الأحد، 13 يوليو 2014

ميريت اوبنيام


 السوريالية المجهولة 






لم تترافق حركة فنية في التاريخ الحديث كما ترافقت السوريالية مع المشاعر المظلمة والمزاج السوداوي واللاوعي المثخن بغرائبيته وكوابيسه، والكثيرون في بداية نشأة هذه الحركة، إستشعروا التهديد وعدم الراحة  للاهداف المبلبة والمشوشة كما ان الحلقات الأكاديمية والنقاد إعتبروها فكاهة، ورفضوا أن يعيروها إهتمامهم، وقُوبِلتْ باستمرار ببعضٍ من السخرية، كانت تصدر دائماً عن أشخاصٍ غرباء عن الفن.. لكنها في النهاية نَمتْ وتبوأتْ مكانتها الحقيقية باعتبارها أشد حركات الفكر والفن، ضرورةً وحداثةً وتجديداً، وذلك بسبب ارتباطها الدقيق بالشيوعية، من جهة، وبالقضايا الروحية للانسان المعاصر من جهة ثانية.                                      

وقد افرزتْ السوريالية الكثير من الشعراء والفنانين لكننا نكاد لا نعرف شيئا عن رائداتها من الفنانات، وقليلا ما سُلط الضوء او النقد عليهن، بسبب هيمنة صوت الرجل وما أحدثه من جلبة في المشهد الثقافي الباريسي الذي رافق نشوء هذه الحركة.
ولعل ميريت ابونيام هي الصورة الاكثر وضوحاً في سوريالية الانثى، وواحدة من أبرز شخصيات القرن العشرين الفنية السويسرية، ولدت ابونيام في برلين 1913 وتوفيت في بازل بسويسرا علم 1985. ترعرعت في جنوب المانيا حيث إمتلك والدها الطبيب عيادة ريفية. تزوجت عمتها من هرمان هسه الروائي الشهير، وجدتها لامها، التي تربّت في كنفها، روائية معروفة وكاتبة قصص للأطفال ومن الناشطات الاوائل في الدفاع عن حقوق المرأة في سويسرا. وقد أُعجبت الفتاة بجدتها أيما إعجاب وقررت في وقت مبكر عدم الزواج او على الاقل إرجاء الزواج الى وقت متقدم من حياتها. في طفولتها كانت ترسم في الكنيسة أثناء القداس وتخفي دفتر رسمها داخل كتاب التراتيل، وفي عمر السادسة عشر، رسمت اولى رسوماتها السوريالية الفطرية بعد رؤيتها لمعرض فني بوهيمي إقيم في بازل، وسرعان ما تركت الدراسة وبدأت تختلط باوساط الفنانين واشتغلت في التخطيطات التي امتازت بروح دعابة وسخرية. رحلت الى باريس بعمر الثامنة عشر بحثاً عن مناخ أكثر خصوبة لافكارها ونزقها وانخرطت في دراسة الفن في احدى أكاديميات باريس الفنية، لكنها سرعان ما شعرت بالضجر مجدداً من الدراسة الاكاديمية وأنفقت وقتها بدل ذلك في مقاهي باريس ومعارضها الفنية وكتبت اولى قصائدها في مقهى (ذه دومب) حيث قابلت جياكوموتي عام 1933 . 



