الاثنين، 12 أكتوبر 2026

رائد التنقيطية بول سيناك/Paul Signac

ولد بول سيناك في باريس عام 1863 لأسرة ميسورة، وكان مقدّراً له أن يدرس الهندسة المعمارية قبل أن يتغير مسار حياته كلياً بعد حضوره معرضاً لأعمال كلود مونيه، حيث بهرته الانطباعية وبساطة التقاط اللحظة الخاطفة. سرعان ما تعمقت صلاته بالفنان جورج سورا عام 1884، فشكّلا معاً الثنائي التأسيسي للانطباعية الجديدة (Neo-Impressionism) والصياغة النظرية لأسلوب التنقيط أو التقسيمية (Divisionism). تأثر سيناك بنظريات الكيميائي ميشيل أوجين شوفرول حول التباين المتكافئ للألوان، وبجماليات المطبوعات اليابانية الخشبية، كان يمتلك شغف عميق بالبحر وسواحل الجنوب الفرنسي التي استقر في إحداها في بلدة سان تروبيه تحديدا، لتصبح مصدراً إلهامه اللوني المتوهج؛ حيث كرّس حياته الفنية لتفكيك الضوء والألوان إلى عناصرها الأولية واستبدال المزج التقليدي على الباليت بالمزج البصري للضربات النقطية الدقيقة على القماش، تاركاً إرثاً جمالياً خالداً أعاد صياغة مفهوم الرؤية البصرية في الفن الحديث.

وتتجسد هذه العبقرية البصرية في أعلى تجلياتها عبر لوحته الشهيرة «صنوبر بونافنتور» (The Bonaventure Pine) المنجزة عام 1893، والتي تروي بأسلوبها التحليلي قصة عشق بين الضوء والطبيعة. في هذا العمل، لا يقدم سيناك مجرد نقل تقليدي لشجرة صنوبر عملاقة على ساحل جنوب فرنسا، بل يصوغ سمفونية بصرية متوهجة تتشابك فيها خيوط اللوحة عبر شبكة محكمة من النقاط البنفسجية، والخضراء، والذهبية، والأزرق الفاتح. تتبدى خطوط الشجرة المنحنية بانسجام استثنائي مستلهم من جماليات الفن الياباني، لتخلق توازناً سحرياً بين صلابة الجذع العريق وتطاير الأوراق المغمورة بأشعة الشمس المتلألئة. إن النقاط الملونة هنا لا تندمج كلياً، بل تظل تنبض باهتزاز بصري دقيق يستدرج عين المشاهد لتركيب النور بعيداً عن التسطيح، مما يجعل اللوحة نافذة أبدية تنقل حفيف الأوراق ودفء نسيم البحر في لحظة هاربة ثبتها الفنان بعبقرية الريشة واللون. 


الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الفنان الدكتور علاء بشير/ الغراب وظلال الذاكرة


عن الغراب وظلال الذاكرة

في حديث طويل جمعني بالدكتور علاء بشير على هامش معرضه الثالث عشر الذي أُقيم في لندن—والذي ضمّ خمس عشرة لوحة كبيرة الحجم ذات عناوين يغلب عليها الطابع الشعري—يستذكر بدايته الفنية في معرض "الثورة" الذي أُقيم في قاعات النادي الأولمبي بالأعظمية ببغداد في 20 أيلول/سبتمبر 1958:

"كانت أول مشاركة لي مع فنانين وأساتذة فن عراقيين بارزين، بعد شهرين من الأحداث التي أطاحت بالنظام الملكي. ما شهدته في ذلك اليوم وما تبعه من أحداث دموية رفعت الغطاء عما يختبئ في النفس البشرية من روح الانتقام والشر، وقد أدركت مبكراً أن الفن لم ولن يكون للمتعة، بل هو أهم وسائل التعبير الإنساني في التحريض على البحث في معنى الوجود وغايته."

وعبر مسيرته المهنية والفنية والإنسانية، ما يزال الدكتور علاء بشير يبحث عن معنى الوجود ومعاناة الإنسان بين بُعدَي الزمان والمكان. كان معرضه النحتي "أفكار من تراب" في بغداد خلال التسعينيات بمثابة نبوءة لما آل إليه مصير الفرد العراقي الراضخ حينها تحت وطأة الجوع والتهميش وهيمنة الاستبداد. وقد بشّر الروائي والناقد جبرا إبراهيم جبرا بعلاء بشير النحات وقتها، مؤكداً أنه اجترح معجزة في النحت العراقي فرَضت النظر إليه بعين مغايرة.



