السبت، 25 أكتوبر 2014

فرجينيا وولف ترحب بكم

أرشيف فرجينا وولف وجماعة بلومزبري 


لم أكن أتخيل إن قامة فرجينيا وولف الفارعة تحتاج إلى عصا تستند عليها في مشوارها الأخير نحو نهر أوز(Ouse) لإسكات جنونها غير المحتمل، لكن هذه العصا هي التي دلّت ليونارد زوجها إلى المكان الذي غرقت فيه. توقفت كثيراً أمام العارضة الزجاجية التي ضَمتْ هذه العصا ورسالتيها الأخيرتين الى ليونارد وأختها فينيسا. 


العصا وغيرها الكثير من المواد الأرشيفية من صور فوتغرافية ولوحات ومذكرات ورسائل وطبعات أولى من الكتب التي صدرت عن دار نشر هوكارث الذي أسسته فرجينيا مع زوجها هو فحوى معرض (فرجينيا وولف، الفن والحياة والرؤية) في الناشونال بورتريت كالري لموسم الخريف الجاري. 

يركز المعرض أيضاً على أرشيف جماعة بلومزبري الأدبية الشهيرة الإنكليزية بداية القرن العشرين والتي ضمتْ أكاديميين وفنانين وكتاب ومفكرين وسُميت بإسم المكان الذي كانوا يلتقون به (بلومزبري) في مركز لندن حيث يتناقشون بالأمور السياسية والأدبية والفنية.
فيرجينا وولف أحد أشهر أعضاء هذه الجمعية الأدبية برواياتها الحداثوية مثل (أمواج/ 1931) و(السيدة دالاوي/1925)، الأرشيف المعروض يتناول حياتها وأدبها، صداقاتها الكثيرة هي التي كانت تلحّ: (يجب أن أكون ذات خصوصية، مجهولة كما كل المجهولين، مغمورة كي أكتب ما أريد). يتناول المعرض أيضا معاناتها الطويلة مع الإكتئاب والإنهيارات العصبية البعيدة عن الرومانسية، وتُستعرض بوفرة تفاصيل حياتها الشخصية بشكل محايد وبعيد عن نزعة تمجيد المشاهير. 
 صورٌ ولوحات لفرجينيا عبر مراحل حياتها، هناك عدد من اللوحات رسمها أعضاء جماعة بلومزبري لفيرجينا منها اللوحات المشهورة التي رسمتها أختها فينيسا بل ((Vanessa Bell و دونكان كراند (Duncan Grant) وروجر فري (Roger Fry). صور فوتغرافية وهي في أشد حالاتها ضعفًا أوفي أوج شبابها، صورٌ وهي في قمة تألقها الأدبي، وجهها الذي يَنمُ عن قلق وإبداع وشرود، قوامها الممشوق، عظام خديها، عيناها المدورتان الغائرتان كأنهما عينيّ مارد كتوم، ترحب بالزائر وتتهكم منه بنفس الوقت. 

المثير بهذا المعرض أيضاً هو الربط بين إبداع فيرجينا الأدبي والفنون البصرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. تجاربها اللونية في الوصف التي تأثرت بألوان سيزان المركزة والمعقدة رغم إنها لم تكن معجبة بعالم الفن وتجارته فقد كتبت في مذكراتها عام 1912 (الفنانون هم      متنافسون مقيتون تثيرهم المتعة البغيضة).
يستقبلك المعرض بصورة فوتغرافية كبيرة لفرجينيا بنظرة حانية ساخرة ويدٌ على الخد وبجانبها صورة فوتغرافية بذات الحجم لحطام بيتها في دافيستوك سكوير (Tavistock Square) بعد أن دُمرَ بغارة جوية عام 1940. إنشطرتْ البناية من المنتصف، بقي الموقد واللوحة التي فوقه وغرفة الجلوس في الطابق الأعلى مرئية من الشارع، كتبتْ في مذكراتها: (الأنقاض تغطي المكان الذي كتبتُ فيه روايات كثيرة، الغرفة التي سهرنا بها مع أصدقاء كثر مكشوفة للهواء).