 ومن خلال (جياكومويتي) تعرفت على (هانس آراب وماكس إرنست) حيث أصبح (جياكوميتي وآرب) معلمين ومرشدين لها، في حين صار (إرنست ومان راي) من عشاقها وانتشرت صورها الفوتغرافية/ الإيروتيكية التي إلتقطها الفنان (مان راي/ المصور الفوتوغرافي السوريالي) وأسهمت في إضفاء إسطورة فنية لاحقة على إسمها، وسرعان ما إنخرطت في الحركة السوريالية، حين شجعها جياكوميتي الذي اشتغل في نحت الاثاث والتحف الفنية، على صنع مجسمها السوريالي الاول، قطعة صغيرة منحوتة على شكل أُذن تسمى اذن جياكوميتي 1933. تلقت بعدها أول دعوة من (جياكوميتي وهانس آرب) للمشاركة في المعرض السوريالي في السنة ذاتها، وأصبحت من المواظبين على المشاركة في المعارض واللقاءات التي جمعت رواد السوريالية.                                                                                                                        
لكن ميريت ابونيام كانت تضجر من التصنيف، هي التي عنونت لوحاتها باكثر من لغة كي توحي للمتلقين بأنها لا تنتمي لبلد محدد أو لغة ما، شعرت إنها لن تكون ذاتها لو صُنِفت ضمن مدرسة معينة، لم يكن يعنيها أن يُسجل إسمها بين رواد السرويالية، كانت تبحث عن ذاتها فقط وعبر كل أشكال التعبير الفني والشعري، لقد رسمت وجَمعتْ التحف وأبدعتْ في نحت الأعمال الفنية المركبة التي تجمع بين النقائض بشكل مدهش وكتبت الاغاني والقصائد واشتغلت كموديل للمصورين والفنانين أيضا، لقد آمنت بشدة باحلامها التي دونتها منذ سن الرابعة عشر، بتأثير من والدها الطبيب الذي قربها لنظريات التعمق النفسي وتحديداً لنظرية ( كارل يونغ). لذلك اعتمدت لاحقاً على خزينها الذاتي اللاوعي ورموزه، في الخلق الشعري والفني، وإبتعدت عن وعيّها التام وعرفت كيف تجعل من أعمالها صدى لاحلامها  النابعة من إرثها الفني، وهي اللغة الوحيدة التي أجادتها عبر فنها وقصائدها.   

     
     ولعل ميريت ابونيام أبرز من ساهم في رسم ملامح (الانثى/السوريالية) لعدة اسباب: روحها الطليقة وسلوكها الغرائبي، خيالها المبحر بعيداً بلا شاطئ وحلمها الذي يمارس سطوته القصوى في أعمالها الفنية وربما جمالها وشبابها، هذه المميزات خلقت منها، نموذج المرأة السوريالية المزدانة بالجمال والاستقلالية والحرية والابداع. ورغم هذه الهالة الخارجية لكنها واجهت الكثير من العوائق والحيرة والتساؤل المتواصل عن معنى الحياة والفن، في مسيرة بحثها  الطويلة عن اسلوب تتفرد به للوصول الى النضج الفني.         
و(كوب الفرو/عملها الاشهر) هو عمل نحتي مكون من كوب للشاي مع صحنه وملعقته ومغطى بفرو ماخوذ من غزال صيني، وهو احد مقتنيات معرض الفن الحديث في نيويورك، أصبح العلامة الفنية لميريت ابونيام، ليس لغرائبيه المدهشة فقط بل لانه يوحي للمتلقي بضرورة إختبار شيئاً مشعراً ويقبع عميقاً في شاطئ المخيلة البعيد. وهو من جهة اخرى، عمل يستدعي بعض الذعر والخشية، كأنه وجبة إفطار ملطخة بقطرات الدم، وميريت ابونيام في هذا العمل، تحاذي ثقافة مهوسّة بالغذاء والعنف والجنس.                                                      
  أعمالها التي اخذت حيزها من هياج السوريالية الاولى، أعتمدت دائما على اشياء يومية صغيرة لكنها معزولة عن غرضها ومحتواها فهي، ومثل بقية السورياليين مولعة بتحويل مقتنيات الحياة اليومية الى اعمال فنية غريبة: خواتم ملفوفة بجلد الثعابين، قلادة تتكون من سلسلة من العظام الصغيرة، قبعة على هيئة رأس كلب بفك مفتوح ولسان يسيل منه اللعاب، كما انها من جانب آخر، ركزت على جنسانية الانثى ورحلة اكتشافها من قبل الرجل. اصالتها وجرأتها جعلتها - وبلا إرادة منها - من رواد السوريالية، هي التي آمنت بقوة الحلم العظيمة وبالحركة النزيهة للفكرة.  ميريت ابونيام أعادت إكتشاف العلاقة بين المدنية والطبيعة، الرجال والنساء، الليل والنهار والحلم والواقع. وكل اعمالها هي نتاج مخيلة غنية وحاذقة في مزج الاشياء والافكار لكن النقاد غالبا ما يقيسون ابداع إمراة فنانة بغيرها من الرجال، وترجح كفة الرجال غالبا. 
                                       
