الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

الجسد إكتشاف إغريقي

كمال الجسد في منحوتات الحضارة الإغريقية، معرض في المتحف البريطاني
  
 

حين ولجتُ باب القاعة الأولى لمعرض )تعريف الجمال( في المتحف البريطاني، كأني دخلتُ الى عالم سحري لا يمت بأية صلة الى العالم خارج هذه القاعات، وكأنما بوابة مغارة جمال منسية قد فُتحت لزوار هذا المعرض المدهش.

يكشف هذا المعرض جذور الهوس المعاصر بجمال الجسد وفتوته وتناسق عضلاته في مجتمعاتنا الحديثة، حيث منحوتات الجمال الأغريقية تؤكد هذا الهوس التاريخي بالجسد وإبراز مفاتنه في جميع مراحل الحياة وفي شتى تفاصيلها. 
150 عملاً فنياً بين فخاريات ومنحوتات من المرمر والبرونز بعضها من مقتنيات المتحف البريطاني وبعضها من مقتنيات شخصية، مثل تمثال أفروديت وهو من مقتنيات الملكة إليزابيث الثانية، وكذلك إستعارات من متاحف عديدة. كل الأعمال المعروضة إبتداءاً من القرن الخامس قبل الميلاد تؤكد قدرة الفنان الإغريقي على تغيير مفاهيم الجمال الجسدي، بل قدرته على القيام بثورة في تمثيل الجسد البشري بإعتباره جوهر ومجرى ديمقراطية أثينا (أول مجتمع ديمقراطي في العالم)، كان الإغريق يحتفون بالجسد البشري بتمثيل طبيعته الفطرية المثالية، العري الذكوري دليل على الصفاء والحكمة والقوة، فعندما يخلع رجل إغريقي ثيابه في حلبة المصارعة أو حلبة الألعاب الرياضية فأنه يرتدي لباس الصالحين والمكتملين. ونتيجة لهذه الفطرة الإغريقية التي تنشد الكمال، التجرد من الثياب بالطبع، وهذا جليّ في منحوتات المعرض التي تبرهن هذا السلوك الإغريقي الإستثنائي والأصيل  لتمثيل الجسد الذكوري فنياً وبخلاف كل الحضارات القديمة الأخرى مثل الحضارة الآشورية والفرعونية التي تقرن العري بالخزي والإستكانة والخضوع، كان الإغريق يقرنون العري الكامل بالبطولة والتباه والنضوج الإنساني والإستعداد للحرب. لذا فأن التقييم الجمالي للجسد في عصرنا الراهن يرتكز ويستلهم قيمه من منحوتات الفن الإغريقي المرمرية والبرونزية وفخارياته التي أصابت زوار المعرض بالدهشة لدرجة الإتقان التي تمتع بها الفنان الاغريقي وكذلك أفق الحرية المشرّع لفكره وفنه بلا حدّ، لكي يبدع هكذا منحوتات . الإنسان هو مركز العالم في الحضارة الإغريقية وهو حر بإختياراته وفكره وجسده خير تمثيل لهذه الحرية، وكما قال بروتاغوراس الفيلسوف الشكاك اليوناني:( إن الإنسان هو مقياس كل شئ، الموجود وغير الموجود).
أبرز منحوتات المعرض هي:   
إفروديت الرابضة وهي تتأهب لحمامها، التمثال بحجم أكبر من الحقيقي، يعود تاريخه الى القرن الثاني الميلادي وهو تقليد روماني للأصل الإغريقي. التمثال من المقتنيات الشخصية للملكة إليزابيث الثانية. أول تمثال يفتح مغارة الجمال الإغريقي ، إفروديت التي تعطي ظهرها لزوار المعرض، تجعل من يقترب منها يشعر بروعة هذه القطعة الفنية وإستثنائيتها، كأنه يقع في خطر الإقتراب من آلهة الجمال، ظهرها الصقيل المسطح ورأسها المائل بنظرة قوية من فوق كتفها الأيمن وذراعها اليمنى تستلقي فوق كتفها الأيسر، كأنها تستفز جميع حواسنا وتغوينا بالإقتراب، فندور حولها عدة مرات نتأمل دقة وبراعة النحت الإغريقي، هذه المنحوتة تغوي بالترحيب لكن بعد تفحص لملامحها ندرك إن نظرتها تحذيرية وليست ترحيبية. 

في القاعة الأولى أيضاً يستقبلنا تمثال إغريقي برونزي بالحجم الطبيعي لمبارز عارٍ بالحجم الطبيعي ينظف جسده بأدة معدنية بعد التمرينات الرياضية وقبل الإستحمام، إنتُشلَ هذا التمثال عام 1999من البحر على ساحل مدينة (لوشين/ Lošinj) في كرواتيا وهو يعرض لأول مرة في المملكة المتحدة.
تمثال لإله النهر ( نهر إيلسيز/ Ilissos) يعود تاريخه الى (438-432) وهو أحد تماثيل معبد البارثينون في إكروبوليس أثينا، وهو تمثال إغريقي أصيل على خلاف أغلب منحوتات المعرض الأخرى التي هي نسخ رومانية عن الأصل الإغريقي المفقود.  تمثال بلا رأس، مكتمل الفتوة مستلق كأنه يريد رفع نفسه على صخرة، حركة الجسد والعضلات  خير تمثيل على إنسياب الماء وموج النهر المرواغ . من يقترب من هذا التمثال، يستنشق حيويته، نحت عجيب، رشيق ولدن من مرمر بارد، حُوِلَ الى جسد مشدود ينز حيوية ودفء وينزلق من ذراعه ردائه الذي يتحول الى موجات مياه منسابة للناظر اليه من الخلف. 

تمثال من البرونز ل (زيوس) كبير آلهة الأولمب بإرتفاع عشرين سنتمتر يعود تاريخه بين القرنين الأول والثاني الميلادي، هذه المنحوتة قطعة إستثنائية غنية التفاصيل فهي تصور زيوس بجسد مفتول العضلات وبملامح قائد حكيم وشعر كث، يحمل صولجاناً ويجلس على قاعدة نحاسية مع أيحاء إيروتيكي  لجمال الجسد الذكوري. التمثال من مقتنيات المتحف البريطاني وقبل ذلك كان من مقتنيات الفنان الفرنسي دومينيك فيفان دينون أول مدير لمتحف اللوفر.
تمثال لفتى رياضي يعود تاريخه الى القرن الأول الميلادي وهو من مقتنيات المتحف البريطاني وهو تمثيل لفكرة التناغم بين الجمال الجسدي والحكمة الإخلاقية والإنغماس بتساؤلات الوجود. هذا التمثال هو نسخة عن الأصل الإغريقي الذي يعود تاريخه الى زمن سقراط، يخيل لي إن هذا الفتى الحالم أحد تلامذة المعلم سقراط، يغرق في تساؤلاته بعد مجادلة مع معلمه. العري في هذه التماثيل يبتعد تماماً عن الإيروتيكية، فهو فضيلة العودة الى الذات وإرتداء الجسد المجرد وهذا واضح جداً من خلال ضمور الأعضاء الجنسية.  