ولدت فرجينيا لعائلة عريقة مثقفة عام 1882. العائلة ضمت سبع أخوة وأخوات حيث كان والداها أرملين قبل زواجهما. أبوها الكاتب ليزلي ستيفنس لذلك كان بيتهم مزاراً للعديد من مشاهير الأدب في ذلك الوقت الذين لم يغفلهم هذا المعرض فهناك صوراً فوتغرافية  بكاميرا خالة فرجينيا (جوليا ماركريت كامرون) لتشارلز دارون  وروبرت برواننغ وألفريد تينسون كلهم بلحى ويبدو عليهم تقشف ما كأنهم ينوؤن بحمل عبقرياتهم، كتبت فرجينيا في صورة من الماضي 1939 (العظمة تبدو لي ملكة إيجابية غريبة الأطوار تزدهر بالعزلة، شئ ما أُقادُ له بإخلاص من قبل والديّ، بل العظمة وجود مجسد، كائن حي موجود في بعض الأشخاص).
ستسير فرجينيا نحو إبداعها دائما، خاصة إختيارها لموتها بطريقة عظيمة منقطعة النظير. إختلافها الوحيد عن عظماء وقتها إنها كانت إمرأة في وقت كانت العبقرية والإبداع والتعليم إمتيازات رجولية. كَتبتْ في غرفة تخص المرء وحده وهي من مقالاتها التي تدافع بها عن حقوق المرأة الكاتبة ( إقفلْ مكتبتك لو شئتْ، لكن لا يمكنك أن تضع باباً أو قفلاً أو مزلاجاً  على عقلي الحر).

صورة فوتغرافية بكاميرا فينيسا أختها، تُظهرْ الأبوين جالسين يقرآن في منزل عطلتهما عام 1893 في سانت أيفز خلفهما في الجهة اليمنى تظهر فرجينيا ذات الأحد عشر عاماً تحدق بعينين دائرتين مستسلمتين كأنها شبح تسترق النظر وذقنها مقعر بيدها. سوف تموت أمها بعد هذه الصورة بسنتين، هذا الفقدان المبكر أصابها بإول إنهيار عصبي وهي بعمر الثالثة عشر، وستختبر إنهياراً أكثر حدة بعد وفاة والدها عام 1904. بعد ذلك ستسكن العائلة منطقة بلومزبري وستتكون الجماعة الأدبية التي تحمل ذات الإسم عام1906.   
عُرضتْ أيضاً عدد من الرسائل العاطفية مثل رسالة الكاتب الإنكليزي ليتون ستارَجي( Lytton Strachey ) أحد مؤسسي جماعة بلومزبري لأخيه جيمس 1909 ( تقدمتُ لخطبة فيرجينيا، كما تتخيل كانت لحظة حرجة خصوصاً إدراكي إن الأمر مقزز بمجمله، فيرجينا كانت مذهلة بحدسها ولحسن الحظ إنها رفضت طلبي)، كتب ستارجي بعد ذلك إلى صديقه ليونارد وولف (أنت من يستحقها، تزوجها أنت).
كان ستارجي مثليّ الجنس رغم إنه إرتبط بالرسامة دورا كارنكتون (Dora Carrington)، كتبت فرجينيا عنهما في مذكراتها بعد وفاة ستارجي ( أعتقد إن تأثير ستارجي عليها سحبها لدوامة الجنون )، وصدقت نبوءة فرجينيا فقد إنتحرت كارنكتون بعد شهرين من وفاته.
فوتغراف لزواج فيرجينيا وليونارد 1912. وصورة فوتغرافية أخرى للكاتبة الأرستقراطية فيتا ساكفل- ويست (Vita Sackville-West) تزين عنقها قلادة لؤلؤ وترتدي قبعة بنية وسيكارة بين أصبعيها، فيتا صديقة فرجينيا وعشيقتها فيما بعد، كتبت لها فرجينيا أثناء رحلتها الى ايران عام 1926(أنظري فيتا، إتركي الرجل الذي معك وتعالي نذهب الى هامبتون كورت، نتناول غدائنا معا على ضفة النهر ونسير في الحديقة ليلاً في ضوء القمر ونعود الى المنزل في وقت متاخر، نشرب النبيذ ونثمل وسوف أقول لك ملايين الأشياء في رأسي، لا أبوح بها في النهار، في الليل فقط وعلى ضفة النهر أبوح بها، فكري بهذا، أقول لك أتركي رجلك وتعالي). 

