الاثنين، 27 أبريل 2020

عن رواية (ساق الفرس) للروائي العراقي ضياء الجبيلي

 ساق الفرس والواقع المسكوت عنه 

تبدأ رواية ساق الفرس للروائي العراقي ضياء الجبيلي، والصادرة عن دار الفراشة لعام 2019، بحادثة انتحارغريبة، حدثت في العاشر من نوفمبر عام 2016 في لندن، انتحار فتاة عراقية تدعى عبير في التاسعة عشر من عمرها، كانت قد نجت من الموت مرارا في العراق، لكنها أنتحرت في لندن التي قدمتها لاجئة، رمتْ نفسها من الطابق الرابع في العمارة التي تعيش بها، على طريقة انتحار الممثلة سعاد حسني. تروي الأحداث أختها (سليمة)، التي تتلقى خبر انتحار شقيقتها أثناء تدوينها ملاحظات عن طقوس الندب والعزاء في العراق القديم كجزء من بحثها لنيل شهادة الماجستير، في مكتبة جامعة الدراسات الشرقية في لندن. يبدو الفصل الأول وعنوانه (لندن) بأقسامه الخمسة، مليئا بالمعلومات التاريخية، سواء ما يتعلق بالتراث الرافديني الذي تدرسه (سليمة) او الحقائق التاريخية القريبة لمنطقة وايت جابل اللندنية التي تعيش الأختان فيها، والتي اقترنت بجرائم غامضة حدثت نهاية القرن التاسع عشر وبقي القاتل مجهولا حتى اللحظة، وهو ما عرف بجاك السفاح. كذلك كان هذا الفصل مفتتحا لكثير من الإستذكارات والحقائق ترويها (سليمة). قد يبدو هذا الفصل مملا قليلا للقاريء الذي سيتسائل ما جدوى كل هذا السرد الهامشي، بقضية الانتحار التي هي عقدة الرواية ومحورها، لكن مجريات السرد في هذا الفصل ستجد ضالتها وصداها فيما سيأتي من احداث، ويبدو أن الروائي خطط جيدا للبدء برواية تشبه المواويل العراقية بإحتوائها على كمية مهولة من الحزن والمصائب. الرواية تجري على لسان سليمة بطريقة التداعي التي يمتزج بها الماضي والشكوك والإستطرادات والإنزياحات الأدبية، سليمة التي كانت امها تناديها ب(سْلَيْمَة) بتسكين السين، وهي مفردة بالدارجة العراقية ومعناها الموت او الكارثة الماحقة وقد وجدت سَليمة أصل المفردة في البابلية او الآرامية (سليموت) ومعناها شبح الموت. وبما إن لكل امريء من أسمه نصيب، فأن نصيب وهوية سليمة هو شبح الموت الذي سيظل يطاردها، فهي امرأة قد وجدت وطنا لها في مصائبها التي تبدو بلا نهاية، بينما كانت الغواية هي نصيب أختها عبير الذي رافقها منذ طفولتها، وقد وجدت الأخيرة ملاذها في الغواية. ينتهي الفصل الأول بمراسم هادئة لدفن عبير في أرض غريبة.


في الفصل الثاني، وعنوانه (البصرة) بأجزائه الخمس، نعود إلى حي عشوائي يعسكر قربه أحد ألوية الجيش العراقي على أطراف مدينة البصرة، أبان حرب إحتلال العراق 2003 . إتخذ الفقراء من أبنية لواء الجيش، مساكن عرفتْ بحي الحرية، بينما صارت مخلفات الجيش المدمرة من دبابات وأليات، ساحة لهو لأطفال الحي. سليمة البنت الكبرى التي أُجبرتْ على ترك دراستها الجامعية من قبل الأقارب بحجة (ماعدنا بنات تروح للجامعة)، وعبير الصغرى المصابة بإلتباس الهوية من جهة، فهي ترفض أنوثتها وتلعب مع صبيان الحي كصبي، ومن جهة أخرى وصلت الى سن البلوغ في عمر مبكر. وأمهما التي تشتغل عاملة تنظيف في أحد مستشفيات المدينة، بينما غيّب الموت الأب فجأة. تتعرض عبير إلى حادثة في أحد ليالي كانون الثاني من عام 2005، وهذه الحادثة ستصيبها بالخرس وستغيّر مصير النساء الثلاث إلى الأبد. صمتتْ عبير عقب الحادثة وكأن صمتها هو طريقتها في التعبير عن احتجاجها ضد ما تعرضت له، وصمتها هو سلاحها في ذات الوقت.  

تسرد سليمة الكثير من وقائع انتهاك الطفولة بالاغتصاب والقتل وسوء المعاملة، لكن محنة الإنتهاك تزيد من عاطفة الأخت الكبيرة تجاه شقيقتها وتصبح هذه المسؤولية معنى لحياة سليمة ودافع لمواجهة ما سيواجه الشقيقتان من محن لاحقة.
بطلة الرواية الفعلية ليست سليمة التي تجلس في شرفة شقتها اللندنية، وتستذكر حوادث آخر عشر سنوات من حياتها، بل هي الشقيقة الصغرى (عبير) البكماء، والتي عرفتْ كيف تغوي اولئك (اولئك مفردة جمعتْ بها سليمة كل القساة والمحتلين والطغاة والمنتهكين)، في سيناريو سادومازوشي، وعرفت كيف تسيّرهم حسب أهوائها، فهي تمسك (اولئك) في شباكها وتجعلهم يشعرون انهم يسيطرون عليها لأنها بكماء، في حين أن كل اولئك هم عبيد لغوايتها وصمتها.
تذكرنا سليمة في هذا الفصل بانتهاكات الطفولة التي حصلت بعد عام 2003، مثل اعتداء الجنود الأمريكان على الطفلة عبير قاسم الجنابي وقتلها مع عائلتها، وحوادث عديدة لأنتهاك الأطفال ثم قتلهم شهدتها المدن العراقية، وكذلك حالات القتل والإغتصاب بحق النساء التي شهدتها البصرة في اعوام( 2005-2008) ولاحقا إنتهاك اليزيديات وتعرضهن للبيع في سوق النخاسة. ينتهي هذا الفصل بلجوء سليمة وعبير إلى بريطانيا بعد أن عملتْ سليمة في القاعدة البريطانية في البصرة وتعرضها لمحاولة قتل واغتصاب ورميها بالقرب من مقبرة الانكليز في البصرة، وانقاذها من قبل أحد ضباط القاعدة البريطانية والذي سيكون له دور كبير في حياة الشقيقتين.
تجري احداث الفصل الثالث في لندن، بعد موت عبير، حيث تعتني سليمة بفرس انقذتها من الموت بعد أن كسرت ساقها في مضمار سباق. تُشبّه سليمة المرأة التي تتعرض للإعتداء بالفرس المكسورة الساق والتي لا ينفع معها أي علاج سوى القتل الرحيم، وكأن روح المرأة المنتهكة هي كساق الفرس، ستظل مشوهة ومنهوبة ولا ينفع معها علاج النسيان مهما طال الزمن.
يوظف الروائي الأمثال الشعبية العراقية بالسرد، على لسان سليمة التي تربتْ في بيئة شعبية، لكن الأهم انه قارب اسطورة عشتار وارشيكال في العلاقة بين عبير وسليمة في تراتبية الافعال والوقائع لكن بطريقة معاصرة. (عشتار/سليمة) تحب وتضحي وتحاول أن تصبح اما، بينما (أرشيكال/عبير) فتاة العتمة التي تغار وتغوي وتسرق بصمت ثم تموت مع اسرارها. نزول عشتار إلى العالم السفلي لإنقاذ حبيبها تموز يكون مرادفا لهجرة سليمة إلى لندن ومحاولتها الفاشلة بإستعادة الخصب وانجاب طفل هجين من زوجها الإنكليزي.
حفلت الرواية بالكثير من التعقيدات السيكولوجية من خلال شخصياتها الرئيسية الثلاث الذين تشاركوا العيش في شقة في حي وايت جابل شرق لندن، عبير شخصية مُربكة للقريبين منها منذ طفولتها، ومرتبكة في ذات الوقت، وقد تحاشى الروائي أن تتكلم بصوتها لأنها لجأت إلى خيار الصمت المغوي. كذلك العلاقة المعقدة من حب وغيرة وتنافس بينها وبين اختها سليمة المصابة بالوسواس القهري، جعلها تغوي الرجال الذين يقتربون من سليمة. وايضا هناك العلاقة المتأرجحة بين الألفة والكراهية والاستغراب والإشمئزاز، بين سليمة التي لم تشف من صدمة ما بعد الاغتصاب ومارك الضابط الإنكليزي الذي أنقذ حياتها وتزوجها لاحقا. وقد أجاد الروائي في رسم شخصية مارك وسلوكه على امتداد زمن الروي، فمن حفيد لجندي بريطاني مدفون في مقبرة الانكليز في البصرة شارك في احتلال العراق بعد الحرب العالمية الأولى، إلى ضابط في الجيش البريطاني في حرب 2003، تسببت دوريته في موت صبي عراقي بطريق الخطأ، ثم علاقته المعقدة بالاختين سليمة وعبير، فزواجه من سليمة الذي كان مجرد نزوة رجل تجاه امرأة سبق وإنتهكتْ، وهو نوع من الإعتراف بالذنب والتكفير عنه ورد الأعتبار إلى ضحايا الحرب غير المبررة من وجهة نظر مارك المتأخرة. ثم القاتل والمضطرب نفسيا الذي حاول الإنتحار برمي نفسه من جسر ويستمنستر.
في الفصل الرابع تعود سليمة الى البصرة بعد غياب عشرة اعوام للبحث عن أمها ومحاولة لإيجاد (اولئك) المنتهكين لها ولأختها. هذا الفصل اتخذ اسلوب اليوميات، فسليمة دونت تفاصيل رحلتها التي استغرقت اسبوعين، وبدأتها بزيارة لمنطقتها الشعبية، حيث أزيلتْ آليات الجيش الملوثة بالمواد المشعة مخلفة ورائها أطفال مشوهين ومرضى سرطان، وحلّ مكانها معمل لتصنيع الحبوب المخدرة تحت مسمى مصنع كريستال. لا سرد متخيل في هذه الرواية، فالشخصيات والأماكن والاحداث كلها حقيقية، حتى يخيل للقاريء انه يقرأ سيرة لحياة الشقيقتين. وكقراء يواجهنا الواقع برعبه الذي يتوالد في متوالية تبدو بلا نهاية، والذي لم تحاول هذه الرواية تزييفه، بل ان الروائي يسرده بصوت سليمة كنوع من ترويض الأحزان بالإفصاح عنه، لكن صوت الرواية الأنثى لم يخلو من نبرة ذكورية واضحة. لن تفلح سليمة في العثور على أجوبة لأسئلتها، لكنها تكتشف أن أمها اصبحت ضمن (اولئك).
رواية (ساق الفرس) هي السابعة في مسيرة الروائي ضياء الجبيلي، يعوزها الهوامش، فهناك الكثير الإحالات التاريخية والأدبية كان من الأجدر توضيحها بهوامش، وكذلك تلافي الأخطاء المطبعية الكثيرة.