بخلاف العري الذكوري، كانت النساء الإغريقيات يرتدين الملابس الشفافة غالباً والتي تحكي عن الجسد وتوحي به أكثر مما تظهره، وهذا ما سيلاحظه الزائر حينما يقترب من تمثال الراقصة وهو تمثال برونزي باذخ التفاصيل لراقصة ملثمة وبرداء فضفاض لكن إنحناءات الجسد والرداء فوقه تظهر دقة ورهافة النحات الإغريقي، الرداء الفضاض على الجسد الإنثوي له دلالات إيروتيكية صريحة على خلاف العري الذكوري.
 منحوتة لجذع بشري من مقتنيات متحف الفاتيكان والتي يعود تاريخها الى القرن الأول قبل الميلاد، ويعتقد إنه يمثل جذع البطل الإغريقي هرقل، كان لهذا التمثال تأثير كبير على مايكل إنجلو نحات عصر النهضة الإيطالي حينما طلب البابا منه تكملة الجذع بإضافة رأس وذراعين، لكن مايكل إنجلو رفض لأنه إعتقد إن التمثال مكتمل بشكل لا يضاهى بوضعه الحالي وهو يحوز كل المفاهيم المثالية لفن النحت الإغريقي، وقد إستلهم مايكل إنجو هذا التمثال الإغريقي في لوحته (خلق آدم).
تمثالان صغيران لسقراط ، تمثال لإله النبيذ ديونيس يجتمع فيه بالتساوي جمال الذكر والإنثى، ورأس مرمي للإسكندر المقدوني وفخاريات وأقداح نبيذ مختلفة الأشكال منقوشة من خارجها وباطنها. جمع هذا المعرض منحوتات خالدة لأعظم الفنانين الإغريق مثل فيدس وميرون وبوليكيتوس، كان لها أعظم الأثر على فناني عصر النهضة وما تزال تشيع الجمال والفن لكل من يراها. شخصياً شعرت انني أكثر ذكاءاً وجمالاً عند إنتهاء زيارتي للمعرض بل إن هذه التماثيل والفخاريات العجيبة جعلتني أكثر فطنة وإحساساً بجمال الجسد الإنساني والذكوري خاصة، وأحسب إن جميع الزائرين إنتابهم ذات الإحساس.  

الأحد، 18 أكتوبر 2015

فريدا كايلو إيقونة الأزياء


يستضيف كالري (مارتن هوبن/ Michael Hoppen ) في لندن معرضاً تسجيلياً صورياً لأزياء ومقتنيات الرسامة المكسيكية فريدا كايلو، وكانت هذه المقتنيات قد جُمعت في غرفة في شقة الفنانة وأقفلت هذه الغرفة عقب موت الفنانة بأمر من زوجها الفنان دييغو ريفيرا. بقيت هذه الغرفة ومحتوياتها مقفلة كما أراد دييغو ريفيرا ولم تُفتح إلا عام 2004 بعدما إرتأت إدارة متحف فريدا كايلو في مكسيكو ستي على جمع مقتنيات الفنانة وضمها الى متحفها الفني.  


 من ينظر الى لوحات  فريدا يعرف إنها تضع نفسها في مركز اللوحة، لوحاتها الذاتية لها مذاق سوريالي خاص، فهي ترسم نفسها كما لو إنها ترى ذاتها من بعيد أو كمن يرى نفسه في حلم فنطازي ويدوّن ذلك الحلم بفرشاة وألوان. مظهر فريدا كايلو المميز، شعرها الأسود الذي تكوره فوق رأسها، حلقها الكبير المعلق في إذنيها والزهور التي تزين بها شعرها، حواجبها الكثيفة التي تركت دون تشذيب، والشعر الخفيف فوق شفتها العليا، كل هذه التفاصيل صارت جزءاً من شخصيتها المميزة، كما عذابها الإنساني بين الألم الجسدي وإغتراب الفنان الأبدي. لو تمعّنا أكثر في لوحات فريدا الذاتية سنكتشف سريعاً إسلوبها الخاص بإختيار ملابسها، فهي لبست وبإصرار الملابس التقليدية للمرأة المكسيكية لكنها طوعتها بما يلائم ذوقها وإسلوبها الخاص، مشدات ملونة للجزء العلوي من جسمها وتنورات طويلة والجزءان يتميزان بالتطريز والتخريم وبألوان حيوية تضج بالحياة. إسلوبها المميز في إختيار أزيائها  كان بمثابة بصمتها التي وقعت بها صورها الفوتغرافية الكثيرة والتي شكلت إسطورتها  كفنانة وإنسانة فيما بعد. إرتدت فريدا كايلو في لوحاتها وصورها الفوتغرافية أزياءاً كانت تتناقض كلياً مع الموضة السائدة في الثلاثينات والأربعينات والتي تميزت بالطراز الناعم الأملس للوجوه والثياب وقد تأثر وإستلهم العديد من مصممي الأزياء ثياب فريدا كايلو، مثل المصمم الفرنسي جان بول غوتييه والمصمم مارك جاكوب وبيت الأزياء الشهير دولتشي آند غابانا. 
كان هوس فريدا كايلو بالأزياء الغريبة واضحاً وجلياً لكل من عرفها وعندما توفيت عام 1954 عن سبعة وأربعين عاماً قام زوجها الفنان دييغو رفيرا يإقفال الغرفة التي تحتوي ملابسها ومقتنياتها الشخصية ولم تفتح هذه الغرفة الا بعد خمسين عاماً، تم حفظ هذه المقنيات والثياب في متحف فريدا في مكسيكو ستي كما تمت أرشفت ما يقارب 300 قطعة  من هذه المقتنيات صورياً، والتي يعرضها الان كالري مارتن هوبن في لندن لموسم معارضه الصيفية. صور مقتنيات فريدا كايلو بكاميرا الفنانة الفوتغرافية اليابانية (أسيوجي مياكو)، والتي صورتها عندما عُرضت  للجمهور أول مرة في متحف فريدا كايلو. تكشف صور هذه المقتنيات هوية فريدا كايلو الإنسانية والفنية وإسلوبها وتفردها رغم عوقها الجسدي. الصور المعروضة تظهر ملابس فريدا التي أحبتها وإرتدها الى أن بُليت، مثل ثوب السباحة الفيرزوي اللون الملئ بالثقوب والذي بهت لونه من كثرة الإستعمال، عويناتها الشمسية المفضلة، جواربها المرتقة وكذلك فساتينها المكسيكية المطرزة الحواف والتي إستوحتها من ثياب نساء منطقة تايهوانتيبك وهو مجتمع أمومي جنوب شرق المكسيك، إرتدت فريدا هذه الفساتين كرمز للأنوثة القوية والصادمة. صور أخرى  لقمصان فريدا معقدة التطريز (الهيوبل) والتي تشتهر بها نساء وسط المكسكيك وتعود الى حضارة الميايا وهي قريبة الشبه من لباس المرأة الفلسطينية التقليدي. الزائر للمعرض الصوري يلاحظ إن إسلوب فريدا كايلو في إختيار ملابسها متطابق تماماً مع شخصيتها وحياتها، فهي كما كل النساء كانت تولي أهمية كبرى لثيابها لأنها تمنحها الشعوربالفرادة، لكنها من جانب آخر إستعملت الثياب كقناع أحياناً وكنوع من جذب الإنتباه إليها والى ألمها الجسدي. 