     
  ارتبطت اعمال هذه الفنانة أيضاً بالحركة الدادائية وما تميزت به من خفة الدم والفكاهة الحاذقة التي تشكل الهيئة الخارجية لاعمالها والتي غالبا ما يكون لها جذور في لاوعيها. ثمة روح ادبية خالصة قد سكنت ميريت ابونيام وعبر كل الاشكال الفنية التي إنبرت لها  باحثة بلا هوادة عن مهاوي الحلم، شاردة في تجوال أبدي بين الذات والآخر، يقظة على الدوام لهمهمات الوجود، فهي لعقود قد رسمت بإلهام من منابعها الذاتية، من احلامها  وافكارها وحتى من سخريتها كما انها تناولت مسالة التمييز الجنسي بين المرأة والرجل، وآمنت بقوة ان الفن بلا جنس ولا يعرف التمييز بين الانثى او الرجل. هذه الفنانة، هي أول من ادخل تقنيات الملتي ميديا في الاعمال الفنية، الجانب الاخر لتنوع انتاجها الفني، عدم وجود إسلوب معين أو مدرسة أو موعظة سوى حلمها واخلاصها لذاتها.                                                                                                       
  في منتصف الخمسينات استعادت ثقتها بنفسها وبفنها وبهدوء بدأت مرحلة جديدة ومختلفة في انتاجها الفني، من خلال إقامة المعارض الفردية والمشتركة في عدد من المدن الأوربية، وعند نهاية حقبة الستينات وبعد فتور علاقتها بالسوريالية (بعد موت اندريه بريتون عام 1964)، كان هناك اعادة اكتشاف وتسليط ضوء جديد على اعمالها الفنية. تصف ميريت ابونيام نفسها كأنها مقياس ريختر للزلازل لكنها بدل ان تقيس إهتزازات الارض تقيس إهتزازاتها المتجذرة في الماضي والمستقبل لفضاء روحها، والتي تبقي ممر العبور نحو اللاوعي مفتوحا لها دائما، لقد كافحت من اجل خلق موازنة ووحدة أبدية لكينونتها وإرتباطها بالآخر، إمراة روحانية ورجل روحاني، هذا التوازن الذي انعكس حتى على مظهرها الخارجي وأحلامها في سنوات شيخوختها. لقد دَعتْ الى إعادة الاعتبار للانثى القديمة أم العالم، للوصول الى الإنسانية الناضجة، بعد أن تدنت مميزات الانثى، في ظل النظام الابوي، وحُطَ من قيمتها وتحولت الانثى الى إمراة مقيدة.                                              
قضت سنوات حياتها الاخيرة بين بيرن في المانيا وبازل في سويسرا، انها امراة أفنت عمرها في الاخلاص لسوريالية ذاتها، التي مثلت لها قارة سوداء للحلم، لا تنضب.                                         

مختارات من قصائدها

فوق، هناك في تلك الحديقة
تقف ظلالي
التي تبرّد  ظهري.
في تلك الحديقة ، تقف،
تقاتل من أجل كسرة خبز
وتتصايح مثل ديكة.
أريد أن أزورهم...
اليوم،
أريد أن أحييهم...
اليوم،
وأعدّ أنوفهم.   
.................................................

لأجلك، ضدك،
أرمي كل الأحجار خلفك
وأجعل الجدران فضفاضة. 
لك،
 عليك،
لاجل المائة مُنشِد فوقك،
الحوافر تركض طليقة  السراح.
فرحة  في قوقعتي
انا اول الساكنين بها
ولتكن الجدران فضفاضة.
..........................................................................

أخيراً !
حرية !
السنارات تطير.
قوس قزح يفيض في الشوارع،
لا يطغى عليه سوى
طنين نحل عملاق بعيد
الجميع يخسر كل شئ
او يوشك على الخسران،
طفح العبث
لكن : جينيفي :
متخشبة،
تقف على رأسها
مترين فوق سطح الارض
وبدون أن تستند على ذراعيها.
أمير الألم، إبنها:
ملتف في شعرها،
نافورة صغيرة،
سأعيد:
نافورة صغيرة.
تصفر وتبكي في البعيد.
..............................................