عن صحيفة الشرق الأوسط

الثلاثاء، 21 أبريل 2020

رسومات هتلر بتوقيع الثنائي الأخوين جابمان

نزعة تشويه الأعمال الفنية 

قد تكون الضربة القاضية للفن الذي نعرفه، فهذا المعرض يمثل المؤشر الأكيد لنهاية الفن التقليدي سواءً كان رسماً او نحتا. تماما مثلما نظّر له المستقبليون حينما نادوا بشطب تاريخ الفن وبتقويض وتهديم المتاحف في مسلخ ومذبحة عبثية ومقبرة لفراغ التجديد كما جاء في تصريحهم لعام 1909 .
جاك و دينيس جابمان فنانان بريطانيان تخرجا من الأكاديمية الملكية للفنون ، يموناننا بغرائبٍ إباحية متنافرة في معرضهما المشترك في كاليري المكعب الأبيض وسط لندن. العرض الذي احتوى على ثلاثة اجزاء متساوية في أهميتها وغرائبيتها. ويبدو ان الأخوين جابمان يرفضان النفيس والجميل لكل عمل أُنتجَ قبلهما لكي يمهدا عبر هذا الرفض طريقهما الفني الخاص والصادم ورؤيتهما المتفردة للإبداع.

الجزء الرئيسي من المعرض عبارة عن هلوسات متخيلة لجحيم الحروب  وخصوصا الحرب العالمية الثانية وجاء بعنوان ‘Fucking Hell’تجسدت هذه الهلوسات في تسعة أقفاص زجاجية متساوية الحجم مرتبة على شكل صليب معقوف . كل منها تمثل رؤية للهلاك والدمار والقنوط  يحملها الجنود النازيون ممثلين بمجسمات بلاستيكية مصغرة في مشاهد بائسة وتعيسة للغاية. هذه المشاهد تعيد تذكيرنا بفلم أعداء على الأبواب (enemy on the gates) الذي يصور معركة إحتلال مدينة ستالينغراد أثناء الحرب العالمية الثانية وخسارة أربعة ملايين إنسان في هذه المعركة . إنه سِفر لجرائم النازية والديكتاتوريات العالمية التي إشتركت في سعار منظم للعنف دمر وآباد كل شئ حتى المؤن . 

 الإلتباس في هذه المشاهد كونها مذهلة في قنوطها ويأسها، نسخ تفصيلية مسهبة للجحيم. ورغم إن الفنانين لم يشهدا الحروب والديكتاتوريات فأن تصويرهما لهذه المآسي البشرية هو قمة في الواقعية المفرطة الى درجة جعلتني أستحضر كل هذه الكوراث من جديد.

آلآلاف الأجساد الممزقة أوالمتفسخة تحتويها هذه الأقفاص التسعة، يتشارك الأحياء منهم والهياكل العظمية في حمل تعاسة ومهزلة الحروب البشرية. لكن روح الدعابة ليست غائبة عن جحيم هذه الاقفاص، هناك مثلا لحظة تعميد هتلر الطفل في كنيسة محترقة او هتلر البالغ وهو يستريح بجانب قبر عملاق. ان الدعابة والرعب يمنحان التأثير الرمادي المميت لهذه الأقفاص الزجاجية الرهيبة.هناك مثلا مجسما لطفل ذي ثلاثة رؤوس يلعب الكرة على  ضفة ساحل بحيرة من دماء حمراء او جندي يمصّ الحليب من أثداء خنزيرة في مصفحة عسكرية. ولوكان المستقبليون صادقين بإدعاءاتهم ان الفن هو العنف والقسوة واللاعدالة فان الأخوين جابمان أظهرا قدوة وقدرة مذهلة ومدهشة لهذا الإدعاء.



الجزء الثالث من المعرض هو عبارة عن رسوم هتلر المائية التي رسمها خلال اقامته في مدينة فيينا بين الأعوام (1908-1913) والتي اشتراها الفنانان بمبلغ 115,000 باون استرليني رغم كل الانتقادات التي وُجِهتْ إليهما حول القيمة المعنوية لدفع مبلغ كبير لأعمال فنية بريشة أقسى دكتاتور في العالم. عرض جاك ودينس ثلاثة عشر عملا من هذه الرسوم المائية الهتلرية لكن بعد ان أضافا بصمتهما الشخصية لهذه الأعمال. أقواس قزح غافية ، نجوم براقة ،وجوه ضاحكة وفيضان منثال من القلوب أُضيفتْ الى خلفيات أعمال هتلر وعُرِضَت مجدداً في سوق الفن بمبلغ 685,000 باون إسترليني. 
الاخوان جابمان نفيا أن تكون هذه الرسوم والتي عرضت للبيع كقطع منفردة، هدفها إستعادة هتلر، وقد سبق لهما ان وصفا لوحات هتلر ب(العمياء) وناقصة للإبداع. ان فكرة إستعادة هتلر او أفكاره العنصرية هي سيئة جداً لكن فكرة إستعادة أعمال هتلر الفنية هي فكرة عبقرية (يقول جاك). ويصف هذه اللوحات :"انها لاتمت بأدنى صلة لهتلر الان بل هي نتاج أفكارنا، إن التهشيم والإفساد من الممكن أن يكون فعلا إبداعيا ايضا."
دينيس جابمان قال ان هذا العرض والمعنون (لو كان هتلر هيبي كم كنا سنكون سعداء),هو في الحقيقة إجترار لسؤال ماذا كان سيحدث لو لم ترفض أكايمية فيينا للفن هتلر الفنان الشاب. ويضيف لقد أظهروا عدم اكتراث لأعماله  مما جعله ممتلئا بالمرارة والإحباط والكره.
حاول هتلر دراسة الفن في هذه الأكاديمية وعرض لوحاته على لجنة القبول مرتين  بين عامي 1907 و1908 ورُفض قبوله كطالب فن بالمرتين. لكن هذه الرسومات كانت عادية تماما ولا تشي بأن الذي رسمها سوف يصبح  دكتاتورا ومرتكبا للجرائم بحق البشرية .