لاقى ذلك المعرض صدى واسعاً بين الجمهور والعراقيين؛ لأن موضوعه لامَس الإنسان المحاصر والمسحوق بين الجدران، كإنعكاس بيّن للوضع المأساوي خلال الحصار الاقتصادي الذي استمر ثلاثة عشر عاماً وانتهى بالاحتلال الأمريكي.

وحين ذكّرتُ الدكتور علاء بذلك المعرض وسألته عما إذا كان قد تعرض لمضايقات السلطة لجرأة أفكار منحوتاته ووضوحها، قال:

"نعم، تعرضت للمضايقة ووصلت الشكوى إلى رأس السلطة، الرئيس السابق صدام حسين. وبحكم قربي الطبي منه، قال لهم: دعوا الدكتور علاء يرسم وينحت ما يريد، فهو خير من يمثل الفن العراقي."

يتضمن معرضه الأخير المعنون "ذاكرة مشفرة"، والذي أُقيم في غالييري "ديفرنت" في قلب العاصمة البريطانية، خمس عشرة لوحة زيتية أُنجزت خلال السنوات العشر الأخيرة وحملت عناوين شاعرية مثل (المسير في الزمن، ذاكرة المفاتيح، بعد فوات الأوان، افتداء، وهم الظلال). وعن ثيمة هذا المعرض، يقول علاء بشير:

"ظل الإنسان دائماً هو الموضوع الأساس لأعمالي، لكن تناولي له تحوّل عبر الزمن بتطوّر وعيي الفني والمهني. في بداياتي كنت أرسم بالأسلوب الواقعي، وما إن شهدتُ الأحداث الدموية بعد عام 1958 وأنا شاب يافع، حتى بدأت أتلاءل: كيف يتحول الإنسان العادي من ضحية إلى قاتل؟ وكيف تتبادل الأدوار داخل النفس الواحدة بهذه السرعة؟



قادتني هذه التساؤلات إلى سبر أغوار النفس عبر القراءة واجتراح ثيمات غير معروفة في الفن العراقي وقتها، حتى وصل أسلوبي إلى ما هو عليه الآن. يصفه بعض النقاد بالسريالي أو ما بعد الواقعي، لكن رؤيتي تستند إلى تاريخ وثقافة ضاربة بجذورها في حضارات الرافدين القديمة؛ حيث لم يكن الفن للتزيين أو التسلية، بل للدعوة إلى التفكر والتأمل في علاقة الإنسان بالوجود والموت والحب والكوارث. أنا أؤمن بقدرة الفن على تغيير الحياة، وما المعرض إلا تعبير عن مفهومي الشخصي للفن."

الغراب.. العلامة الفارقة

سؤال: ثيمة الغراب لا تزال تتجسد في أعمالك، وفي هذا المعرض تظهر في أكثر من لوحة، سواء بشكل منفرد كما في لوحة (أثر الزمن)، أو كعنصر ضمن التكوين كما في (الهروب من الذاكرة). هل يُعدّ الغراب العلامة الفنية الفارقة لعلاء بشير؟

جواب: "كرم الله الغراب ليكون أول معلم للإنسان، والشاهد الوحيد على أول جريمة يرتكبها بشر، وهي الواقعة التي تعلم منها الإنسان معنى الخير والشر والصبر والندم. فالغراب ليس رمزاً للشؤم بقدر ما هو شاهد على الخراب ورمز للحكمة، ولعل استلهامي الفني له بوجوده الفلسفي يُعدّ تجربة خاصة في أعمالي."

كوابيس وموروث

لوحات علاء بشير في هذا المعرض لا تقدم إجابات جاهزة أو تفسيراً أحادياً؛ فما إن تمسك بمعنًى خفي داخل أجوائها حتى يتبدى لك معنى آخر أكثر إقلاقاً. غالباً ما نرى هيئة بشرية مشوهة أو متكورة على ذاتها، كما في لوحة (تصور الظلال/2018)، حيث تجلس هيئة أنثوية متكورة في سطح أحمر كأنه بركة دم، وتسيل ملامح الوجه على الركبتين المثنيتين بينما تنزّ من كتفها نملة كما تنزّ نافذة من جدار. وعن هذه اللوحة تحديداً يقول:

"بينما كنتُ أشارف على إتمامها، حلمتُ بهذه النملة وهي تطل من الكتف، وحين استيقظتُ أضفتها كما رأيتها في الحلم تماماً."