تعرضت فريدا في عمر السابعة عشر الى حادث إصطدام في الباص الذي كانت تستقله، هذه الحادثة أصابتها بمشاكل صحية وعوق لمدى الحياة، لكنها بدأت الرسم أثناء الثلاثة أشهر الأولى من وجودها طريحة الفراش في المشفى وكانت ثيابها لها الصدارة في أغلب لوحاتها، كما في لوحتها (بورتريت ذاتي بثوب القطيفة 1926) التي تًظهرها كأنها تصب جسدها المتألم الذي أثقلها في قالب من القديفة الناعمة علّها تخفي عوق ساقييها. قمصانها وثيابها الفلكلورية العريضة لا تبرز هويتها المكسيكية التي تعتز بها فقط بل تخفي تشوهات جسدها، صور ثيابها كأنها تروي سيرة حياتها، المشد العلوي الذي إشتهرت بإرتدائه هو غواية وقضبان للجسد المتألم داخله. 
   
وكلما خارت قواها وأصبحت حبيسة فراشها كلما صارت ثيابها زاهية الألوان أكثر، كما في صورتها المدهشة وهي بساقها الإصطناعية بعد بتر ساقها عام 1953 وقبل عام واحد قبل وفاتها.  صورة أخرى مؤثرة جداً لحذائها الأحمر ذو الرقبة الطويلة مع ساقها الصناعية تزينه شرائط كثيرة مع أجراس في نهاية الشرائط، كأن الأجراس إعلان متواصل عن الألم في كل خطوة. الزائر يخرج بمحصلة عن فريدا كايلو، هي ليست رسامة متفردة فنياً فقط بل إمرأة مبتكرة في إختيار الثياب والإكسسوارات لإبراز قوتها وضعفها كأنثى، كأنها كانت ترسم إنثوتها بتلك الثياب وتسريحة الشعر والإكسسوارات، ورغم مرور ستين عاماً على موتها لكن إسلوبها الأصيل سيدوم تأثيره طويلاً مثل لوحاتها الفنية. 