هذه اللوحات تمثل قشرة الرجل فقط وهي تشبه آلاف الاعمال الرخيصة التي تمتلئ بها الاسواق. 
وكل الذي يمكنننا قوله انها أعمال فنية فظة وفظيعة وتفتقر إلى أدنى مراتب الابداع.
 عنوان المعرضif Hitler had been a Hippy how happy would we be! )) لايحمل علامة استفهام ، لكنه يُسقط الأسئلة المنغصة في رؤوسنا.
-هل الروح البشرية تواقة الى الهلع؟
-هل من الممكن ان نتأمل العالم بدون الخوف؟
-وحتى لو تلاشى الخوف، هل من الممكن كما يقول الاخوان جابمان أن نعيد تخيله فنياً؟؟
هذه ليست المرة الاولى التي يشوه الاخوان جابمان الأعمال الفنية فقد سبق لهما أن اضافا لمساتهما الخاصة من وجوه مضحكة ورؤوس مهرجين لتخطيطات الفنان الاسباني فرانشيسكو غويا المعنونة (كوراث الحروب)مما أثار النقاد الاسبان ضدهما.
وعندما يحين الوقت الذي سيعصف بكل المتاحف ويُمحى تاريخ الفن للتجديد في الفراغ ، فان جاك ودينس جابمان سيكونان في اول الطابور بلا شك . 





الاثنين، 10 فبراير 2020

شاعر الألوان الإنطباعي الفرنسي إدغار ديغا


100 عام على رحيله 

رغم شتاء لندن المعتم، لكن الناشونال غاليري في قلب المدينة يشهد إحتفاءً جميلا بالفنان الفرنسي إديغار ديغا(1837/1917) الذي يُعدُّ أحد مؤسسي المدرسة الإنطباعية، بمناسبة مرور قرن على وفاته. إستعار الغاليري الشهير ثلاثة عشر عملاً فنيا، هي جوهر لوحات ديغا الباستيلية، من غاليري بيريل في مدينة غلاسكو في إسكتلندا الذي يخضع حاليا لعمليات صيانة وتحديث أضطره لغلق ابوابه. وهي المرة الاولى التي تغادر فيها هذه اللوحات مكانها في متحف بيريل منذ عام 1944، حين أهدى  السير (وليام بيريل/1861-1958) مصنع وتاجر السفن الإسكتلندي الشهير مقتنياته الفنية التي تقارب 9000 عملا فنيا بين لوحات ومنحوتات واثاث وأوان زجاجية ملونة وسيراميك ومنسوجات تعود إلى عصر النهضة وغيرها الكثير، إلى مدينة غلاسكو، وقامت بلدية المدينة بإنشاء متحف خاص لهذه المقتنيات سُمي بمتحف وليام بيريل ويقع في متنزه عام في الجزء الجنوبي من المدينة.  

نُقلتْ هذه الاعمال النادرة التي شُغلتْ بألوان الباستيل بحرص شديد الى لندن بعد وضعها في حافظات خاصة تقلل الإهتزاز الذي من شأنه التأثير على ثبات الألوان الباستيلية على الورق إلى أدنى مستوياته. واستمر حرص إدارة الناشيونل غاليري على هذه الأعمال حتى بعد وصولها الى لندن حيث عُلِقتْ مرة واحدة في مكانها في قاعات العرض وضُبِطتْ درجة الإنارة بحرص شديد كي لا تؤثر على اللوحات سلبا، وكي تتيح للزائر درجة معقولة من الضوء لمشاهدة اللوحات. واضافتْ إدارة الغاليري الى هذا المعرض لوحيتن إستعارتهما من استراليا واميركا بفضل التقنية المتطورة في عملية النقل، وكذلك أضِيفتْ الى هذا المعرض ما بحوزة الناشيونل غاليري من لوحات فنية لديغا. 


تعرّفَ إدغار ديغا الذي ولِد لاسرة مترفة في باريس، في شبابه على مجايله إدوارد مانيه أحد رواد الإنطباعيين عام 1863 في متحف اللوفر بينما كان الإثنان ينسخان ذات اللوحة للرسام الكلاسيكي الإسباني فيلاسكوز، وجمعتهما صداقة طويلة ملتبسة، وإنضم  ديغا بعد ذلك إلى جماعة الإنطباعيين وشارك في اغلب معارضهم، لكنه رفض مصطلح (الإنطباعية) وفضّلَ أنّ يصف نفسه برسام واقعي مثل مواطنيه دومنيك أنغري وكوربيه. كان ديغا مجربا لا يستكين في مختلف حقول الابداع الفني فهو قد رسم ونحت وجرب الطباعة والتصوير في أواخر حياته، وجرب تقنيات خاصة في استخدام الالوان الزيتية عبر تخفيفها ومزجها مع سوائل اخرى. لكن الباستيل(وهو مزيج من مسحوق اللون والطباشير والصمغ مضغوطا على شكل أصابع)، بدا وسيلة مثالية لفنان يعمل بسرعة مثله. وقد إبتكر ديغا تقنيته المتفردة في إستخدام ألواح الباستيل الكامدة وغير الشفافة والتي توحي بالغموض، وذلك بإذابتها لكي تتحول إلى معجون كثيف ذي ملمس أملس على سطح الورق، وإضافة الطبقات اللونية واحدة تلو الاخرى، او إحداث تغيرات لا نهائية في اللوحة، وكان يُثبتْ طبقات الباستيل بواسطة رذاذ مثبت صُنع خصيصا له، يرشه بين الطبقات كي يضمن عدم تناثر الألوان. واحيانا كان يحزز باظافره خطوطاً على هذه التراكمات اللونية من الباستيل، تظهر بوضوح مثل تجريف اللون على الورق كما في لوحته (سُيَّاس الخيل في المطر/1883-1886) حيث تصوّر اللوحة بايجاز خمسة من سُيّاس الخيل يصطفون قبيل بدء السباق في جو ماطر إستحضره ديغا عبر خطوط مائلة بالباستيل الأزرق وعبر تجريف الألوان من سطح اللوحة، وتُعدّ هذه اللوحة من أهم مقنيات متحف بيريل. 

كان ديغا شغوفا بحضور عروض الباليه، مثل غيره من الباريسين في ذلك الوقت، ففي عام 1885 فقط حضر 54 عرضاً للباليه، فقد كان بيته قريباً من دار الأوبرا. لكنه لم يكتف بحضور العرض فقد كان يختلس النظر طويلا للراقصات في ممرات وصالات التدريب في دار الأوبرا. أنّ الثيمة الأساسية في أعمال ديغا هي راقصات الباليه اللواتي منحنه فرصة مثالية لرصد وإقتناص وتصوير أجسادهن في كل حالاتها من الوقوف برشاقة إلى إنحناءات التعب والإنزواء. ومنذ عام 1880 تحولت لوحات ديغا التي يصور بها راقصات البالية نحو التجريد وصارت ألوانه أكثر بريقا وكثافة.

في لوحة (الراقصات الثلاث/ 1900-1905) تتحول بها تنورات الرقص للفتيات الثلاث من البني الى البرتقالي المشع والاخضر المقنن الحاد والذي يطغي على بقية الالوان، كان ديغا يغمس اصابع الباستيل في الماء كي يضيف ضربات لونية ناعمة لكنها كثيفة وقوية على سطح اللوحة. 

عرضت هذه اللوحات في ثلاث قاعات للعرض مناسبة جدا من حيث المساحة لهذا المعرض الإستعادي المصغر، في الطابق الاسفل من الغاليري. وهي فرصة نادرة للجمهور كي يطلع ولأول مرة على عدد كبير من هذه اللوحات الباستيلية في مكان واحد. تتخلل هذه اللوحات مجموعة صغيرة من لوحات ديغا بالألوان الزيتية، كأن إدارة الغاليري تعمدتْ ذلك لكي تتيح إمكانية المقارنة بين إستخدام الباستيل والزيت، ولماذا لجأ ديغا الى الباستيل الذي مكّنه من الحصول على توازن نادر بين اللون والفراغ في فضاء اللوحة. تحوّلَ الباستيل في بعض اللوحات إلى ثيمة اللوحة الرئيسية والتي يتوارها خلفها شخوص ومشاهد اللوحة إلى حد الإقتراب من التجريد، وفي احد اللوحات على القماش جَربَ ديغا تقنية إستخدام الباستيل لكن بألوان الزيت. 

يضعنا هذا المعرض الصغير بمواجهة حداثة ديغا وتجريبه المتواصل من خلال إستخدامه للباستيل والألوان الزيتية. لكن ثيمة لوحاته لا تقل حداثة وتفرد عن الوسيلة المستخدمة فيها، فقد تراوحت بين عاملات الغسيل على ضفة النهر، إلى راقصات الباليه المتعبات، ثم تلك النساء اللواتي يصورهن غالبا من ظهورهن وهنَّ غير داريات، بعيني الفنان التي تراقب وضعيات أجسادهن المتوترة في لحظة حركية بحتة والتي تسلط الضوء على الإلتباس والجانب المظلم الذي لم يفصح عنه ديغا ابداً، وهو علاقته بالمرأة. 