رسالتها الأخيرة إلى أختها فينيسا التي كتبت فيها(أشعر انني قد ذهبتُ بعيداً جداً هذه المرة ويصعب عليّ العودة)، ورغم إنها حاولت الإنتحار قبل ذلك في شبابها مما إضطرها للعيش في المصحات والتشبث بمخالب عقلها لتحقيق إبداع أدبي متميز، إنتحرتْ فيرجينيا عام 1941عن عمر 59 عاماً وكتبت فينيسا بعد إنتحارها(على الاقل يمكننا أن نشعر بالسعادة لأنها لم تمت من المحاولة الإولى، 
كانت مواهبها ستتبدد نهائياً).

نشر المقال في صحيفة الشرق الاوسط     

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

عن مدينة سانت ألبانس في مقاطعة هارتفوردشير


 ميزان لموظفي الدولة  





كثيراً ما أزور مدينة سانت ألبانس الهادئة الوديعة خاصةً في الأيام المشرقة الصيفية وأحضر مناسباتها من حفلات موسيقية في كاتدرائيتها الكبيرة إلى الإحتفال المحلي الذي يُقام في شهر حزيران من كل عام حيث يلبس الأهالي الملابس التقليدية ويتمثلون قصة وتضحية القديس الشهيد الذي يرقد في كاتدرائية المدينة الشهيرة وهذا الإحتفال يذكرني كثيرا بتمثيل قصة الحسين الشهيد في شوراع المدن الجنوبية العراقية في محرم أو ما يسمى ب(التشابيه). تقع سانت ألبانس جنوب مقاطعة هارتفوردشاير جنوب شرق بريطانيا وتبعد حوالي 19 ميل عن لندن، سميت المدينة تيمناً بأول شهيد مسيحي قُطع رأسه في هذه البقعة من إنكلترا بحدود 308 بعد الميلاد بأمر من الأمبراطور الروماني ديقلديانوس الذي بطش بالمسحيين أينما كانوا لكن بطشه إنصب على الأقباط خاصة. ولهذه المدينة تاريخ تجاري وديني قديم فقد كانت ثاني أكبر مدن بريطانيا الرومانية بعد لندنيوم (لندن) وكانت تسمى فيرولوميوم . 


يوجد في سانت ألبانس أحد أهم الأديرة في بريطانيا حيث يقصدها الزوار والحجاج على مدار العام، وتعبيراً عن أهمية هذه المدينة دينياً فقد نُسِختْ فيها أول مسودة للمغنا كارتا ( وهي أول وثيقة للحفاظ على الحريات العامة وللحد من سلطة الملك، فُرضت على الملك جون 1215 م من قبل بارونات إنكلترا) . 




تشتهر المدينة أيضا بآثار جدارها الروماني وبمنحوتات وتماثيل كاتدرائيتها المزينة بالموزائيك من العصر الروماني وكذلك ببحيرتها والحقول الخضراء التي تحيطها وبأنواع مختلفة من الطيور التي تتخذ من البحيرة والحقول ملاذاً لها وتشتهر أيضاً بفنادقها وحاناتها الكثيرة والتي يعود بعضها الى حقبة التيودر( Tudor).
لكن أجمل هذه إحتفالات المدينة قاطبة هو الإحتفال بتنصيب عمدة جديد، حيث يتم تسجيل وزن العمدة القديم أولا وإحتساب الفرق بين وزنه بداية تسلمه لمنصبه ووزنه بعد تسليمه المنصب لخلفه العمدة الجديد وهو تقليد قديم ورثته المدينة ولازالت تحتفظ به، حيث يضعون العمدة في ميزان كبير ويحسب وزنه بالكيلوغرامات الحديدية وبعد إنتهاء فترة خدمته يتم إعادة وزنه من جديد أمام الناس وفي إحتفال علني، ولذلك لقياس مدى ثرائه وزيادة وزنه خلال فترة شغله لمنصبه. قد تبدو هذه التقاليد مضحكة في الوقت الراهن لكنها كانت مجدية في القرنين الثامن والتاسع عشر، ولازالت مدينة سانت ألبانس تمارس هذا التقليد في تعيين العمدة كنوع من الإلتزام والوفاء لتقاليد محلية يشتهر الإنكليز بالحفاظ عليها .