نشر المقال في صحيفة السفير اللبنانية

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

توستالا لعبد الهادي سعدون


سخريات الوجود الإنساني من وجهة نظر مهاجر 



  
 كم هي باهتة حيواتنا بلا حكايات! وهذه قصص تضج بالحياة والفنتازيا للصدفة الجميلة وحدها الفضل في قرائتها وإستعادة شغفي بالكتاب الورقي بعد أن أوشكتُ على نسيانه وإستبداله بالكتاب الإلكتروني.  
(توستالا) مجموعة قصصية للشاعر والمترجم العراقي الإسباني عبد الهادي سعدون، صدرت عن دار سنابل لعام 2014، عشر قصص ضمها كتاب بغلاف أحمر لافت، إحتل مركزه رجلٌ بلباس عربي تقليدي وعدد طويل مبهم يتألف من أرقام وحروف كأنه رقم الجندي الذي يحمله في رقبته أو لعله رقم رحلة الغريب الذي يبقى محفوراً في روحه.
ما معنى توستالا ؟ كان هذا أول تساؤل حالما وقع الكتاب بين يدي! سرعان ما سيجيبني القاص في أول الصفحات حيث تقديم المجموعة، (توستالا) تعني الحكواتي الحر الذي له القابلية على سرد القصص، وهنا إقتران ذكي ومذهل بين القابلية على السرد وبين الحرية ...نعم فالسجين (وأعني  سجين الخيال والفكر تحديداً) يفتقد القدرة على السرد لخوفه من كشف الأسرار وقصور خياله. التوستالا إذن من يسمع الحكايات أو يتخيلها، وهو قد يزيد أو ينقص من هذه الحكايات . لا ينازعه أحداً على مكانته، لأنه  الحكواتي الحر وهو الشامان أو القديس والعارف، هو التوستالا بلغة الهنود الحمر. هذه النبذة التعريفية عن المفردة هي من ستقود القارئ الى حكايات هذا الكتاب الممتع.
في الصفحة التمهيدية، يستوقفنا إقتباسان من ثربانتس وبورخس، يقول ثربانتس على لسان دونكيشوت لصديقه سانشو ( كل شئ ممكن في هذه الحياة، إذ لا فرق بين الخيال والحقيقة)، ويقول بورخس (أنا لست سوى شخص من صنع كتبي). بهذين الاقتباسيين يفتتح القارئ هذه القصص العشر وهو يدرك إن المؤلف سيمزج الخيال بالواقع حتى يصعب عليه الفصل بينهما. ونعرف كذلك إن الكاتب أو الروائي أو المبدع بشكل عام يتحول في النهاية الى صدى لإبداعه وهنا يتبادل الدور مع قصصه فهو من صنعها لكنها بعد ذلك ستلده مرة اخرى وتمنحه هويته (التوستالا). 
وذرة الأمل
الكاتب يمسك بأفكاره يتأملها ويقلبها من كل الجوانب ويستنفذها كاملة، كأنه يختار السرد للحديث مع نفسه أولاً، وكي يشفي ذلك الجرح الأبدي (جرح الإنتزاع من الجذور)، وهذا جلياً في أول قصص المجموعة (بلد متنقل ) وهي عن شاب يهرب من لعنة الحروب التي تجتاح بلده لكن البلد يلاحقه بسبب كوابيسه وشعوره بالندم، هذه القصة  تستقصي وتقارن وتخلط بين الأمكنة، بين المنفى والوطن الى حد تبادل البنايات والشوارع والوجوه. يتأرجح القارئ في هذه القصة ما بين عالم الواقع وعالم الكتابة بين إسلوب السرد التقريري والسرد الأدبي، بين لغة الحلم ولغة الواقع وبين الماضي والحاضر. يقرن الراوي في هذه القصة بين فعل كتابة رواية وبين نزيف الأنف، يكتب فينزف أنفه ويكفّ عن الكتابة فيكف النزيف، هناك خلط للأزمنة أيضاً فالراوي يخبرنا إنه لم يكمل راويته  بسبب النزيف لكنه يدس جملة عن رواية مكتملة له وتحمل رقماً محدداً في مكتبة مدريد، هو يتعمد وضع القارئ في متاهة النقصان والإكتمال، والراوي أيضاً يراوغ غربته ويتجاوزها، هو فوق حدودها ، يمحصها ويـتآلف معها ويدوّنها ويترك في الأسفل شعوره بالإغتراب والنفي، ولعل نهاية هذه القصة أجمل ما فيها فالرواي يختم قصته بأنه يلتقي جواد سليم المشغول بالبحث عن سارق (وذرة الأمل) من نصب الحرية.
قصة (نصيحة وتنشتاين)، يستثمر الراوي يومياته مع إصدقائه من الأدباء العراقيين (محسن الرملي، علي بدر)  لسرد عدم إستطاعته  كتابة رواية طويلة وكيف إن مقالاً عابراً في صحيفة يحفزه أدبياً، ثم يلتقي صديقه الروائي علي بدر الذي يدله على طريقة سهلة لتسجيل الأفكار واليوميات بواسطة جهاز تسجيل إلكتروني للصوت. يشتري الراوي جهاز التسجيل بعد معاناة في جمع ثمنه ثم يبدأ تسجيل روايته والتي ثيمتها حشرة تطنُّ في باب غرفة (هناك حشرة أولى كانت قد قرصت شفة محسن الرملي) وما أن ينتهي من التسجيل ويبعثها لفتاة مغربية تفرغ التسجيلات وتحولها الى كلمات مطبوعة بواسطة الكومبيوتر. يكتشف الراوي بعد ذلك إن التسجيلات الصوتية فارغة إلا من صوت يشبه طنين حشرة، وتنتهي القصة لصالح الحياة على خيبة الأدب حيث تنشأ قصة حب مع الفتاة المغربية، كأن العاطفة الإنسانية هي التعويض الرئيسي عن خيبة ضياع رواية .    
ثمة إسلوبان في التعامل مع الموروث المعرفي لدى أي كاتب في كتاباته الأدبية، الإسلوب الأول  بجعل الموروث يطفو على سطح الكتابة على شكل إستشهادات وإحالات واضحة، والإسلوب الثاني هو التشبع به بحيث يغدو هو قوام الكتابة والروح التي تسري فيها دون أن يتم التصريح به بشكل مباشر، وأحياناً دون وعي الكاتب، وجلياً إن عبد الهادي سعدون  متشبعاً بروح بورخس، وهو يمارس سيطرة على قارئه وقدرة على جعله يقبل كل ما يسرده: ( لكن يجب أن ترضى بما أقصه عليك) ص25. وبدل التذكر هناك سعي حثيث نحو المحو والنسيان: (لايهمني سماع أي شئ عن البلاد كما أنني لا أتابع ما يدور في العراق) ص36 محتوى هذه العبارة ورد أكثر من  خمس مرات في هذه القصص. تمتلك هذه القصص يقين واحد هو اللايقين، والرواي يبحث عن الأنا المهملة بالعالم المرئي ويجدها في عالم السرد اللا مرئي وبوح العوالم الداخلية.
في قصة (حكاية الرجل الذي قصّ عليّ حكاية يعتقد إنها تهمني) هناك قدرة جميلة على التحكم والإسترسال في الفنتازيا، حين يصف الشاب الغريب براميل حفظ النبيذ المصنوعة من خشب الأرز والممزوجة بدم الأضاحي الحيوانية ودم العذراوات في طاجكستان(بلد الشاب الوهمي) وهي قصة يتحول كل شخوصها الى توستالا يروي حكايته، أو الى مسيح يحمل صليب أسراره (ما أن أتخلص من الثقل/ السر حتى أخرج خاويا فقيرا) ص28
 المنفى صرخة فولاذية
لماذا سوء الحظ عراقي بإمتياز؟  فالحشرة في مدريد لا تقرص غير العراقي، والشرفة في بناية تطل على شارع  لا تسقط إلا على جسد عراقي، والعراقي الذي يأتي الى إسبانيا بقوراب الموت يواجه موتاً آخر بنوبة تشنج غريبة لا يُعرف لها سبباً، عراقي يضيع منه مراسيم دفن عراقياً آخر، وهكذا تستمر الخيبات العراقية عبر هذه قصص.
لا تسرد هذه القصص الواقع فقط بل تسرد الوجود كله من وجهة نظر مهاجر، والوجود ليس ما جرى بل هو حقل الإمكانيات الإنسانية، كل ما يمكن للإنسان الغريب أن يفكر به أو يصيره، وهذا ما يجري في قصة (حكاية حقيقية) فالرحلة التي ينتظرها الراوي والتي تقلّ صديقاً له، لا وجهة لها ولا أرضأً تقدم منها وكأن رحلة الطائرة هذه هي (سيرة الطريق الذي يمضي بنا دون هدف) ص 47. النهايات في جميع هذه القصص هي نهايات محكمة كأنها تصطفي بداياتها، وخيل لي إن الكاتب بدأ بكتابة نهايات قصصه قبل ان يبدأ بها.    
هل قبض التوستالا على فعل الحياة الهارب من يديه بإختلاق القصص ؟ التوستالا (عبد الهادي سعدون)  يكتب وكأنه منقاد لواقع  شبيه بالحلم، الأحلام (والكوابيس) تعاود الظهور في هذه الحكايات بشدة، فهي تلتف على الواقع بالسرد.