وسوف لن يتسنى لنا معرفة مَنّ هُنَّ هؤلاء النسوة في حياته او في لوحاته، هل هن نسوة باريسيات برجوازيات او بنات ليل وبائعات متعة؟ ورغم هذا فأن لوحات ديغا التي تصوّر النساء المستحمات، هي الأكثر صدقاً وغموضا وعفوية في نفس الوقت، وربما تبلبل ذهنية المشاهد نوعا ما، يضع ديغا المشاهد للوحته مكانه، كأنه يختلس النظر من الخلف للمرأة التي تنحني كي تلامس اصابع قدميها في لوحة(امراة في حوض الاستحمام/ 1896-1901) حيث يبرع الفنان في خلق توازن بين ورك المرأة وحوض الإستحمام والإسفنجة التي تريد إلتقاطها. بينما تنحني امرأة اخرى في لوحة (بعد الحمام/ 1896) وكأنها أُرغِمتْ على أخذ وضعية غير مريحة. نساء ديغا المستحمات غالبا بلا وجوه ولا ملامح، تُقنص اجسادهن بغفلة عنهن، في وضعيات محرجة وخالية من الإغواء او الوقار، وربما تسلط هذه اللوحات بالذات الضوء على حياة ديغا الخاصة وعلاقته بالمرأة حيث مات الفنان عام 1917 دون أن يتزوج او يُعرف عنه ان له علاقة بامرأة. 

نشر المقال في صحيفة الشرق الأوسط

الأحد، 16 ديسمبر 2018

عن الرسالة التي طُويتْ في جيب بيكاسو



يقول الشاعر والصحفي الاردني محمد ابو عرب في مقدمة كتابه (رسالة في جيب بيكاسو) الصادر عن دار دوّن المصرية لعام 2018، انه يؤمن "أن مهمة الكاتب هي إخراج اسرار العالم إلى الملأ وفضحها وذلك بتحويلها الى مادة لغوية حيّة" وإن "ان كل انسان فارق الحياة ولم يكتب اسراره هو خسارة كبيرة للبشرية، فالحياة قصيرة ولا يوجد ما يستحق ان يظل سرا بعد الموت."
هكذا يُستدرجْ القاريء للدخول لخبايا هذا الكتاب الذي لا يشبه غيره ويصعب تصنيفه؛ هل هو قصص شفهية من ذاكرة قرية، أراد كاتبها الحفاظ عليها من التبدد والنسيان ودونّها حكايات مكتوبة، ام هو مجموعة مقالات معمقة تبحث في إستبطان عقائد وأعراف وسلوك البشر في تلك القرية، ازاء ظواهر وقف العلم عاجزا عن تفكيكها وتفسيرها؟ يدوّن الكاتب حكايات شفهية من ذاكرة قريته (القليعات) الواقعة على الجهة الشرقية من نهر الأردن، لكن كل الحكايات في الكتاب رغم ارتباطها بالمكان الذي تنتسب اليه وخصوصيتها، تتحول لدى القراءة التأويلية لها الى مسارات للوصول الى مفاهيم انسانية واسعة، منها الحب والخوف والوجود والسحر واللغة والدين. يقول الكاتب في مقدمته ايضا انه سيكون مخلصا لهذه الحكايات التي أشرعت له نوافذها على الحقيقة والكتابة والمعنى والصورة والذاكرة وغيرها من المفاهيم غير الملموسة لكنها من جانب آخر تلامس حياة الناس بقوة اليقين.
ينقسم الكتاب الى ثلاثة ابواب، الباب الاول هو حكايات في الحب؛ يفتتح الكاتب هذا الباب بفصل عن حكاية حب لم يُكتب لها النجاح يسمعها من جارته، وهل من شيء يشغل بال الدنيا غير الحب؟ وهذا بالضبط ما يحاول الكاتب الإجابة عنه حين تنتهي الحكاية، يقودنا إستباطنه في مغزى الحكاية إلى أسئلة عن جوهر الحب ومفارقة العيش بنصف قلب ومعنى أن تحتفظ عاشقة بقميص حبيبها لمدة خمسة وثلاثين عاما في مخدتها! تبدو الإجابة على هذه التساؤلات مثل تسلق جبل شاهق كلما اجتزتَ مرحلة في صعوده، تضاعف الجبل في علوه. هل يتحول الحب الى تعب، والذكرى الى عبء وجرح لا يندمل حتى لو مرّ وقت طويل؟ وما التنهدات والحسرات إلا ظواهر لهذا العبء كلما ذُكرَ المحبوب او خطر بالبال! تضعنا هذه الحكاية البسيطة بمواجهة مع ذاكرتنا كما يقول الكاتب، اذ ستظل معرفتنا بذواتنا قاصرة ما لم نعرف كنه ذاكرتنا جيدا، فما الانسان وتفاصليه الكثيرة والبسيطة سوى ذاكرته. وتتوالى حكايات هذا الباب في تماه بين ذاكرة الحب وما نحتفظ بداخلنا من هذه الذكرى، متمثلة ثيمة الرائحة في الحكاية الاولى وثيمة الوشم في الحكاية الثانية وثيمة اللون وإكتشاف النفس بالحب بالحكايات التالية.  في حكاية الوشم، تتحول الذكرى الى حروف مكتوبة على الجسد، فكأن الوشم في الحكاية هو الإعلان والتحرر والكشف عن الهوية العاطفية ومحاولة محو النسيان وقتل الغياب، حينما يشم العاشق اسم محبوبته على ذراعه. يستعين الكاتب في هذا الباب بالكثير من أقوال المفكرين والفلاسفة الذين تناولوا موضوع الحب مثل أفلاطون وآلان باديو وجيمس فريزر وغيرهم، ليخضع هذه الآراء المعرفية لمنطق الحكايات البسيطة، ومحاولة في إستنطاق الحكمة من الحكاية، وتقديم قراءة ذهنية فلسفية لقيّم يحتكم إليها أهل القرية.
في الباب الثاني، ندخل الى حكايات القرويين اليومية وكيف يستعينون بقوة النص المقدس، بتحويله إلى طلاسم وتعويذات، للتغلب على معضلات الحياة التي تفوق قدرتهم الانسانية البسيطة، وكيف يتمكن يقينهم المطلق بقدرة هذه الطلاسم من التغلب على مصاعب حياتهم فعلا، وكيف تبتكر ذهنية المجتمع القروي أشكالاً من الممارسات الطلسمية لمواجهة المحن التي يمرون بها. ومنها حكاية رد الشاة الضائعة، وبتهالات عجوز عارفة تسكن في أطراف القرية لطقوس السقيا ونزول الغيث. الكاتب يبحث في ثنائية الخوف والضعف في سيرة البشرية من خلال هذه القرية كنموذج، وكون الأول هو وليد الثاني، والذي يظل الانسان يكافحه طوال وجوده على هذه الأرض، والانسان بالتالي مدين لهذين المحركين الداخليين اللذين يدفعان به نحو المعرفة والتجريب والابتكار. إن عقل الإنسان القروي يخترع إسطورته استجابة لمعطيات بيئته، وأن الذات النكوصية القروية تشعر بقدرتها على غلبة ماهو خارج إرادتها البسيطة بالإستعانة بالنص المقدس الذي يستمد قوته الغيبية من هيمنته عل ماهو يومي ومرئي وملموس.  
يبحث الباب الثالث من الكتاب في التنجيم، وفي لغة البدن وعرافة اليد (التويتمة/ المفردة هنا اما تحوير لتميمة او طوطم)، بإعتبار أن الجسد تجربة لتكثيف قوة الطلاسم في اللحم والدم، وذلك حين تتحول حركة الجسد إلى لغة تنبؤءات وعرافة، كما في الحكاية الاولى من هذا الباب، وكيف أن انقباض عضلة يد شيخ غريب الاطوار في القرية، تنبأت بموت شاب في منتصف عمره. فالتويتمة هي تنجيم قائم على قراءة لغة البدن، ورمزية خطابه.
الحكاية التالية تخبرنا عن العبث بطين الجسد بإطعامه طعاما مسحورا. لم يفلح العلم بالوصول إلى إجابة قطعية حول مفهوم وطاقة السحر ووسائله، فالسحر كما يقول جيمس فريزر، أول مظهر من مظاهر التفكير الإنساني، باعتباره ظاهرة اجتماعية مهمة، كما انه موجود في كل زمان ومكان. وهو أيضاً حالة تخيّل وتمرد على الواقع، كما في سياق القصة. تتوالى بقية الحكايات بثيمات مثل النار التي تحرس الكنز والتي تسمى (الرصد)، والتداوي بريق المبروكة.
إن الحلم هو تجربة موازية للوصول الى الممكن والمعجزة والجنون والكتابة، وليست اللذة في الوصول بقدر ماهي في تراكم المعرفة في المسير. وإن المعرفة ستظل قاصرة أمام تجربة وجود الإنسان على هذه الأرض، لذلك تبرز الحاجة إلى الغيبي والاسطوري كرديف لتجربة الوجود، لذلك نشأت حتمية وجود العارف والمبروكة في مجتمع القرية.  
 ندرك إن الكتاب يُبقي الباب مشرعاً للأسئلة التي لا أجوبة لها الا بطرح المزيد من الأسئلة. وإن هذه الحكايات هي جزء من تكوين الكاتب الفكري، لم يدوّنها خوفا عليها من النسيان او لإستخلاص أجوبة فلسفية، بل دونها لينبعث هو منها مجددا وليستعيد وجوده في تلك القرية مراراً كما يقول في الخاتمة.
صدر للكاتب محمد ابو عرب ديوانين شعريين قبل هذا الكتاب هما على التوالي (يمضي كزيتونة عالية) و(أعلى من ضحك الأشجار).