سؤال: هل يعني هذا أنك تستلهم أحلامك—أو كوابيسك—في أعمالك؟

جواب: "أنا مولع بالرموز سواء على المستوى الشخصي أو من خلال الوقائع التي أشاهدها. وبحكم عملي كطبيب وجراح، كنتُ شاهداً على الموت والتشوه الذي يصيب الإنسان بفعل الحروب، ولا بد أن هذا التماس المباشر مع ألم الجسد قد ترك أثره العميق في لوحاتي."



يبرز أيضاً استلهام واضح للموروث الديني والشعبي في بعض اللوحات؛ كما في لوحة (تحت الرمال) حيث يظهر حصان منكس الرأس يحمل بين فكيه سيفاً تتطاير من مقبضه أشرطة حمراء، أو لوحة (افتداء) التي تتوسط أفقها تفاحة مشطورة تسيل منها قطرات دلالةً على السلالة البشرية الناشئة عن تلك الخطيئة الأولى.

ورغم الأسلوب السريالي الواضح، تراوحت الألوان بين الأسود والبني المعتم، والإحمر المشرق والأزرق الصافي. وعلى الرغم من حيوية اللون في بعض المساحات، إلا أن النظرة الوجودية والوحدة التي تكتنف مصير الإنسان تتسيد أعمال علاء بشير—وهي ثيمة يبدو أنها ستظل شاخصة في تجاربه القادمة.



نشر هذا الحوار في صحيفة الشرق الأوسط

الاثنين، 27 يوليو 2026

من تجلس عارية مع عقدها


 من تجلس عارية مع عقدها/ أميديو مودلياني 1917

هذه ليست مجرد تحفة فنية في تاريخ الحداثة، بل ان ظروف عرضها التاريخية الأولى تمثل واحدة من أشهر الفضائح في تاريخ الفن الحديث، والتي أدت إلى تدخل الشرطة الفرنسية مباشرة لإغلاق المعرض التي عُرضت فيه. حيث عُرضت هذه اللوحة في أول معرض فردي لموديلياني بباريس عام 1917، لكن الشرطة أغلقت المعرض فوراً وصادرت اللوحة بتهمة (خدش الحياء) بسبب واقعية الجسد ووجود العقد البسيط الذي نزع عن المرأة الطابع الأسطوري الكلاسيكي. يمثل هذا العمل ذروة أسلوب موديلياني في استطالة الخطوط واستلهام النحت الأفريقي والأقنعة البدائية.

تتميز هذه اللوحة بـالألوان الترابية الدافئة التي تمنح الجسد حضوراً ناتئاً يشبه المنحوتة المرمرية. وكذلك العيون اللوزية المصمتة والتي تفتقر إلى البؤبؤ، ممّا يحول النظرة من مراقبة العالم الخارجي إلى ارتداد داخلي نحو عزلة عميقة، فضلا عن التوازن الهندسي والتناغم الدقيق بين انحناءات الجسد والخطوط الأفقية للخلفية.

كانت واقعية موديلياني الحداثية، وتصويره للجسد ككائن حقيقي ملموس وليس كآلهة أولمبية مجردة، هي الصدمة التي لم يتحملها الفضاء العام.
فالمرأة في اللوحة لا تبدو مستسلمة أو خجولة، بل تجلس بثقة وثبات، ترخي ذراعها، وتضع عقداً بسيطاً حول عنقها. هذا العقد تحديداً نزع عن اللوحة أي طابع أسطوري أو سياق تاريخي، وجعلها تبدو كـامرأة باريسية عادية تخلع ملابسها في غرفة، وهو ما اعتبره مجتمع ١٩١٧ تحريضاً وإباحية، بينما يراه النقاد اليوم قمة التحرر الإستيتيقي وتأكيداً على بشرية وحداثة النموذج
المفارقة أن اللوحة التي أغلقت الشرطة الفرنسية معرضاً بسببها عام 1917 بتهمة "الابتذال"، عرضت في قاعات سوذبيز لندن في ربيع 2026 كأحد أثمن الكنوز البصرية حيث تسابق المتاحف وجامعو الفن الكبار على تأمل خطوطها المنحوتة التي غيرت مفهوم "الجسد" في القرن العشرين. بيعت اللوحة
بمبلغ يقارب ٥٠ مليون جنيه استرليني.