أيها الكابتن الصدوق
أخبرني،
دُلّني على المكان
 حيث يفرش  السنونو جناحه،
 بين الغيوم.
وادي الأمواج، في شَعَرِ الآلهة،
الأضواء الخضر في الغابة.
هنا الليل،
مكانس الشر تقتل
الكوبلدس*
ما من عجلة تدور،
الظلام يتنصل من ذاته
وما من أحد يسأل،
هي قبضة في قبضة
 لا يمكن  تميّزها.


) : شخصيات متخيلة من التراث الالمانيkobolds*(
ترجمة النصوص عن الإنكليزية            

السبت، 12 يوليو 2014

دافنشي عراقي سبق عصره


المعرض الإستعادي الأول للفنان محمود صبري 



ضمن مهرجان شباك الذي تقيمه بلدية لندن سنوياً برعاية عمدتها (بوريس جونسون/Boris Johnson ) أُفتتحَ في قاعة لا كارليا ( La Galleria) وسط لندن المعرض الإستعادي الأول للفنان العراقي الرائد محمود صبري(1927_2012 ). ضم المعرض 40 عملاً من أعمال الفنان المبكرة التي إعتمد فيها على إسلوب الواقعية التعبيرية، وأعماله اللاحقة بواقعية الكم (Quantum Realism)، المسار الذي أسس له في العقود الأربعة الأخيرة من حياته.
ولد محمود صبري في بغداد عام 1927 وأنهى دراسته في العلوم الاجتماعية في بريطانيا ويُعد أحد أبرز فناني و مثقفي العراق المعاصرين حيث ساهم في وضع اللبنات الأولى للفن العراقي الحديث وعمل على تعميق المفاهيم الحديثة في الفن، إنضم الى جماعة الرواد التي أسسها الفنان فائق حسن العائد من فرنسا، وشارك في معرضها الأول الذي أقيم عام 1950  في منزل الفنان د خالد القصاب،  ويذكر الراحل محمود صبري خلال فلم وثائقي عن حياته عُرض على هامش المعرض  انه هو من إقترح أن تحمل الجماعة اسم "الرواد"، وقد تميزوا بالتعامل مع التراث الإنساني كإرث لجميع الفنانين والمثقفين . له العديد من البحوث والدراسات والمقالات الفكرية والسياسية والفنية والفلسفية وهو صاحب نظرية واقعية الكم التي تعد إسلوباً جديداً في التفكير والرسم حيث أقام معرضاً له تحت هذا العنوان في براغ  عام 1971 ونشر بيانها الاول بالإنكليزية وتعتمد واقعية الكم على علاقة وترابط اللون مع النظام الذري للعناصر الطبيعية، وتُصور العمليات  من إتحاد وتفكك ذرّي وما دونه باللون او كما يقول عنها مبتكرها (هي فن مجتمع يطلب من الفنان خيالا متحررا من الغيبية والسحر). 

برغم أن محمود صبري لم يدرس الرسم أكاديميا، إلا إنه كان شغوفا بالتعبير غير التقليدي عن أفكاره ومواقفه أزاء ما يحدث من وقائع ونقائض شهدها العراق في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لأنه آمن بالفن الثوري الطليعي الذي يقترب من وجود ومستقبل الانسان وقد عُرضتْ عدد من لوحاته التعبيرية الواقعية التي تمثل نزعته الوطنية الانسانية والتي إستلهمت الناس البسطاء وكدحهم اليومي، مثل لوحة "جنازة الشهيد" التي إستوحاها الفنان من تشييع السجين السياسي نعمان محمد صالح في بغداد عام 1951  وايضا لوحته الشهيرة "الجزائر " التي تمثل نضال الشعب الجزائري وتضحياته في سبيل نيل حريته ، وتعد بحق "الغويرنيكا العربية" في مقارنة مع اللوحة الشهيرة  لبيكاسو بأسلوب رسمها وإنشائها وألوانها، فهي تأليف معقد شكلياً بسبب النزعة الانفعالية لدى الفنان المتثملة  في ملامح شخوص هذه اللوحة. ولوحة "حامل الصليب" التي تعّبر عن محنة الشعبين الفلسطيني واللبناني ولوحة "وطني" التي يكاد المتلقي يسمع شهقة الطفل  الموشك على البكاء ويسمع دعاء الام التي ترفع رأسها الى السماء، هذه اللوحة لم يُسنح لها أن تاخذ مكانها في الجهة الخلفية من نصب الحرية وسط بغداد كما كان مقرراً.  