عن صحيفة الشرق الأوسط

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

عن رواية الباغ للروائية العمانية بشرى خلفان

(الباغ) حديقة عمانية متنوعة 


من غرائب اللغة العربية أنّ الفعل روى يفيد معنيين؛ الأول هو السقي والثاني هو السرد، وهذا ما يحدث مع رواية (الباغ) للروايئة العمانية بشرى خلفان، فقد سَقتْ القراء من زلال الحكايات والتاريخ والازياء والجغرافية وكل ما يخص هذا البلد الذي يقع جنوب الجزيرة العربية والذي ما يزال للغالبية مجهولا نوعا ما. وما من قارئ ينتهي من هذه الرواية الا ويذهب لتفحص خارطة عمان وجباله وموانئه ومدنه التي ترد في تفاصيل الرواية.
تقع الباغ في 334 صفحة وقد صدرت طبعتها الاولى عن دار مسعى عام 2016 وبغلاف ملفت بطلاسم حروفية ورقمية ورسوم بحرية اشتهر بها اهل عمان، وما أنّ نفتش عن لوحة الغلاف حتى نكتشف انها فعلا صفحة من مخطوط قديم هو (معدن الأسرار في علم البحار) للبحار العماني ناصر بن علي الخضوري. الرواية هي الاولى للكاتبة بشرى الخلفان بعد عدة مجموعات قصصية. والباغ حكاية تمسك بتلابيب القارئ وتقبض على مشاعره تماما من خلال قصة حب عجيبة تبدأ من اول صفحاتها ولاتنتهي مع نهايتها. لكن هذه القصة لا تشبه قصص الحب التي نعرف، بل هي قصة محبة ومصير بين أخ وأخته. تبدأ الرواية بهذه الجملة: " نخوض، يا نوصل رباعة يا يشلنا الوادي رباعة"، وخاضت الكاتبة برفقة قرائها وعبر مسالك وشخوص وتتابع احداث الرواية، رحلة موفقة وممتعة  لتنتهي في آخر صفحة بالجملة ذاتها "يا نوصل رباعة يا يشلنا الوادي رباعة".  
ورغم ان عالم السرد لا يحوي الحقائق بل التأويلات، لكننا ابحرنا في حقائق تاريخية عن عمان وتقلباتها السياسية بين السلطان في مسقط والإمام في نزوى، منذ أربعينات القرن الماضي وحتى إستلام السلطان قابوس الحكم. وقد اختارت الكاتبة لبطلي الرواية (ريّا وراشد) أن يَبْدآن رحلتهما عبر الغربة والنفي الارادي كرد فعل على الظلم الذي تعرضا له من العم والعشيرة عقب وفاة والدهما: "بلاد ما ترد الظلم عن أولادها ما نبات فيها ليلة" ص11. يختار الأخوان ترك قريتهما، لكن المنفى يتضمن فكرة الإلغاء، إلغاء علاقتهما بالسماء والارض والمجتمع، ثمة خط عمودي يصل بين السماء حيث المعبود وبين الاسلاف في هدأة الموت الطويلة، وثمة خط افقي يضمُّ (القرية /السراير) حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة. وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الاخوان. هول رحيلهما هو في اقتلاعهما من نقطة التقاطع هذه وازدراعهما في بقعة اخرى لن تكون نقطة التقاطع فيها هي ذاتها، فلا السماء اولى ولا الاسلاف اسلاف ولا الهواء ولا رائحة الزرع ذاتها. لكنهما وصلا مسقطا معا، وكأنما القاريء يحاذيهما في المشي ويتماه معهما، ويتعرف من خلالهما على جغرافية مسقط ومناطقها وبحرها وقلعتها وابراجها وبوابتها، وذلك عبر ما يرويه ويصفه الراوي وهو صوت الشخص الثالث الذي اختارته الكاتبة كآلية سردية، وقدّ تعمّدَتْ اشراك القاريء لإستكشاف الأمكنة والاحدث مع الأخوين، بهذا الصوت وهذه اللغة الوصفية التفصيلية المتتابعة، فصرنا نعرف جغرافيا مسقط في أربعينيات القرن الماضي( بيت فرنس/ بيت القنصل الفرنسي، قلعة الميراني، الفرضة، قصر السلطان، بيت الباليوز/ مقر القنصل الانكليزي، مقر الجمارك، كوت الجلالي/ السجن، حارة الميابين، بيت الوادي)، كأنما تدخلنا الكاتبة إلى هذه الجغرافيا منذ الصفحات الاولى لنكون شهودا بما سيحدث من تغيّرْ جغرافي مع تتابع السرد. كان راشد مزاراعا في قريته (السراير)، يهتم بالنخيل والزرع والجني والثمر، ويحوّل مجرى المياه الى قنوات الفلج، هو ابن الحياة والارض، لا يعرف القراءة والكتابة، كأنما تقصّد ابوه ذلك لخشيته من اجتماع العلم بالقوة البدنية عند ولده، وعلّم اخته ريّا القراءة وتلاوة القرآن ولم يعلّمه، لكن راشد وقع ضحية جهله حين إحتال عليه عمه وسجنه بتهمة ظالمة، وسيهزم راشد جهله بعد حين بتعلم القراءة والكتابة سريعا من صديقه علي. وما أنّ يصل مسقط حتى يفقد حريته، يفقد نخيله وزرعه ويتحول الى عتالٍ يحمل البضائع من والى السفن ثم شرطي يحمل سلاحا ثم عسكري في حامية مسقط. البحر مثل مسقط غسل جراحه وهيجها في ذات الوقت، بينما قرّب علم ريّا وحسن تلاوتها للقرآن من مضيفتها العودة التي تبنّتها وعلّمتها اسرار التداوي بالأعشاب وكيفية تغسيل الميتة وتكفينها، التي ورثتها عن امها. كان راشد طفلا غضوبا صموتا وكانت اخته ريّا اماً رؤومة وعارفة. تتزوج ريّا لاحقا من علي صديق راشد، كأن زواجها من صديق اخيها هو إرتباطا مضاعفا به.
جدوى الرواية:
أنّ كتابة رواية عن التاريخ القريب لبلد ما، لهو عمل شاق فعلا، فالكاتبة ارادتْ تضمين كل ما تعرفه عن تاريخ بلدها من خلال حكاية اخ واخته. مبرر كتابة الرواية هو الكشف والإكتشاف، والرواية التي لا تكتشف جزءً من الوجود لايزال مجهولا هي راوية غير مجدية، وقد تكون المعرفة هي مبرر الرواية الوحيد. وقد كشفت لنا الروائية بمهارة اخلاقية نادرة، خفايا علاقة انسانية قلما تناولتها الرواية من قبل وهي علاقة الاخت بأخيها وأرتباطهما المصيري معا، بدءً من اللحظة التي يربطان نفسيهما معا وهما فوق ظهر الناقة لعبور الوادي الذي تغمره السيول؛"ريا ليست بعيدة عنه، يسمع صوت تنفسها فيطمئن".
كشفت هذه الرواية ايضا الاحداث المهمة خلال حكم السلطان سعيد بن تيمور، هجرة العمانين للدراسة والعمل وتبنّيهم العقائد السياسية المختلفة، نشوء مسقط الحديثة ثم تولي السطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم. هناك تداخل بين الحقائق والمنازعات التاريخية وبين الذاكرة الشخصية للشخوص، بين انتقالات سردية رائعة من الذكريات التي يختزنها راشد في روحه والمشاهد التي يراها وهو في السيارة العسكرية المكشوفة، في طريقه الى صحار لبسط سيطرة السلطان المدعوم بالقوات البريطانية على واحة البريمي العمانية المحاذية للحدود مع ابو ظبي، لكن بريطانيا دوّلت النزاع الذي لم يُحل الا قريبا لصالح عمان.    
والرواية تستقريء الاساطير والعادات الشعبية والتداوي بالاعشاب، وتفاصيل الحياة اليومية للناس البسطاء من مأكل( التمر، القهوة، مرق السمك مع التوابل)، الملبس( كمة/طاقية، المصر/ العمامة)، (السبلة/مجلس الشيخ، البرزة/ مجلس الوالي، الصباح/ الدكة التي يجلس عليها حراس البوابات، الباغ/ الحديقة). طقوس العرس وأهازيجه، وخليط البشر المتعايشين من هنود البانيان والبلوش والعرب والإنكليز، وكل ذلك بلغة منسابة شاعرية بلا تكلف وصورية بلا إطالة في الوصف. كما نجحت الكاتبة جدا بتطريز السرد والحوارات بالدارجة العمانية وهو ما منح الرواية نكهتها الخالصة:(مدي يدش وفتحي قلبش)ص64. تقوم البنية السردية في هذه الرواية على حكايا النساء، حكاية ريّا الرائية التي حُجِبت بغلالات من الكلام والأمنيات، والتي رفض ابوها تزوجيها من ابن عمها الظالم ثم زواجها وامومتها، وحكاية أمها من قبلها التي تمت التضحية بها في زواج صلح بين القبائل، حكاية العودة وحكمتها وصندوقها ذو الأسرار، حكاية البيبي البحرينية التي تزوجت تاجرا من عمان. المرأة في هذه الرواية هي من يصنع الحدث ويديره كيفما تشاء باستثناء الحرب التي تُنْبتْ القسوة في القلوب. هي التي تشفي وتُطعم وتُعلّم:"لو علمتهن تكثر كلمة الله ويوم تكثر كلمة الله قلوب الناس ترق" ص116. وهكذا صارت ريّا معلمة في بيت(الباغ/ البستان)، الكاتبة هنا أحسنت توأمة العلم والحب مع البستان، وهل من بستان غير الحب والعلم! لكن الإستزادة من العلم تستدعي الخروج من (البستان/ الجنة)، وهذا ما حصل مع زاهر ابن ريّا حيث يهاجر الى الكويت طلبا للعلم تاركا حبيبته مزنة ابنة البستان وعلى شفتيها شبح قبلة يتيمة. المزيد من العلم سوف يشقيه ويجعله مسكوناً بالاسئلة التي ستقوده إلى مواجهة مع خاله راشد العسكري المنضبط، وإلى مصيرٍ مجهولٍ حتى نهاية الرواية.