ما أدهشني حقا هو حجم مشاركة الناس في هذه المراسيم لمعرفة نزاهة وكفاءة العمدة أمام أبناء بلدته، ولأني مصابة بداء المقارنة بين أوضاعنا المزرية في أوطاننا كان يطنّ في ذهني سؤال ملحّ : متى سيأتي يوم نحاسب فيه بشكلٍ علني  موظفي الخدمة العامة في بلداننا من رئيس الوزراء الى المدير العام، ليس على أجسامهم وكروشهم المتهدلة فقط وليس بطريقة ميزان أهل مدينة سانت ألبانس، بل على الملايين المهدورة والعقارات والأموال المسروقة بشكل علني فاضح ووقح؟ 
 الجرائم لا تموت بالتقادم، وجرائم سرقة المال العام توازي جرائم الإبادة الشاملة، فكم من مدرسة كانت ستُبنى لتحمي الأطفال بالعلم والمعرفة من تخلف وترد وإنحطاط وتطرف وكم من مشفى كانت ستنقذ أرواح المرضى وكم من مؤسسة علمية أو حديقة عامة أو ملعب أو دار سينما وكم وكم....؟
متى سَيُجْبَرْ المسؤول على الإفصاح عن ممتلكاته الشخصية وممتلكات أسرته، قبل توليه منصبه في الدولة ويُفصح أيضاً عن حجم ممتلكاته بعد إنقضاء مدة تكليفه بمهمته سواءً الأدراية أو السياسية، متى سيخشى المسؤول من المواطن أو على الأقل يستحي منه وليس العكس في دولنا الكارثية ؟ 

الأحد، 10 أغسطس 2014

جيري جودا وخراب بابل


جيري جودا وخراب بابل 

يتجلى دور الفنان المعاصر في إعادة خلق وعكس مشاهد وتأثيرات الحياة والكون من حولنا، والفنان ربما يختار الإحتفاء بالجمال (من وجهة نظره) بطريقة تصويرية أو تجرديدية او بتأثير من موروثه الديني أو الإجتماعي، وبالتالي يشارك المتلقي يومياته المرئية والمصورة وإستغراقاته وهوسه الملون بحساسيته الشخصية تجاه الموضوعات المختلفة، أو ربما يختار التعبير عن الوعي الجمعي لمجتمعه الخاص أو الإنساني. ومن جانب آخر يعيد المتلقي إكشاف ذاته القلقة من خلال الفن الحقيقي .
ولوحات جيري جودا هي إستجابة مباشرة للصراعات حول العالم وتأثير العنف المروع  بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية، وفي نفس الوقت هذه اللوحات تدعونا الى التساؤل: متى يكف الرسم أن يكون رسماً ؟ وكيف تخرج اللوحة عن إطارها رغم إنها ما زالت ملعقة على حائط ما؟ أليست اللوحة هي التي "تخاطب" دون أن تقول شيئا؟ إذا كان هذا هو مشروعها فحتماً ستكون في رتبة أعلى من الكلام.

حروب الشرق الأوسط
 ويبدو إن لوحات  جيري جودا تجيب على هذه الأسئلة، حين تتوسط  منطقة ما بين الرسم والنحت، وحينما ينشغل الفنان ذاته بالأحداث المروعة وبالتغيير الذي يطرأ على البيئة الحضرية أثناء وبعد النزاعات والحروب، وهذا التوسط يترجرج في أحيان كثيرة، بتناغم  مع الكوارث ذاتها. رسومات جيري جودا تستكشف ديناميكية البناء والتدمير ومحنة الحيرة والذهول إزاء العنف الذي بدا كعملاق شاحبٍ يهيمن علي الكتل الرمادية البيضاء المستوحاة من مخلفات الحروب الداكنة، حتي عندما يطغي لون آخر علي بعض اللوحات فأن فجوة كونية تهيمن داخل اللوحة كما في خرائط الفضاء والفللك، من الصعب تقييم أعمال جيري جودا بمعزل عن تجليات الحروب في منطقة الشرق الاوسط ، العراق وسوريا أو غزة . كما أن أصداء الكوارث الناجمة عن التغييرات  
  المناخية والأعاصير أو الفيضانات وحرائق الغابات تتردد في لوحاته أيضا