لوحتان ايضا بعنوان (امراة جالسة) وهما بورتريت لزوجة الفنان ويظهرها بملامح غائمة وعينين حزينتين ومظهر بالغ الصرامة.
يقول محمود صبري عن واقعيته الثورية هذه : ( لقد تطلعت دائما في فني نحو المتناقضات التي تكتنف مجتمعنا ، مستهدفا بذلك التعبير عن الثورة التي كانت تجيش في نفوس الأفراد، والتي كنت أحس بها شخصيا). الالوان في هذه المرحلة هي الوان قاتمة كما البشر ولا وجود لملامح السعادة، بالمقابل هناك ملامح تحدي وإصرار واللوحات تغص بالجموع البشرية حتى كأنما تفيض بها حدود اللوحة.
عًرضت أيضا لوحات من مرحلة واقعية الكم التي وضحها الفنان (ساطع هاشم) للزائرين: 
واقعية الكم تستلهم العناصر(اطيافها الذرية المرئية المنبعثة نتيجة إتحادها مع غيرها من العناصر) التي اكتشفها العلم وتعيد بنائها وصياغتها وفقا لقواعد العلم لا لكي تنتج مركبات صناعية مادية كما يفعل العلماء بالمختبرات ولكن لإنتاج لوحات وأعمال فنية هدفها المتعة والمعرفة على حد سواء وقد درس محمود صبري فيزياء الكم بعمق وفهم العالم والأشياء من خلالها ، وقرأ تاريخ الفن من خلال تاريخ العلم وليس بمعزل عنه كما يفعل الأدباء والفنانين التقليديين . وتسعى واقعية الكم كطريقة تفكير إلى إلغاء الحاجز بين الفن والعلم ، باعتبار أن النشاط الابداعي للإنسان متشابه في العلم أو الفن.) وخير مثال على لوحات هذه المرحلة هي لوحة (الماء H2O) حيث يمثل الفنان الاطوال الموجية اللونية لجزيئة الماء المتكونة من ذرتين من الهيدروجين وذرة اوكسجين بدقة بالغة. وكذلك لوحة "هواء" حيث يتداخل اللون الاصفر والبنفسجي بترتيب هندسي عمودي ومائل في إشارة الى عنصري النيتروجين N والاوكسجينO2 وفي زاوية اللوحة اللونية نرى الاحمر وخطين من الأزرق والأخضر في إشارة الى بخار الماء وثاني اوكسيد الكربون وبقية العناصر التي تكوّن هذه الجزيئة. 


لوحة (دراسة لحركة ذرة الهيدروجين) وهي تخطيط بالحبر على الورق تمثل شبكة خيوط رُسمتْ وشُكلّتْ، ترابطت وإنفكت بحركة مستمرة  مذهلة أثارت إعجاب المتلقين وكانت بحق بؤرة إبداع في مسار واقعية الكم.


شهد حفل افتتاح المعرض حضور الكثير من الادباء والفنانين العراقيين وأصدقاء الفنان وكذلك إبنته ياسمين التي قالت ان أباها واصل نشاطه  الفني حتى آخر ايامه بالرسم وتطوير نظريته ورؤيته لمهّمة الفن  في ضوء التطورات الجديدة التي حصلت في مجال العلوم والفيزياء، فقد كان  فكره متوقدا وظل منتجا برغم معاناته من المرض والشيخوخة.
ترافق المعرض مع عدد من المطبوعات عن الفنان ومحاضرتين بالانكليزية أحدهما للفنان (ساطع هاشم) تضمنت جولة له في المعرض ووقوف عند كل لوحة من لوحات المعرض والاجابة على اسئلة الزائرين.
ومحاضرة ثالثة بالعربية تناولت تجربة محمود صبري وعرض افلام وثائقية مسجلة له وعنه .
محمود صبري رائدٌ آخر سبق زمانه وفتح الباب لفن مختلف يستلهم العلم ويحاذيه جمالياً ومعرفياً بعد أن وصل بواقعيته الساحرة الى آفاق إبداعية ميّزته عن مجادليه وهو يقارب ليوناردو دافتشي عندما حوّل الأخير مخططات الجسد البشري والآلات الميكانيكية الى لوحات فنية . 