الأحد، 21 مايو 2017

مقدمة ومختارات للشاعرة الامريكية فلورنس أنتوني/ آي

ريح من لا مكان 

  
ريح من لا مكان

الشاعرة الأمريكية فلورنس أنتوني


يجب عليها  أن تعرف
ثقل يد الرجل.
تلك الكدمات تشبه
جروح المسيح.
ودمها ذاك الاسود في القلب
 يجب ان يسيل...
 نقياً وأحمراً كما دمه
وعليها أن تكون حاملاً دائما
اذا لم يكن بطفل
فبمعرفة
إنها على قيد الحياة بسببك.
وأنك تقدر ان تسلبها تلك الحياة
بسهولة مثلما تمنحها.
معاناتها من إرثها
منك وبك ،
من المسيح..
الذي مشى على جسد إمه
ليصبح ملك الجنة
من قصيدة "قصة الأم"(مجموعة خطيئة)1986

بورتريت شعري لعنف مخضب بالجمال


" آي : الاسم الذي أرغبُ أن اُعرف به "
 هذا ماصرّحتْ به ( أنتوني فلورنس ) في عام 1969.
 قبل عقدين من هذا التاريخ كانت ام انتوني، المطلقة من زوجها الأول، حاملا بها بعد علاقة جنسية عابرة وسريعة مع مايكل أوكاوا، وهو ياباني، التقتْ به في محطة بنزين، ورغم  محاولة الام إسقاط الجنين، عن طريق الاجهاض، إلا أن " آي " حازت على مكان فوق سطح الارض، فكان إسم والدها المدون، في شهادة الميلاد، هو اسم زوج امها الاول.
لكن الام سرعان ماتزوجت ثانيةً من ستون هاينز، وهكذا عُرفتْ الشاعرة في طفولتها بإسم " فلورنس هاينز " ثم عادت واستعملت إسمها الرسمي " فلورنس انتوني " عندما اصبحت في المدرسة الثانوية ، لإعتقادها أنه أكثر شاعرية، لكن الام باحت لها، ذات يوم، بكل تفاصيل علاقة محطة البنزين الطارئة، فما كان من أناها الشاعرة الا أن إستثمرت هذه الخيبة الى فعل جمالي، كأية مبدعة كبيرة، هكذا صار اسمها : " Ai " وهي كلمة يابانية تعني : " حب " وفي ذلك تقول : " اُجبرتُ أن اعيشَ كذبة لسنوات عديدة، لذلك شعرتُ أنه لايجب أن يرفق إسمي بإسم رجل كان زوجا لأمي فقط ".

إنتبهتْ " آي " الى موهبتها الشعرية في لوس أنجلس ، وهي في سن الرابعة عشر، أثناء دراستها في المرحلة الاعدادية، فقد لفت انتباهها إعلانا عن مسابقة شعرية، وحين شرعت بالكتابة, إنتقلت عائلتها للعيش في توكسون، حتى قبل أن تحصل على الموافقة بالاشتراك في المسابقة ، لكنها بفضل هذه الحادثة عثرت على الوسيلة التي تعبر بها عن مواضيع وأحاسيس لم تتمكن التعبير عنها من قبل.
 كانت طفولتها ممزقة بالفقر : عاشت قسطاً منها في سان فرانسيسكو ، ولوس أنجلس، وصفتها  :" هناك أوقات جميلة، لكن ما يلتصق بالذاكرة أكثر هي تلك الاوقات الصعبة ".
 كان والدها بالتبني ينفق أياماً في الاستدانة من أجل إطعام العائلة . كان ذلك في سان فرانسيسكو، مدينة الشعراء المغلوبين : " ذكرياتي ليست سوداء، هي ببساطة ذكريات العيش كإنسان فقير " . 

تعدد الأعراق في جذور وثقافة الشاعرة ( أباء من أصل ياباني، مكسيكي ، أفريقي، وأمريكي، إضافة الى ام من أصل هولندي، إسكتلندي، وإيرلندي ) جعلها تنتمي للإنسانية ككل، لذلك عرفت نفسها ب: " أنا شاعرة .. ببساطة " واعتبرت أن الشعر إبداع عالمي، كأمر مفروغ منه، قالت : " لا أريد أن أُصنّف، سواءاً على المستوى الشخصي أو على المستوى الشعري، فإذا لم يكن الشاعر وإبداعه عالمياً، فأين يكمن الابداع إذن ؟ "، هكذا فإن " آي " لم تعترف بأهمية النسب والعرق لأنها طمحت لقيم أعلى من خلال شعرها، ومع ذلك، وكأي شاعرة جديرة بالاحترام، لم تخفِ مصدر إلهامها، ففي مقابلة معها  عام 1978، بعد نشرها كتابها الشعري الثاني :" قتل القاع " قالت " Ai " : إنها تستمد إلهامها من شعراء امريكا اللاتينية، وهم شعراء محليون أو شعراء قبائل، أمثال : راندال جيرال، كلوي كينيل، فيل لفاين، لويس سمبسون، وجيرالد سترن، أما في مراحل دراستها الجامعية الاولى فقد كانت تنصت باعجاب الى قصائد الشاعر كينيل، وهي قصائد تدخل القراء الى مملكة خيال سحرية حيث هوية الشاعر تنتظر أن يكتشفها القاريء. كانت " آي " معجبة بتلك القصائد، ليس فقط بتحولاتها القوية، لكن ايضاً بموسيقى اللغة وجمال المخيلة التي تلتقط الصور والالفاظ بمايشبه الكاميرا . هكذا صارت قصيدة كينيل ( الاحتمال ) مصدرا للالهام في كتابتها الشعرية . 

