساً صادقاً لجوهر الخراب الذي نعيشه، والذي تغذيه الرأسمالية وثقافتها التافهه مثل اميركا. هذا ما يجعلني أستشعر حافة الخراب في كل شيء أعيشه حتى وإن كان في لحظات سلام".
ستة عشر لوحة لهناء مال الله في معرضها الأخير، بلا أسماء ربما لأنها تخلص لثيمتها (الخراب) أو كأنها حلقة مستديرة تبدأ من اللوحة التي تستقبل الزائرين وإنتهاءاً باللوحة التي تودعهم. الخطوط شحيحة ومختزلة والبقع السوداء في كل اللوحات بل تتحول أحياناً الى شبكات سود تمسك كلية اللوحة داخلها، كذلك الألوان بسيطة ترابية مستمدة من الطبيعة كأنها توغل في الألوان لكي تصل الى أمصالها وينابيعها المركزة الاولى. بعض اللوحات يمكن إعتبارها لوحات تركيبة فالفنانة تُلصق ريش طبيعي لطائر ما مكان رأس الهدهد المشطور بكلا الإتجاهين وتلصق رجل بطة أيضا مكان رجل الهدهد كأن الهدهد هو كل الطيور في آن واحد. 


هدنة 
في لوحة (هدنة/ Truce ) تستخدم الفنانة المفردة (هدنة) كتاج فوق جمجة بشرية، كإدانة للهدنة المزيفة التي لا يجدها الانسان سوى بالموت لكن غصن زيتون ناحل ينمو بجانب جمجمة الانسان الذي يستمتع بالهدنة أخيراً.    
هناء مال الله التي تحسن تقنين خطوطها وإدارة لوحتها جيداً توزع مساحات الفراغ الباهت داخل فضاء اللوحة وأحيانا يكون الفراغ هو السيد،  لكنه فراغ ملغوم يجعل المتلقي يبحث عن ما وراءه. لوحات هناء مال الله في هذا المعرض تُشكّل من الموروث (اللغوي/ الميثولوجي) لطائر الهدهد مع عناصر فنية متعددة من طباعة وكولاج وتخطيط  فكرتها الفنية الخالصة للوصول للتوق والانصهار الكلي في  المجاهدة للتحرر والإنعتاق من الخراب والنجاة بعيدأ عن محارق الحروب والراسمالية التي تعتاش على كينونة الإنسان.