الخميس، 28 مايو 2015

عن معرض الفنان علي جبار الأخير

علي جبار وقناعه الأعمى  

يستضيف كالري هاي هيل ( Hay Hill Gallery) في جادة بيكر ستريت وسط العاصمة البريطانية لندن معرضاً بعنوان (القناع الأعمى / Blind Mask ) للنحات والرسام والمصمم العراقي الدنماركي علي جبار المولود في البصرة عام 1963 والذي غادر العراق عام 1992 الى الدنمارك ونال شهادة التصميم الكرافيكي من أكاديمية الفنون الدنماركية في كوبنهاكن عام 2002 والذي إستقر في لندن أخيراً.
ويبدو إن الفتى البصري يعرف تماماً ماذا يفعل وكيف يلوّن أحلامه وذكرياته وأفكاره وأين يذهب بضربات فرشاته. إثنتا عشر لوحة وعمل نحتي واحد، السمة الواضحة لها هي التجريب بلا هوادة للوصول الى هاجس خفي في وعي الفنان، ربما يخفى عليه أيضاً. علي جبار يجرب بلا قناعة مسبقة لذا فهو يضع المتلقي معه في عملية حوار مفتوح على إحتمالات التصور والخيال وإستنباط النتائج البصرية والذهنية في العمل الفني. لوحاته تبرز التناقض الحي والجلي بين ما هو مختفي تحت قناع وبين ماهو عارٍ، بين البراءة والخداع، القديم والجديد، والواهن والغليظ ، كل لوحة هي مزيج من الحلم والواقع، مزيج من الكوابيس الشخصية الغارقة في لغز الذات والبحث عن جواب، وبين وعي الفنان بمحيطه الجمالي والمعرفي. مزيج التناقضات هذا مُعبرٌ عنه بمزيج من الأساليب أيضاً من التجريدية الى التعبيرية ومن الواقعية الى السوريالية. 


في لوحة (عالم جديد للوجود) أكريليك على قماش، كأن الفنان يرسم لوحة داخل لوحة، يستحوذ اللون الأزرق على فضاء اللوحة، الرجل الذي يجلس على كرسي مريح بمواجهة شاطئ البحر ويفتح كتاب بإحدى يديه بينما اليد الأخرى تهمّ أن تعيد خصلة شعر أزعجت العينين أثناء القراءة أو تحك أذناً أو تَنشُ حشرة، لكن الرأس يتلاشى ليحل محله جناح كبير متأهب للطيران (هل الجناح مرادف للكتاب المفتوح!)، كما تغيب ساقا الرجل، هناك إطاراً بمركز اللوحة يؤطر الرجل الجالس، كأنها نافذة ما مفتوحة خلف الأفق أو ربما لوحة داخل اللوحة،(المشاهد الذي يحدق باللوحة هو أيضاً لوحة لمن ينظر له من الخلف!)، ديناميكية حياة هائلة في هذه اللوحة، من الأمواج التي تركن بهدوء الى الشاطئ الى اليد التي ترتفع لأمر ما، الى الجناح الكبير الذي يحتل مكان الرأس الى الأزرق الذي يعد بإفق مفتوح، كم ذكرتني لوحة علي جبار هذه بلوحات السوريالي البلجيكي رينيه ماغريت.
 شخوصه وثيماته لا تفصح عن أسرارها ولا تزيل أقنعتها الفاتنة التي تغوي بالتأمل العميق. العيون الواسعة الفارغة في الأقنعة تعيدنا الى منحوتات الحضارة الرافدينية، هذه العيون تتناقض كلياً مع  الإكسسوارات المعاصرة الموغلة في الإيروتيكية التي ترتديها أجزاء الأجساد. 

هوس التنقيط والأقنعة 



يصاب المتلقي بالصدمة او لنقل الدهشة البصرية من كون الفنان قد جمع هذه الأجزاء من الجسد البشري ووزعها مجدداً بطريقة تتناقض تماماً مع طبيعة هذا الجسد وتتآلف من جانب آخر مع مخيلة الفنان الواسعة، كأنه يهدم الأجساد والأشكال والأشياء ليعيد ترتيبها، كما في لوحة (دروان) التي أشعرتني شخصياً بهلوسات حقيقية هو يستعير ثيمة التنقيط بالأبيض على خلفية حمراء من الفنانة اليابانية المخضرمة (يايوي كيوساما/ Yayoi Kusama)، في مركز اللوحة وجهان واضحا الملامح ينظران بدهشة وترقب نحو الأعلى، للوجهين أكثر من جذعٍ  وأكثر من ساقين كأنها في حالة  دوران على ذاتها، في يمين اللوحة درجات سلم تدعونا للإرتقاء وإكتشاف سر الدهشة.   
لماذا يرسم علي جبار كل هذه الاقنعة في لوحاته ؟ كأنه يخشى النظر للوجوه، أو لعلها خشية الوقوع ضحية ملامحه الشخصية وإسقاطها على الشخوص أو لأن الأقنعة تزيد جرعة الغموض في اللوحة وتخفي الىتشوهات والتناقضات. في لوحة (المركب السكران) مثلاً وعنوان اللوحة هي قصيدة رامبو الشهيرة، هناك جذع إمراة مبتورة الذراعين والساقين ترتدي قناع وغطاء رأس شبيه بالذي ترتديه النساء في المغرب وملابس جلدية توحي بإيروتيكية مشوهة، جذع المرأة ينبت في زورق يرسو على شاطئ، الأمواج بالرمادي والأبيض بينما الأزرق هو وشاح المرأة الذي يطير بعيداً عنها، كأن الفنان يقول لنا إن الرسو هو الرمادي بينما الإقلاع هو أزرق البحر والإفق. 


 كل لوحة لا تشبه أختها .. كل لوحة هي كائن مكتمل بذاته يفسر العالم ومعضلاته على هواه، بسخرية وخوف ربما. علي جبار لا يكرر المشاهد البصرية والثيمات بل لا يكرر حتى الألوان على الرغم إن كل لوحاته تعرض التناقض والمفارقة بين أبدية الأشياء والأشكال وزوال الاحساس الآني بها التي خلفته داخل وعي الفنان بواسطة الصدفة المحضة.  