الجمعة، 11 يوليو 2014

العمارة الغرائبية


موطئ قدم للمباني المعتوهة خارج العالم العقلاني 



ماذا يحدث عندما يتآلف الفن والعمارة ويُترك الفنانون لخيالهم الحر وإمكانياتهم القصوى لتغييّر بنيّة ما، من الداخل والخارج؟؟

عشرة فنانين من مختلف انحاء العالم أُعطوا تفويضاً مطلقاً للتلاعب الفني والإبداعي في صالات وشرفات الهيوارد كاليري بمناسبة الذكرى الأربعين لإفتتاح هذا الكاليري المطل على نهر التيمس والمقابل لأبرز معالم لندن .
فنانون مهووسون بالبيئة المعمارية والفضاءات الواعية  التي تخاطب الذهن مثل اهتمامها بالبنية الهيكلية لهذه البيئة .
عنوان المعرض (المباني المعتوهة) مستوحى من كتاب تصوير للفنان مارتن كيبنبركر نشر في عام 1988 ، يحتوي صورا بالابيض والاسود للمباني معتوهة البناء، والمعمار الشاذ للبيوت والعمارات المهجورة والمدمرة، كأنه يعطي لهذه المباني موطئ قدم خارج عالم العمارة العقلاني.
لا يقتصر المعرض على الصالات الداخلية للكاليري بل يمتد الى الشرفات والسطوح ,المعرض ينقلك الى سلسلة من العروض الجوية والدينامكية التي تستخدم الهواء ،الضوء ،الالوان ،الرائحة و المصممة خصيصا لكي تصل بالزائر الى إستجابة كاسحة وفطرية تنمي الإنتباه والادراك الواعي للعلاقة بينه وبين البيئة المعمارية التي تحيطه.  
يستلهم هذا المعرض فكرته من المعمار المغال ، المتطرف في التقليدية لكاليري هيوارد ذاته الذي يخالف تماما ما يجب ان يكون عليه بناء كاليري يعرض الفن الحديث وهذا ما يصرح به رالف روكوف مدير الكاليري .  
ويضيف: اغلب الاعمال المعروضة تحاول القول، ان هناك طرق عديدة نتبعها ونستخدمها لوعي الفضاءات والتعامل معها.وفكرة هذا المعرض موجهة لإستكشاف العمارة  المهملة (غير الواعية) او التي لانعييها.
المساحات الحضرية التي نعيش داخلها منضبطة بشكل مفرط و المعرض تحديدا يكسر االإنضباط ويكشف المغايرة لعلاقتنا بهذه الفضاءات والمساحات .


بحيرة السقف للفنان النمساوي جيليتين:
بحيرة السقف هو عرض شيّق للفنان النمساوي جيليتن وجاء بعنوان (عادة) وهو تتابع حر وطليق في احد شرفات الكاليري -مع او بدون العنوان- للتجديف في السقف باستخدام واحد من 3 قوارب غريبة الصنع من بقايا الخشب تطفو على سطح بحيرة بعمق 4 اقدام.
ماء البحيرة في نفس مستوى سياج الشرفة الاصلي لذا سوف تشعر انك ستنقلب من الحافة الى الاسفل لكن يبدو ان ادراة الكاليري قد ضمنت لك عدم النقلاب بشرط ان تكون فوق سن 16 عام.
الفنان بنى بمهارة ملتبسة 3 قوارب عائمة ملصوقة الأجزاء ومرقعة ومسمرة من اخشاب مستصلحة وبقايا الاثاث .مقابض المجاديف أرجل لكراسي قديمة مع نهايات نحاسية للمقابض. 