   جيري جودا المولود في كلكتا عام 1951 والذي ينحدر من إصول عراقية (هاجر جده من بغداد ليسكن  منطقة ليهود العراق في الهند)، وترعرع هو في البنغال الغربية قبل أن تهاجر عائلته الى لندن. بريطانيا ما بعد الحرب الثانية ولندن تحديداً، شكّلت  صدمة الخراب الاولى لجودا الذي قضي وقته بإستعادة ذكرياته عن الهند ومناظرها الطبيعة والهندسة الزخرفية للمعابد الهندوسية والبوذية واليهودية والجوامع وتأثيرات الشعائر الممسرحة التي تقام في الاماكن الدينية، ونميّ مخيلته المعمارية بإعادة رسم هذه المعالم  بقلم الرصاص والفحم. درس الفن في كلية بارنت للفنون شمال لندن (1970_1972 ) قبل أن يحصل على درجة الشرف من كلية الفنون الجميلة (كولد سميث كولج 1972_1975 ) وبعدها درس النحت في كلية لندن الجامعة (1975_1977 ). إفتتح مشغله الخاص في (ويست إند) في لندن وبدأ في نحت الاعمال الضخمة،  ولكي يدعم مشروعه مادياً، عمل في المسرح كمصمم للمشاهد والديكورات وإشتغل لعدة مسارح مهمة في العاصمة البريطانية منها مسرح شكسبير والمسرح الملكي الوطني .وقد وظف المسرح كساحة بصرية لعرض أعماله الفنية وحقق نجاحاً طيباً في التصاميم المبتكرة للمسارح والأفلام والبرامج التلفزيونية والمتاحف. إبتكر عدة تصاميم لمحطة البي بي سي وللقناة الرابعة البريطانية والمتحف البريطاني وإشتغل في التصاميم المسرحية لعدد من المطربين منهم بول ماكارثي ومايكل جاكسون. صمم عدد من الجسور في مدينة لندن وكامبريج. ينصب إهتمام الفنان في الوقت الحاضر على النحت المتداخل مع الرسم والذي يعكس تفكيره ومشاعره تجاه الأحداث التاريخية القريبة وقد أبدع سلسلة من اللوحات الكبيرة الثلاثية الأبعاد التي تغور عميقاً لاستكشاف تأثيرات الحروب والتخريب الذي يتسبب به الانسان على سطح هذا الكوكب . عُرضتْ لوحاته في معارض شخصية عديدة منها في التمبر يارد في لندن 2005، وفي كاليري إنجلز وفي المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين 2006. 


 معرضه الأخير والمعنون (بابل) في كالري فلورز في شرق لندن، تفاجأك لوحات كبيرة معلقة أسفل الحائط لكنها تبنى من الحائط ايضا، تبدو غريبة او تسلك طريق الغرابة حين ننظر اليها من فوق، بعين طائر أو يعسوب، حيث غالباً ما تستقر هذه اللوحات في الجزء الاسفل من الحائط القريب للأرض وغالبا ما تحتوي على مشاهد مرعبة تثير الدوار.
تكوينات من الجنفاص تبدو كأنها تُمسكْ بسطح اللوحة بسحر او بمعجزة ما، وتعرض علينا منطقة متشظية ومتهالكة من مخلفات المجمعات السكنية التي طُحنتْ وأُزيلتْ عن الوجود بفعل القنابل والصواريخ، عبر قطع فنية مائلة ومترنحة بمختلف الاتجاهات. هوائيات وأعمدة معدنية كأنها نتوءات متورمة في فرقاطة ذات ندوب مميتة، يحيطها الحطام وسط الموج. 