في لوحة (بورتريت لجيل واحد/ A Portrait of a Generation)، أكثر من شكل لأمرأة ورجل وربما طفل تَنزُ عيناه من بطن المرأة وكل هذه الشخوص تتقاسم ذات الكرسي في ذات الحجرة، هناك تناقض كبير بين السكون الذي يخيم على أجواء اللوحة وبين ذراعي الرجل التي تحتضن المرأة كأنهما تشدّاها الى حضنه، كم ذكرتني هذه اللوحة بألوانها الكابية ببيكاسو في مرحلته الزرقاء. الفنان موجود بوضوح في لحظة لوحته ( يخيل لي إنها وطنهُ!) رغم إختبائه خلف ألوانه، يعبر عن مشاعره الغامضة التي تربطه بالعوالم الأخرى والكائنات وهي تطفو الى سطح هذه اللوحات. كأنه يعيد سرد سيرته الذاتية بألوان وثيمات مستلة من مورثه الشعبي والحضاري مع ما يختزنه وعيه من مفردات حياته اليوميه وتجاربه السابقة في المدن التي مرّ بها.
علي جبار يعرف جيداً إن وضوحه يضعف اللوحة ولكن ألا يجدر به أن يمسك عصا الغموض من وسطها؟ إذا كانت النفس البشرية غير منطقية، كيف يمكن تدجينها والإفصاح عنها بلون وفكرة وفرشاة رسم؟ الإجابة هي البساطة بالتأكيد كما في (أكواب الفرو لميريت أبونيام/ فنانة سويسرية تمزج شيئين متباعدين وتجعلك تنتفض من الدهشة)، وليس التعقيد الفائض عن حاجة المتلقي.                                                          
نفذ علي جبار أربعة عشر عملاً نحتياً في تركيا وإيران والبحرين وعمان ولبنان والإمارات العربية وألمانيا وشارك باكثر من 85 معرضاً مشتركاً وأكثر من عشر معارض فردية.

 نشر المقال ي صحيفة الشرق الأوسط اللندنية 

السبت، 21 فبراير 2015

لا يبقى شئ سوى الصورة


الصور الفوتغرافية حين تتحول الى لوحات أرشيفية 

كم إستوقفتني الصور الفوتغرافية الأرشيفية بالأبيض والأسود، والتي تؤرخ لأناس عاديين من جنوب لبنان لعقود الخمسنيات والستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم حينما زرتُ معرض المصور الفوتغرافي اللبناني أكرم الزعتري في كالري التيت مودرن وكم إستوقفتني لاحقا صور أكرم الزعتري بمركز جورج بومبيدو في باريس كجزء من معرض فوتغرافي عن الشرق الاوسط. ترى لماذا يحظى أكرم الزعتري بكل هذا التقدير في كبرى المعارض في العواصم العالمية! 
يمزج أكرم الزعتري المولود في صيدا عام 1966 مهارات المؤرخ والفنان والدليل الفني ليجري فحصاً دقيقاً على الصور الفوتغرافية القديمة والمهملة ربما، ومدى قدرتها وقابليتها لعرض الماضي بحيادية ونقده. لوحاته الفوتغرافية تتحدى الصور النمطية للتاريخ القريب في محاولة لتقويم هذا التاريخ والتركيز على الفردانية الى درجة تضخيم هذه الفردانية في أحيان كثيرة. عام 1997 أسس مؤسسة الصورة العربية وهي منظمة غير ربحية متخصصة لدراسة وحفظ الصور الفوتغرافية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبحوزة هذه المؤسسة الان ما يعادل 300.000 صورة فوتغرافية.  بدأ اكرم الزعتري عبر هذه المؤسسة مشروع لإثارة إنتباه الناس والرأي العام لأرشيف إستديو شهرزاد للمصور الفوتغرافي (هاشم المديني ) وهو إستديو للفوتغراف بدأ عمله في مدينة صيدا جنوب لبنان منذ عام 1948، اللقطات الفوتغرافية التي التقطها مصورو إستديو شهرزاد تمثل صور لأناس من مختلف الفئات العمرية غير معروفين  فردية أو في مجموعات أو صور ثنائية، أناس مغيبون ومجهولون غالباً، لكننا نراهم بملابسهم البسيطة وتسريحات الشعر ونظراتهم التي يواجهون بها الكاميرا بشكل متعمد حينما تعلق هذه الصور المنسية في كبرى الكالريهات في العواصم العالمية. الصورة الفوتغرافية إذن هي اللغة الوحيدة المفهومة في كل أرجاء العالم والتي تصل بين الامم والثقافات وتربط  حياة البشر بتضامن عاطفي غالبا، والفوتغراف اذا ما إستقل عن الخطاب السياسي يعكس الحياة ومجرياتها بصدق ويتيح لنا مشاطرة الاخرين آمالهم وآلامهم ويلقي بضوء ساطع على الأوضاع السياسية والاقتصادية في لحظة الصورة ونصبح نحن المتلقين أينما نكون شهود عيان على أنسانية ولا إنسانية البشر. 
  
تضج هذه الصور بحياة حيوية كاملة الوجود، صورة لفتاتين ترتديان عوينات شمسية كبيرة كتلك التي سادت في تلك الحقبة تحضنان بعضهما، صورة أخرى لرجلين ومسدسين في أيدهما ويمثلان مشهداً للقبض على رجل ثالث بينهما، صورة اخرى لرجلين أحدهما يرتدي برقع على رأسه في محاولة لتمثيل دور عروس بينما يلف الرجل الثاني ذراعه حول كتف الأول، الكاميرا تحنط الإبتسامات والإيماءات وحركات الجسد ونظرة العين بل يخيل لنا إننا نسمع الناس ونشعر بهواجسهم الداخلية وننصت للضوضاء خلف جدران الإستيديو في الشوارع ، نلمس أحلامهم ورعبهم وآمالهم ووضعهم والاقتصادي وتطلعاتهم. 
 الصورة الفوتغرافية هي لحظة مرنة لمصافحة الاخرين
 كان إستديو شهرزاد ملاذاً آمناً في مجتمع محافظ، يسمح للناس أن يمارسو خيالاتهم وأحلامهم أمام الكاميرا للوصول الى صورة مثالية لهم ( من وجهة نظرهم) وهي ممارسة كانت شائعة ومقبولة داخل إستوديهات التصوير في تلك الحقبة، كأن الاستديو يفصل الناس عن محيطهم ليصبحو بطريقة ما أكثر إنتماءاً لأنفسهم وأحلامهم، كان الناس في تلك الحقبة من الزمن يذهبون للإستديو لأخذ الصور الفوتغرافية كنوع من الموضة مثلما يذهبون الى قارئ البخت لمعرفة طالعهم لذا فهم يعتمدون على المصور كي يحررهم من واقع مخذل أغلب الأحيان.