في عملها الشعري، كما لاحظ النقّاد، اختارت " آي " التعبير عن الاوغاد والاشرار، في إنحياز واضح الى عالم الخلف المكتظ بالبؤس، الفقر، والعنف، وهو انحياز جمالي، مفرغ من أية رسالة آيديولوجية.
 والشاعرة غالباً ماتستخدم ضمير المتكلم، الذي يضيّع على القاريء إحالته الى جنس أو لون : هناك خليط من الأصوات الواقعية غير المعروفة، وهي تعلق على ذلك قائلة :
" قصائدي تنبع من لاوعيي : أنا المشدودة بإحكام الى حياة الآخرين، الاحياء منهم والاموات ".
 لاوعيها، إذن، يبتكر شعرياً أُناساً أحياءاً، وآخرين أمواتا : تجلعهم يتقابلون في مناجاة مثيرة للقاريء : " هذا الاسلوب يتيح لي أن اصبح شخصا آخر، مثل ممثل .. أعتقد أن الناس خُلقوا كي اراقبهم، حقاً أنا أشعر إنهم شخصيات من إبتكاري ".
 ولكي تعمق اسلوبها هذا, عمدت  الى إستلهام الشخصيات والحوادث الاميركية : جون كنيدي، إميلدا ماركوس، حوادث الشغب في لوس انجلس عام 1992...، وإستخدمها كخلفية نفسية شاملة، للعديد من شخصيات قصائدها، وبتداخل الاصوات مع الاحداث في نصوصها، يحول هذه النصوص الى مايشبه الجوقة في مسرحية، وهو ما أضفى عليها رنين دقيق، مع انعكاس واسع لاهتمامات الذات المعاصرة وللظروف الانسانية المحيطة بالكائن المعاصر.
 قصائدها تصل بالشعر الى منظور آخر وجديد : الاثارة الجنسية، والعنف - سواءاً من أحداث معاصرة، أو أحداث في ذاكرة المجتمع الاميركي , والمواضيع الساخنة الحمراء، هي ثيمات قصائدها، إذ لا تميل الشاعرة الى إجتراح الاحداث من الخيال، فصورها الشعرية ملتقطة من الواقع، ومن اللغة العادية، لكن ليس بمعنى خلوها من الخيال او الشاعرية، بل هو تجلي ناصع لعمل مخيلتها، عندما ترتفع بالتقاطاتها الحاذقة الواقعية، لتصل به الى مسافات خيالية شاسعة ومحلقة.
 هكذا فإن قصائدها عبارة عن مشجب كبير للسكاكين، الفؤوس، الحراب، النصال، والمطارق التي تحطم وتشطر الرؤوس والجماجم وتمزق الجسد أرباً أو تطعن شعاع الشمس ذاته : إن ما يمكن أن يتحول الى عنف عبثي مبالغ فيه لدى شاعر آخر، يتحول بين يدي هذه الشاعرة الى أداة بلاغية حادة لاختراق النظام الاجتماعي : هذا العنف ليس مجرد قسوة مرئية من الخارج، بل هو ما تعايشه، وتعيشه شخصيات قصائدها، وهذا ما نلاحظه في المنولوجات التراجيدية لتلك الشخصيات.
نشرت " آي " كتابها الشعري الأول ( قسوة ) عام 1973، الذي كان يحمل عنوانا أولياً (  عجلات في مستنقع ) وهو رؤيا لروح الانسان، حين يقع في مصيدة اغترابه عن الحضارة، كما العجلة في المستنقع، فيفقد القدرة على النجاة بذاته، أو تخليصها . حشّدت الشاعرة في هذا الكتاب الكثير من عبارات وتعابير الجنس والعنف، كتقرير صادق عن كآبة الانسان، وعن حس الضياع غير المرئي، غير الملاحظ، وغير المعروف حتى من قبل الشخصيات ، وقد كانت " آي " تتقصد ذلك كي تحمل القاريء على التعرف ليس فقط الى كيفية تعامل الانسان مع الانسان بقسوة، وانما الى التعرف على القسوة في الذات الانسانية اولاً، ومن هنا جاء العنوان ( قسوة ) بليغاً، ومعبّراً :

" فعلتها ، كما أنذرتني أن تفعل
 وتركتَ لي الجنين ملفوفا بورق شمعي ،
 كي أنظر الى ابني "

من قصيدة " إجهاض " 1973



وخلال الثلاثين عاما لاحقة، طوّرت " آي " منولوجاتها التراجيدية الى أعمال شعرية نالت العديد من الجوائز، كجائزة مؤسسة كوكينهام 1975 عن كتابها الاول، وجائزة أندومنت الوطنية للفن عام 1985، وزمالة من معهد رادكلف 1975، اضافة الى جائزة ليمونت الشعرية التي نالها كتابها الشعري ( قتل القاع ) 1979، وجائزة الكاتب الاميركي من معهد كولومبس ، عن كتابها ( خطيئة ) 1986، وبعدها أصدرت كتابها الشعري ( كارثة ) 1991 و ( جشع ) 1993، و ( رذيلة ) 1999 الفائز بجائزة الكتاب الوطني للشعر.
 أما كتابها الشعري ( فزع) 2003فقد كان مكرساً لإنقاذ الطفولة من صدمات المجتمع غير المبالي، وفيه حوّلت الغضب الراسخ والمستمر في ذاكرتها الشخصية الى رافد لاينضب للتعبير عن نفسها / الطفلة، وبشكل صريح ومعلن، تقول :

" كأنه ضغط لايزال يُبنى ،
 وللتوٍ قلتُ :
 ساكتبُ قصيدة عنه "


وكمحصلة اخيرة فإن بعض الشخصيات المتخيلة في ( فزع ) تستمد واقعيتها من التاريخ العائلي للشاعرة، بما في ذلك امها ووالدها الياباني :

" تقول امي : كنتُ تائهة .
 تقول ، سألتْ أباك عن الطريق ،
 ولم تعرف كيف إنتهيا الى السرير .
أحيانا،
 عندما أنظر الى المرآة،
يخيل لي أرى وجهه ،
 يلوّح فوق وجهي .
ورغم أنه مجرد إختصار
عن الحقيقة الفظة ،
فالتفاصيل
توزعها امي ، تدريجيا ، الى الخارج .
أنا فقط, مَن يرى حقيقة ما ترك وراءه .
يعدو مسرعاً أكثر من سيارة الفورميلا :
أبي الهارب مثل أي رجل آخر ،
لم يخطط للبقاء طويلا . "

من قصيدة " أنساب "




وبينما تحاول المدنية المعاصرة، تكريس أصناف مختلفة من الفوارق والتعريفات، كأساس لتعريف الانسان والحكم عليه، نجد " آي " التي لم تنكر  هوياتها المتعددة، إستفزت هذه الفوارق والتعريفات، وتحدت حدود هذه المدنيّة وفوارقها، وحاولت زعزعة التعريفات والاحكام، لكن من خلال تراجيدياتها المثيرة للقراءة. بكلمة اخرى : إن قاريء قصيدتها يدرك بعمق عنف الأصوات الهامشية، من خلال رواة قصائدها الواقعين في مصيدة أدوارهم الاجتماعية .
 إن الشاعرة تعمدت صدمة المتلقي عبر قصيدتها الموغلة في الحقيقة المفجعة، رغم أنها من جانب آخر، منحته جرعة إضافية وجعلته قادراً على طرد خوفه الى الخارج وربما مواجهته في مرحلة لاحقة.
 قصائدها تُشجع على تَقَبل أصوات رواة العنف، من أجل المساهمة في خلق وعي إجتماعي من خلال فوبيا العنف هذه، فتراجيديا أصوات العنف في منولوجاتها تكشف ماذا يمكن أن يحدث لهؤلاء الذين يفشلون في العيش على النمط المثالي لمعايير المجتمع .
إن الكلمة الهامشية، حين تقال بفعل الحاضر – الزمن المضارع – تجلب اليها الانتباه من خلال التكرار وإبتكار المعاني وخصوصية الاحساس في الذات المهمشة.
 كما ان الصور الشعرية المرسومة بدقة في قصائدها عبارة عن تشكيل مكاني صرف وقد توحي بالزمان في كثير من الحالات : تلك احدى سمات عملها الشعري الذي لم يبخل في تقديم مزيج من المحسوسات الشمية والذوقية ايضاً والتي لاتقل خطورة في تشكيل الصور المرئية في بنية القصيدة .
 كما أن الشاعرة ابتكرت أصواتاً متقاربة، لتتحدى التقاليد الادبية المتعارف عليها أولاً، ولتحويل الفكرة الى جسد ثانياً : هذا التحدي للتقاليد الادبية مشوب بتحد آخر / سافر وهو السؤال عن الهوية الاميركية : هذا التحدي الجوهري يتعدى الشكل الفني إذن، يتعداه الى الصميم، ليتحول الى مراس دائم، حيث الحياة برمتها، فمن خلال تأكيدها على العنف بكل صوره ـ الاغتصاب، القتل، الاجهاض، الزنى المحرم، الانتحار، الاعتداءات المتوازية ـ كل هذه الجرائم، من وجهة نظر آي ، هي جزء أساسي من الثقافة الاميركية، لذا فإن الأُمة الاميركية هي أُمة للعنف الحضاري المعقد والمركب .
هناك الكثير من الجسارة الطموحة، والإزعاج في قصائدها, الموغلة في قلب اميركا، وقد قالت بصريح العبارة : " نحن امة نـُبدع ، نوازن حياتنا ، نتسلى ونُثار بأكثر قدر من الرذيلة : نحن نرتفع ونسقط، ولا يسمعنا أحد ". وعلى عكس تراجيديات شكسبير التي أحبتها آي، وغالبا ما إستخدمتها كأدلة في اعمالها الادبية، تتقاطع نهايات شخصياتها مع أبطال شكسبير الذين يكافحون قبل سقوطهم النهائي، لكن شخصياتها تبقى قوية حتى النهاية، تنشر الرذيلة عبر الأرض لأجيال متعاقبة، لذا فإن قصيدة آي تقترح بقاء  العنف، كصوت مسموع في توازنات المجتمع، وأن دائرة العنف الطبيعي هي وجه آخر للقوة الاميركية، تقول في المقطع التالي من قصيدة ( قياس القياس ) :

" البعض تربى على الرذيلة ،
 والبعض الآخر على مزية السقوط "


وهذا مقياس دقيق لخبرة الحياة الاميركية :

" أنا أميركي
 لا يجب أن أتمنى شيئاً,
أنا الأمريكي
لا يوجد شيء ليس لي "
من قصيدة " حذاء الشموا الازرق "  كتاب ( رذيلة ).