قطعاً إن هدف هذه التكوينات وميتغاها ليس الجمال، بل أرشفة الذاكرة الشخصية والجمعية، وهي أيضاً أرشفةً لذاكرة المكان التي إنخرطت في السياق التصويري، لتصبح اللوحة ذاتها جزءًا من سجل تأريخيٍ للواقعة، لكنها، رغم الخراب  تكتسب شيئاً من البهاء في سكون تداعيها المدقع، كأنها تصرخ فينا لتنال بعض الشفقة. في هذا المعرض لا جمال  يخدع عين المتلقي التي تبحث عن الألوان البراقة عادة، كل شئ مُدمرٌ ومُوؤدٌ، كل شئ يمثل  الفظاعات التي تستقر في أعقاب تدمير الحياة الانسانية، الخراب هنا يُبنى كملحمة تراجيدية بلا مسرح وبلا وجود بشري كي يُمحّص الذي حدث، لا دماء مراقة ولا أشلاء متناثرة، وهذه المجمعات السكنية  تتقارب حدّ  التلاصق لدرجة صعوبة الرؤية  في ما بينها، تميل على بعضها كما لو إنها تدعم رزيّة بعضها البعض. الهوائيات والأطباق الفضائية المحطمة لازالت معلقة، كأنها متحجرات أثرية مدفونة في نسيج اللوحة. شظايا الأبنية متضاربة ومدقوقة، تمثل العذاب البشري الذي كان يقيم فيها. الفنان جودا يعمل غالبا بلونين فقط ، الأبيض والأسود والأحمر في أحيان قليلة وهو يكثر من تقنية التكوين المبرقش البارز من السطح  الذي يثير الانتباه ويشتت الذهن عن موضوع اللوحة الاصلي، باتجاه الأبعاد الخارجية، عن قصد ربما، ويبدو انه يتلاعب بتناغمات مختلفة لكن متزامنة للتشتيت البصري. إنه لايقدم الأفكار والتأملات للتزيين والتجميل كأنه يدعونا لإستثناء أعماله عن هذين الغرضين، لكنه من جانب آخر، يجتهد في خلق رؤية يقينية متوقدة وكاملة، حادة وقلقة لنظرة مركزة واحدة تُدين كل أشكال العنف. اللون البيض إذن، يخفي كل شئ، انه لون غبار الهليوم وغبار الانفجارات ولون الأشباح، وهو لون التخفي، فأبيض جيري جودا يصرخ نيابة عن كل من فقد قدرته على الكلام وسوف يشعرك بالغرابة والصمت والإنعزال. اللوحات جميعها تأخذ شكلين فقط ، المستطيل والدائري، في الشكل الدائري  وتكويراته هناك إيحاءاً درامياً في عنف التداعي للمباني المهشمة، سوف تتجه العين مباشرة الى المركز  لذا فالفنان شكل هذه اللوحات كمتراس يوحي برمزية  العبور. 


وحين نحدق يمين او يسار هذه المباني المحطمة، نكتشف ان سطوح هذه اللوحات منقرة او مجوفة بأجزاء وأجسام متشظية أو مخدشة بخطوط غريبة، بعضها دائري أو مستقيم. كأنها تحفظ آثار سكانها الاصليين، او تخفي أسرارهم بين بقاياها. 

العبث الكوني 

 (الرسومات / المنحوتات) تبدأ من مصغرات كارتونية وبكل تفاصيلها مصفوفة واحداً بجانب الآخر في إستديو الفنان، كأنها نماذج لمبانٍ موحشة من مناظق الحروب، سوريا أو العراق او فلطسين. تلصق هذه المصغرات المجسمة بالنسيج الخشن لسطح اللوحة و يقوم الفنان بعد ذلك بتدميرها بقبضته فجاة، كأنه يحرر غضبه من الحروب بإعادة تصويرها. هذه القبضة التدميرية هي جوهر العمل الحقيقي والمحفز لفكرة إبتكار لوحة او إختراعها، وهو لايكف عن متاهة إغترابه حين يفتت أشكالا بناها، ليستخرج خراباً يتفاقم لينقض معناه. وبعد التدمير، يضيف الفنان  الجص والأشرطة اللاصقة والصبغ والأنقاض والشظايا الزجاجية، لتتحول اللوحة بعد ذلك الى منظر جارف في تهديده. بغداد ما بعد  2003، هذا ما إستحضتره سريعا حين تأملت لوحات جيري جودا، إنبعاث موروث الحرب، الأسلاك والأطباق الفضائية التي تحكي عن موت الحاضر مثلما مات الماضي، ونعم انها لوحات تمثل خراب بغداد أو حلب، عَبّرَ عنها الفنان من خلال إستعارة اسم بابل كعنوان لمعرضه، وكلما منحته خامة اللوحة فسحة اخرى إمتدت أسئلته البصرية في حرية لا نهائية ورغبة للبحث عن نقاء وسط هذه الزحمة من العبث الكوني الذي تصنعه الكراهية والجيوش والسيارات المفخخة. 