 عرض كالري التيت في لندن مجموعة لوحات أرشيفية تستقرء وجوه ومواقف الناس العاديين في لبنان للفترة من 1950_ 1970، مصنفة حسب الفئات تعكس هذه الصور وتبرز المكانة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها من يجلس امام الكاميرا. الصور بالأبيض والأسود تثير فينا حنين جارف وتستنفذ غريزة الفضول الى أقصاها، أكرم زعتري يقترح طريقة لقراءة الصور الفوتغرافية بالتمعن في لباس و دوافع الناس الذين يجلسون لإلتقاط الصور كما لو إن الإستديو يروي فلم متسلسل لإناس مجهولين والمصور هو مخرج هذا الفلم. الزعتري يركز على الذكريات والأحداث اليومية التي تعيد تفسير سلوك الناس وأفعالهم وردات فعلهم في أوقات الحرب والمنفى ضمن نطاق المسموح به، في مقابلة لإبنة هاشم المديني صاحب إستديو شهرزاد قالت إنها لازالت تحتفظ بالديكورات والأزياء التي كان والدها يحتفظ بها في الإستديو كي يلبسها الناس ليتشبهوا بنجوم السينما. أكرم الزعتري صانع صورة وجامع لها لكن حقوق عرض الصور الشخصية بمعارض عامة للجمهور قد يثير فينا تساؤلاً : هل يسمح أصحاب هذه الصور بنشرها علناً؟ هناك صور مخربة عن قصد لأمراة شابة تدعى زوجة الباقري، طلب زوج هذه المرأة من المصور أن يتلف نيجاتيف صورها لأنها ذهبت الى الإستوديو دون موافقته، لكن أكرم الزعتري يبدع صور جديدة من نيجاتيف الصور المخربة عمداً، تصبح الخطوط المتعجلة التي تتقاطع على وجه المرأة الفاتنة جزءاً من جمالية الصورة ودليلاً كافياً على إن تخريب الجمال عمداً يزيده بهاء.  

 الكاميرا لا تكذب

في قاعة أخرى في كالري التيت خًصصتْ لعرض صور لأطفال فلسطينين من إحدى مدارس الأونروا وهم يجلسون جميعا على ذات الكرسي بالتعاقب وخلفهم حائط مخربش، يعود تاريخ  هذه الصور لسنة 1960، الفاقة جليّة على الوجوه جداً لا إبتسامات ولا ملابس مرتبة، أطفالاً غادروا طفولتهم قبل أن يولودوا ربما. 

 في صالة أخرى  صور ارشيفية لرجال من المقاومة الفلسطينية والسورية، بعضهم شباب يرتدون الملابس العصرية في تلك الحقبة يوجهون بنادقهم الى زاوية منحرفة عن الكاميرا بفرح يطفر من ملامحهم كأنهم يحملون حبيباتهم بين أيديهم ونستطيع أن نخمن بسهولة إن حمل البندقية في تلك الحقبة هي جزء مكمل لرجولة الرجل الفلسطيني. بينما يظهر رجال المقاومة السورية بشكل أكثر صرامة تلف رقابهم وصدورهم الغترة العربية ولا   
يحملون أسلحة بين اديهم.

بينما علقت في مركز جورج بومبيدو صورة أرشيفية جميلة ضمن مجموعة صور أخرى لأكرم الزعتري، لصياد لبناني يرتدي الطربوش وتقف خلفه إبنتاه يرتسم على محيا إحداهما عبوس العنوسة بينما تلّون وجه الاخرى إبتسامة الأمل يبدو إن الصورة قد إلتقطت في منزل الصياد لأن خلفية الصورة هي بطانية داكنة تخفي تفاصيل البيت البسيط لكن يد طفل تمسك البطانية في زاوية الصورة  وتفضح ضوضاء الدار.  

صور أكرم الزعتري شفوقة ومهذبة رغم بلاغتها وشخصية تميل الى ترك المشاهد يرى بنفسه صوراً لا تتظاهر بكونها فناً كما إنها ليست عظة، هي أثر الواقع فقط مثل طبع القدم أو بصمات الأصابع أو مثل أقنعة الموتى. 

الخميس، 5 فبراير 2015

عن الشونكا اليابانية

فن الأحتفاء بمتع الحياة الحسية 

تكاد تكون معرفتنا بفن الإيروتيك الياباني المعروف ب (شونكا/ Shunga) معدومة. المتحف البريطاني يُتيح لزائريه فرصة  نادرة لتذوق ومعرفة هذا الفن عبر معرض عن مطبوعات ورسومات شاملة  لطرائقه وآدابه المكشوفة والساخرة أحياناً، ويُمَكّن الزائرين من مشاهدة اللحظات الحميمية لليابانيين في الوقت الذي كان اليابان معزولاً عن العالم. المطبوعات المصورة مزيجاً من الإبداع الفني الراقي والتصوير الذي لايترك شيئاً للمخيلة.
 معظم اللوحات هي طباعة على رقائق من لحاء الاشجار، طبعت في طوكيو في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر وتستعرض هذه الرقائق الخشبية الملونة مجموعة كبيرة ومتنوعة من النشاطات الإنسانية والجنسية وكل ما يتعلق بالمتعة والإيروتيك  بتفاصيل صريحة جداً مما جعل دخول المعرض مقتصراً على من هم فوق سن السادسة عشر.
 لم يسبق أن عُرضتْ هذه الصور في أي متحف آخر نظراً لمحتواها الفاحش لكن إدارة المتحف البريطاني إرتأت عرض صور الشونكا كنوع من أنواع الفنون الشعبية الأنيقة التي تقدم نظرة ثاقبة للحياة الجنسية والتمايز بين النساء والرجال في المجتمع الياباني في اولى مراحل تطوره.
ومفردة (Shunga/ شونكا) تعني باللغة اليابانية (صور الربيع ) وهي إستعارة عن الفن الإيروتيكي الذي إزدهر نتيجة النمو السكاني لمدينة طوكيو التي كانت تسمى(ايدو)، حيث كانت المتاجرة بالجنس منتشرة فالنساء الفقيرات غالباً ما كّن يمارسن البغاء بإشراف من عوائلهن أو يعملن كمحظيات في بيوت الأثرياء. كان المجتمع الياباني في تلك الفترة يعاني من الطبقية وعدم المساواة بين الجنسين، القوانين الكونفوشية الصارمة التي تركز على الواجبات وتكبح النوازع ، تحكم الحياة الرسمية لكن الحياة الخاصة للأفراد كانت أقل صرامة بكثير، ورغم ان هذا الفن مُنع رسمياً بعد عام 1722 لكن طباعة صور الشونكا إزدهرت بين هذين العالمين، عالم الصرامة الكونفوشية وعالم الإنعتاق الخاص. وإستمر تداول هذه المطبوعات بعيداً عن الرقابة ولم تتعرض للنقد الرسمي . 