نفق الحياة لإستديو (بو-هو):
استديو (بو-هو) : فنانان معماريان من اليابان  يجمعان بين فن العمارة والهندسة. عرضا نفق من الفولاذ المطلي بعنوان (نفق الحياة) وهو فضاء زاحف بخدر وتكثر فيه الزوايا الناتئة، يوصل  بين طابقين في الكاليري، وقسم اخر للمرجل ، يمتد الى الطابق العلوي من الكاليري.
عند مشي الزائر داخل النفق الذي  سيصدر اصواتا تلعلع، مثل اصوات ورش العمل الميكانيكية وتنخفض درجة الصوت كلما قارب النفق على النهاية.هذا النفق ينتهي في فضاء خاص جدا حيث تعرض الفنانة راشيل وايترد مجموعتها من بيوت الدمى المضاءة . 


قرية للفنانة راشيل وايتريد:

قرية الاشباح هذه مكونة من 250 بيتا من بيوت الدمى، معروضة في فضاء مظلم لكن كل بيت  مضاء بمصباحه الخاص . القرية عبارة عن فضاء صوري لمحيط حي سكني في الضواحي ، بيوت الدمى مرتبة في صفوف كأنها مشيّدة على سفح تل ما. مادة البناء لهذه القرية هي أقفاص شحن الامتعة ومخلفات الاخشاب والورق المقوى.
 البيوت فارغة وتوحي كما لو انها مهجورة واصغرها معلق على الحائط ،كأنها حَي في ضاحية مسكونة   بالاشباح. تقول الفنانة البريطانية: انها بدأت باقتناء هذه البيوت منذ 20 سنة ولم تعرف السبب الذي دفعها لذلك. لكن فكرة المشاركة في هذا المعرض قفزت ا لى ذهنها فجأة لما تمثله هذه البيوت من فرادة وغرابة. 




V  الفنان الكوري دو هو سو: السلم

 الفنان الكوري قد مُنِِِح له فضائين لعرض عمليه. العمل الاول في الطابق العلوي من المعرض ، سلم جميل ، رقيق الغزل ونصف شفاف من الياف حمراء مضفورة بمصابيح للإنارة .
العرض بكل تفاصيله عبارة عن شبكة حمراء تملئ فضاء القاعة  وحتى درابزين السلم قد شغل من هذه الشبكة الحمراء.
في وسط القاعة يوجد السلم المغزول الاحمر المعلق من الاعلى بسقف وهمي، السلم لايصل الى ارضية القاعة .هذا العمل هو تشكيل روحاني واعادة خلق وتجسيّد للأماكن المهملة في حياتنا( للسلم والدرابزين) في شقة الفنان نفسه. 


النجمة الساقطة للفنان دوهو سو:
العمل الثاني للفنان الكوري كان بعنوان النجمة الساقطة وهو إصطدام دار طفولة الفنان في سيئول مع شقة الفنان ذات الاربعة طوابق في نيويورك والتي يعيش فيها منذ سنوات .هذان البيتان المصطدمان مع بعض معلقين على درج بارتفاع متر ونصف. مع تفاصيل تجسد هاجس الشرق، هناك اكثر من من 2000 قطعة حطام ، كثير من اجهزة البيتين من اثاث،خزف صيني،ملابس وكتب ، اغلفة الفيدكس متروكة على طاولة غرفة الجلوس وفواتير مبعثرة على الارضية، تفاصيل ليوميات الحياة العادية في بيت ما. كل قطعة معلقة ومثبتة في مكانها الذي ارتأهُ الفنان بعناية شديدة. 


كارثة متجمدة :الفنان لويس كاربنتروس

شقة تَجمدَتْ منتصف لحظة الانفجار الذي يشبه انفجار قنبلة.
قطع جدران متطايرة،أريكة تغتسل بقطع الزجاج، فضاء مليء بكراسي مفككة، طاولات،مبردات الاطعمة،أسرة واجهزة كهربائية.إنها لحظة انفجارمتجمدة في فلم اكشن.تجميد لبرهة كارثةٍ ما. لحظة الإنفجار الوهمية هذه ، معلقة من السقف بواسطة خيوط صيد الاسماك وأسلاك معدنية رقيقة .
هذا هو عرض الفنان الكوبي لويس كاربنتروس . 
الاثاث من أبواب ودواليب وطاولات تبدو واهية جدا بحيث يُسمح  لك بالمشي حول العرض وليس من خلاله.
 غيمة الشظايا هذه اكثر عرض سوف يلتصق بذاكرتك طويلا، وهو من اصعب الاعمال المعروضة ايضا.