شغلت " آي " منصب استاذة اللغة الانكليزية في جامعة ولاية أكلاهوما, و إستمرت في كتابة الشعر من واقعها،  ومن ذخيرة ذكرياتها، فكانت ما أن تسمع اغنية، أو تشاهد نشرة الاخبار، ليلفت إنتباهها موضوع معين، فتشرع بالكتابة عنه. كانت تتمنى المضي بالتأمل : " إذا استطعت أن أكون حرة من واجبات التدريس وما سواها، اتمنى ان أقضي حياتي بالتأمل. سأكتب بالطبع، لكني سأقضي الكثير من الوقت في تأمل الكون ، وفي محاولة للاجابة عن الاسئلة الباطنية ".
أدخلت (آي) الى المشفى يوم 17 مارس 2010 لمعاناتها من إلتهابات رئوية ومن مضاعفات سرطان الثدي, وتوفيت بعد ثلاثة أيام في سياتل. 

مختارات شعرية 

لكني فقط في العاشرة*
 
 
"أجلسي فوق راحتي ."


لكني فقط في العاشرة . 


لا أراه ،
 
أسمع...
 
 شهيقه المتسارع في الظلام .


أنه وقت اللعب، بعد العشاء.


 حين نكون في الخارج ،


مختبئين تحت الشجيرات،



هو يدعوها لعبة الغميضة ،



لكن إختي الصغرى فقط من تبحث عنا


حين نختبئ 


ولا تعثر علينا ،


لأن جدي يتلقفني، 


يفرك ما بين فخذيّ بيديه

 
حينها
 
 أشعر بإثارة عظيمة وغامضة،


خارج حدود وعيّ


لا أعرف بالضبط ماذا أُسميها 


يعجبني ذاك الشعور...


نشوة اخرى


لم أجربها مسبقاً
 
ممتعة أكثر  


 من أكل القَند.



عندما سألتني جدتيّ:
 
"ماذا كنت تفعلين هناك؟"


إضطررتُ ان أكذب 


"أين؟"
 
أجيبها


"آه... لعبة الغميّضة"


تفحصتني: 
 
" هذه أخر مرة، لا لعب بعد الان" 


توقفت اللعبة
 
وأنا نسيت


عشر سنوات مرت ...
 
خمس وثلاثون


حين بدأت أسترجع ما مضى


وأسأل نفسي:


لماذا يثيرنيُ الرجال الذين يثيرون قرفي؟ 


وأرتحل للماضي المترسب..


للظلام...
 
للزفير الثقيل...
 
في حياتي


أنا التي ظننته قد فات وعبر؟


لكني تعاميّتُ فقط 
 
عن الرؤية


في دوامات وعيّ الرملية


حين تسحبني للأسفل


هناك في القعر
 
أجدُّ جدي في الأنتظار


يداه مبسوطتان لترفعاني


عارية ومبللة


كي يدعكني في نفس المكان


"لا تخافي ..."
 
 يهمس:
 
"سأدعك تذهبين سريعا"


أُجيبه:
 
"نعم "
 
وأردفها:
 
"لا"
 
 "لا أفهم لماذا تفعل معي ذلك
 
أنا فقط في العاشرة"


 لكنه يقول :
 
"هذا يكفي كي تعرفي "
 


*العنوان الأصلي لهذه القصيدة (يقول جدي).

                                          .............................

عشرون سنة زواج*

 تجعلني أنتظركَ في الشاحنة ،                                                                                                        
ذات العجلات الكبيرة المغروزة في خندق وحل
بينما أنتَ تتبول بجانب شجرة ، بعكس ،
 اتجاه الجنوب.
أسرع ..
لا أرتدي شيئا تحت تنورتي هذه الليلة  ،
لا يزال هذا يُشعلك ، لكن هذه الرافعة بلا نوافذ
والمقعد ُ
وركٌ  بارد من الجلد الصناعي
حين أضغطه بمؤخرتي .

لم أتغيّر...
لي ذات الجسد والوجه  
منذ عشرين سنة خلتْ ،
لكن حين تدخلني ، تشتغل آلتي :
ستتحلى  بالفحولة والرغبة في المضاجعة .
أسحبُ، وأنتَ تدفع :
نتقاسم بعضينا بالتساوي .
الآن  يا حبيبي ، ألقني على ظهري ،
وتظاهر أنكَ لا تدين لي  بشيء   
وربما ننطلقُ بعيداً من هنا
تاركين الماضي متكوّم خلفنا :  
لأن الصحف القديمة لاأحد يعيد قراءتها .

* عشرون سنة زواج من (خطيئة) قصائد مختارة.


.................................................................................



حوار

نبتسم لبعضنا
وأسترخي على أريكة خيزران .
كيف تشعر وأنتَ تموت ؟
 أقولُ .
تَمسّ ركبتيّ بأصابعك الزرق .
وعندما تفتح فمك،
تسقط على الارض، كرة من الضوء الأصفر
لتتركَ ثقبا محترقاً فيها.
لاتقل شيئا...
 لا أريد أن أسمع .
ابدأ فقط ،
أنا أرتدي الثوب المناسب
و بالمصادفة...
بالكاد انت تلاحظ
أصابعك تجرح ذاك الرداء
وتسمع صوت سكين تقطع ورق
و تنظر أيضا
تدرك بسهولة...  أن تلك الصورة
امتدادا لصورة اخرى ،
لأن حياتك
سلسلة من كلمات
يوما ما سوف تطق و تنفصم .
كلمات ،
تقول ،
مثل فتيات صغيرات يصنعن دائرة,
تتشابك أيديهن
ويبدأن برفعها نحو السماء
بأثوابهن المثبتة ،
مثل بالونات الهليوم البيضاء ،
وتيجان الزهور الملفوفة على الرؤوس ،
تدور وتدور بسرعة
وفوق كل ذلك،
هناك حيث أفيضُ ،
كيفما يكون
فقط, عشر مرات أنقى ،
عشر مرات أكثر رعباً
كيف يمكن لكائن أن ينجو منها ؟



ملاحظة : قصيدة حوار ، هي ايجاز  لفكرة " آي " عن الموت. الشاعرة في هذه القصيدة  تستخدم شخصاً يحتضر، كإستعارة متعددة ومفتوحة لوصف الموت، كلماتها تجعل القاري يفكر بالموت وبلغزه. تقول الشاعرة :" افكر أن الموت هكذا، واتمنى ان يكون فعلا "، فهو كرداء يتمزق .
                                        ........................
ريح من لا مكان*

اختي تلطخ وجه دميتها بالوحل ،
وتقفز بعدها الى الشاحنة عبر النوافذ .
تتجاهلني حين أمشي بمحاذاتها ،
أضربُ إطارات الشاحنة المفرغة من الهواء ، بقضيب حديدي .
الرجل العجوز يصرخ عليّ  أن أسحب فريق إزعاجاتي وأرحل ،
لكني أبقى ماشياً حول الشاحنة : أضرب بقوة أكبر

حتى تناديني امي .

 ألتقطُ حجراً وأرميه على زجاج نافذة المطبخ

يتهاوى قبل أن يصيب هدفه.

صوت الرجل العجوز يتنطّط في الهواء مثل كرة ،

يجعلني غير قادر على رفع قدمي  خطوة أُخرى .
أقف بجانبه ، أنتظر ، لكنه لا يعبأ .

أطوي القضيب الحديدي ،
 أرفعه ...
 جمجمته تنفتح بشقيّن .

إمي تركض نحونا . لكني ما أزال واقف

اُتمتمُ بالذي حصل وهي تنحني عليه .

أفلتُ القضيب الحديدي، وآخذ بندقية من البيت

 الورود حمر، وزهور البنفسج زرق،

طلقة واحدة للحصان الأسود، وإثنتان للحصان الأشقر.

 سقطوا سريعا ،
بصقتُ لساني ...
 مدمى ، لقد عضضتُه .

ضحكتُ ، تذكرتُ لساناً خارجاً بالكامل.
أمسكتُها وهي تقفز من الشاحنة ،
طلقة.

 دُميتها إستقرتْ معها على الأرض .

تلقفتُ الدمية، هززتها بين ذراعيّ.

ياه..انا جاك إبن هوراث

 النبيه ، السريع.

في البيت، أخذتُ أفضل بدلة للرجل العجوز

وحذائه الفاخر من الجلد الطبيعي

وضعتُ ثوب إمي الساتان

ودمية اختي في حقيبتي .

 بعدها ، عبرتُ الحقول الى الطريق السريع .

أنا في الرابعة عشر ، أنا ريحُ من لا مكان .

 لي القدرة على كسر القلب.

 

* العنوان الأصلي للقصيدة " الطفل " و الرجل العجوز كنية لزوج الأم، وواضح طبعا ان الطفل يقتل شقيقته، يفعل كل شيء، من اجل جذب الانظار اليه .
                                 .............................