صور الوسادة 


ويسمى هذا الفن الايروتيكي أحيانا ب (صور الوسادة/pillow picture ) وهي حكايات ومطبوعات  تصور رجالاً ونساءً يستمتعون بالحياة والجنس في وضعيات عديدة وتبتعد عن تصوير الجنس بالاكراه او مشاهد الاغتصاب. وهناك أيضا رسومات تصور الجنس المثلي الذكوري والانثوي أو تصور مجموعة إناس منغمسين بالجنس الجماعي أو اللهو.
ساهمت مطبوعات الشونكا في التربية الجنسية لليابانيين لأن طباعتها غير مكلفة وبمقدور أي فرد ينتمي  للطبقة الوسطى أن يشتريها. كانت الأمهات تورثها أو تهديها للبنات اللواتي على وشك الزواج.
لقد سَرقتْ نظرة
من صور الوسادة
خلف مخدع عرسها
هذه اللوحات تصور مكامن الجمال للناس العاديين ومحاربي الساموراي والراهبات والرهبان اوحتى تقنص الجمال الخافت في الشيوخ، وهي إحتفال بالحب الحر والمتخفف من العواقب والقيود وسط الطبيعة الجميلة. الأجساد البشرية في مطبوعات الشونكا ليست مثالية الجمال والتكوين كما هي في منحوتات الحضارة الأغريقية والررومانية وهو دليل على إختلاف معايير الجمال في شرق آسيا. 


الصور الاولى في هذا المعرض يعود تاريخها الى سنة 1600هي رسوم على شكل مخطوطات ملفوفة كما رسائل البردي القديمة سبقت الطباعة تمثل رجلاً  ضخماً يبدأ بإستخدام الفرشاة برسم مشهد مباراة لقياس طول العضو الذكري لمجموعة من الرجال، ووفقاً لاقتباس من أحد الرسومات في هذه المجموعة يظهر إنه لاعلاقة لهذه المباراة بالحقيقة الفسيولوجية بقدر ما هو نزوع جماعي لنزوة تأكيد الذكورة:
( اذا كان "الشئ" يُصَور في حجمه الطبيعي فلن يكون  ميثيراً للاهتمام، ألم نقلْ إن الفن هو الخيال).
 
تبهر غالبية الصور عين المشاهد وتقودها عبر مسالك التناقض بين الملابس المزركشة الفاخرة والأجساد النقية البيضاء التي تظهر أجزاءً منها فقط في حالة نشوة مطلقة . تقترح وضعية الاجساد  الفيسولوجية حالة الاستمتاع القصوى، التشابه بين وجوه النساء المنتشيات وبين وجوه الرجال الرقيقة  تضيف رعشة مربكة الى سلسلة لوحات الفنانين (شن جو / Shuncho  )(هوكوساي/ Hokusai) وغيرهم من الفنانين المعروضين في هذا المعرض .
وبرؤية حداثوية ربما تمثل الشونكا رسوماً كاريكتورية يابانية لها طابع جنسي فاضح ورغم ذلك فانها لاتظهر الأجساد عاريةً لأنها تريد من المتلقي أن يستشف هذه الأجساد وهي تتناغم مع الملابس المزينة بالزهور وما يحيطها من أثاث ونوافذ وأشجار وطيور وآلات موسيقية وغيرها من وسائل الحياة اليومية. ويبدو إن الملابس الحريرية المزينة بالرسوم والزهور بالنسبة لليابانين أكثر إثارة من الجسد العاري الذي ربما يوحي الى الأستحمام في حمام عام. مثلا لوحة تمثل أحد مقاتلي الساموراي يضع سيفيه على جنب ويستلقي مع إمراة ثرية تحت غطاء مزين برسم لديك متوثب وريشه الملون منثور على  جوانب الغطاء.

عبق براعم زهور الخوخ
حراس المعبد
 فم مفتوح وفم مغلق
الضحكة الاولى لبداية العام الجديد. 


  
لوحات ملونة ومنثورة برذاذ ذهبي وفضي ببذخ وأناقة وبمزيج متناقض من الألوان والأنسجة والأنماط مع تداخل الأعضاء التناسلية للرجال والنساء ذلك التداخل الذي لايوحي بل يصور بشكل فاضح وصريح.
في منتصف سلسة الفنان وشاعر الهايكو المتوفي سنة 1806( كيتاكاوا اتامارو/ Kitagawa Utamaro) المعنونة (قصيدة الوسادة) وهي أكثر الأعمال المتسلسة أناقة وتنطوي على الكثير من عدم التوقع والمفاجأة التي تجبر المشاهد على الضحك ،وهي جوهر فن الشونكا الذي  يمزج الجنس مع الفكاهة على خلاف فن العصور الوسطى في أوربا حيث الفن غالباً يدور في دائرة الكنيسة والدين. يزين هذا الفنان مطبوعاته بهوامش شعرية مثل:
رغم قلقي،
وعدم قدرتي على معرفة ما تخفي في قلبك
فاني أمنحك جسدي
لم يبخس فن الشونكا حق المرأة بالمتعة، هناك مطبوعات كأنها أُنتجَتْ للمرأة تحديداً. مثلا مطبوعات من القرن السابع عشر لفنان مجهول بعنوان (راهب في صندوق) تصور راهبة بوذية حليقة الراس تماماُ في عدة مشاهد، تزرع هذه الراهبة نفسها فوق  كيس كبير كأنه هدية من هدايا أعياد الميلاد وبالتتابع  نتبين إن الكيس المزين بالزهور والريش يخفي بداخله رجل عارم الشهوة ، ومن المستحيل أن يمر المشاهد دون أن يبتسم لهذه الحكايات الطريفة ، نعم فقد كانت النسخ القديمة من الشونكا تسمى بالصور المضحكة لكن هناك حكايات تستلهم الخيال المرعب في تصوير متع الجسد مثل تلك اللوحة الغريبة التي تصور إمراة غطاسة للبحث عن اللؤلؤ وهي تسمتع بمارسة الجنس مع أخطبوط .
أزيلت آثار الشونكا من الذاكرة الشعبية والرسمية في اليابان في القرنين التاسع عشر والعشرين وصارت نوع من أنواع التابوهات لكن في ذات الوقت أُكتشفَ فن الشونكا في أوربا وأمريكا وجمع بعض الفنانين مطبوعاته بحماس مثل هنري لوتريك وبيردسلي ورودان وبيكاسو .
منقاره
أُسِرَ بشراسة
في المحارة الرائقة
طائر الشنقب
لن يستيطع التحليق
في الليلة الخريفية.*
عندما ستنتهي فترة معرض الشونكا في المتحف البريطاني سوف ينتقل الى عدة عواصم  اخرى ومن ضمنها طوكيو.
___________
*المقاطع الشعرية من مقتبسات المعرض نقلا عن الانكليزية