مرصد ، مطار المدينة:الفنان توماس ساراسينو

عرض الفنان الإرجنتيني توماس ساراسينو قبة متلئلئة نصف شفافة ،قابلة للتمدد ، القسم الخارجي من هذه القبة قزحي ويرى من بعيد و قد قلب المعمار التقليدي لكاليري هيوارد من الخارج تماما وجعله اكثر بهجة واشراقًا.
بامكان الزائر تسلق سلم خارجي والانتقال نحو الاعلى في هذا الغشاء الاسفنجي السميك والاستمتاع بالقفز في جو مفرغ  . وسادة الهواء هذه معلقة على ارتفاع 20 قدم على احدى شرفات الكاليري.
لكنها تندمج مع ارضية الكاليري في المستوى المتوسط والزائر الذي يدخل هذه الكرة العملاقة يبدو من الاسفل وكانه يمشي على الهواء .هذا العمل جزء من اسكيتشات الفنان المتخيلة في بناء مدينة عائمة في الفضاء ،أو   مدينة تتحرك من مكان لاخر مثل نفخة ريح وربما تجول العالم على ارجل عملاقة .


ضفدعة الحياة الضبابية:ارنستو نيتو
 الفنان البرازيلي ارنستو نيتو يعرض خيمة عملاقة يسمح للزائر بالمشي داخلها، تستند على اعمدة تظهر كانها عظام ديناصور،عندما يدخل الزائر هذه الخيمة  يكتشف حقائب متدلية  ومعلقة بالسقف نصف الشفاف، ملئت هذه الحقائب  بالروائح الشرقية والبهارات وجعلت الهواء يعبق بروائح  الفلفل والقرنفل وعبير المسك . الفنان يشتغل على البيئة الحسية في عمله هذا ،هذه الخيمة تخلق إثارات شُميّة غريبة، انه عمل يعتمد النحت في الرائحة.
عندما تصعد السلم كي ترى عمل الفنان الكوري تفاجئك هذه الخيمة بانها مقسمة الى قسمين بغشاء افقي فسيح.
هذا الفنان يشتغل على نحت الروائح منذ عام 1980 ضمن بيئة من الحقائب العملاقة المتدلية من  الاوركنزا وبقية المواد القابلة للتمدد.
خيمته  تحتوي الزائر كانها رحم من الروائح ، يأمل الفنان من خلال نحت الروائح  أن يغير من سلوك الناس ويجعله اكثر هدوءا وسلام من خلال إستنشاق الروائح المهدئة للاعصاب. 


 لوف كرافت: الفنان مايك نيلسونHP لذكرى
الفنان البريطاني قدم عرضه في قاعتين جاعلا من الحيطان فيهما، مجصصة ومخربشة بشكل يخيل للزائر انه في مشهد للخراب.او كأن وحش حَطّ من الفضاء، يُقَور ويقضم بقسوة مخالبه ،هذه الحيطان تاركا القاعة كانها موجة محمومة من بقايا الخشب.
عنوان العرض ماخوذ من قصة للكاتب الارجنتيني خورخي لويس بورخس .
هذا العرض كانه محاكاة ساخرة لمحاكاة ساخرة لاخرى ساخرة يقول الفنان واقفا في منتصف القاعة التي خربش حيطانها بتعمد لتظهر كما ان مخلوق غيبي قد تسبب بكل هذا الخراب.
الفنان ايضا اغلق جميع النوافذ في القاعة واستبدلها بباب واحد كبير فوق السلم وكأنه يوحي للزائر بمهرب سريع .
مع سبق الاصرار والترصد على الخراب.  سيشعر الزائر بشئ من الجنون وسط هذه العربدة المتعبة.
  




الفنان الالماني مايكل بتلر
هذا الفنان بنى مغزله العمودي على منصة شاورما دجاج عملاقة لانتاج مئات من المناديل الورقية   الملونة 
خالقا لوحة متاهة بيئية للزائر الماشي خلالها.