الخميس، 24 يوليو 2014

مان راي المصور الفوتغرافي السوريالي


فوتغراف الرسم والرسم بالفوتغراف  



حنط لحظات بيكاسو ودالي وخوان ميرو وآخرين
"الجمال هو اسم شئ لا وجود له،
وهو ما أمنحه أنا للأشياء مقابل ما تمنحني من بهجة"
كانت أبيات بيسوا هذه آخر ما قرأته من قارئي الالكتروني وأنا أنتظر دوري لشراء بطاقة الدخول الى المعرض الإستعادي لواحد من أهم مصوري القرن العشرين في الناشنول بورتريت كالري في لندن.
صالات العرض ضمت 150 عملاً فوتغرافياً فقط، برهنت واقعية أبيات بيسوا فقد إبتكر مان راي الجمال وحنطه بلقطاته ولوحاته التي كانت بانتظار الزائرين.
لوحاته تتناغم فيها قبائل ضوء وظل تغمر موديله أو موضوعه، لقد فعل الصواب ذلك الفتى النيويوركي المنحدر من عائلة روسية يهودية مهاجرة إمتهنت الخياطة وتجارة الملابس، حينما سمع نصيحة صديقه المقرب (مارسيل دوشامب) بأن يتجه كلياً الى التصوير الفوتغرافي وقد كتب دو شامب عن مان راي فيما بعد "كان إنجازه الأهم إنه تعامل مع الكاميرا كما يُتعامل مع فرشاة الرسم، كوسيلة خالصة لتحقيق رؤاه الجمالية" لكن مان راي يميز في ذاته الرسام عن المصور " أرسم ما لا استطيع تصويره، الرسم يأتي من المخيلة أو من الأحلام أو من اللاوعي، بينما تلتقط عدستي الأشياء التي لا أقدر على رسمها، الأشياء الموجودة أصلاً." 

مان راي الذي رقص على حافة السوريالية إبان تشكلها في باريس يتوارى خلف لقطاته الفوتوغرافية وخلف موديلاته، كأن لوحاته الصورية فلما  سينمائيا طويلا ومتسلسلا يمثله بشكل رائع معرضه الحالي في الناشنول بورتريت كالري والذي يغطي سنواته في باريس ونيويورك وهوليوود ولندن، لوحاته ليست فقط وثائق صورية لحقبة معينة، بل هي تمثيل عميق وفاضح لهؤلاء الأشخاص عبر حلقاتهم الفنية والأدبية التي يمثلونها.
هناك علاقة وثيقة جلية في صوره مع شخوصه فهم إما أصدقاؤه وهو يحتفي بهم على طريقته وهذا نادرالحدوث بين أصدقاء الحقبة الواحدة وكأن حياته يمكن قراءتها من خلال صور أصدقائه وعشيقاته او نجمات سينما مشهورات، هناك هوس لديه كما عند معظم السورياليين بالجسد الانساني العاري وهذا المعرض ملئ بالصور العارية التي تتجاوز الغواية الى توثيق الجمال بكل معانيه ومن كل اتجاهاته بعدسة الكاميرا . 

حياته تناثرت بين صور (كيكي) المغنية الباريسية الشهيرة والتي ارتبط معها بعلاقة حب وعمل منذ قدومه الى باريس عام 1922، وبعدها المصورة والصحفية الأمريكية (لي ميلر) من عام 1929 الى عام 1932حيث إبتكر بمساعدتها إسلوب التشميس(وهو تسجيل الصورة ذاتها على صورة مطبوعة على أساس أن تكون الألوان متعارضة كلياً أو جزئيا مع لونها الأصلي حيث تظهر مناطق اللون الأبيض سوداء وتظهر المناطق السوداء بيضاء اللون بدرجات متفاوتة) والتي تركت مان راي لتتزوج من ثري مصري يقطن باريس، وبعدها مرحلة الراقصة (آدي فيدلين) من عام 1936 الى 1940 عندما غادر مان راي باريس الممزقة بسبب الاحتلال النازي عائدا الى الولايات المتحدة، حيث تزوج من (جوليت براونر) التي بقيت معه الى وفاته عام 1976، كل لوحاته عن عشيقاته وخصوصا (لي ميلر) مشحونة بعاطفة وانجذاب للجسد وتقدير للكائن ومحاولة إبراز هذا الكائن وخفاياه.

صورته المشهورة عن الماركيزة الايطالية (كاساتي عام 1922) والتي تصورها بأربعة عيون ، هذه الصورة ليست وليدة خدعة بل نتيجة التصوير المزدوج للعينين والصاق صورتي العينين على بعضهما لتبدو الصورة ذات نظرتين متلاحقتين مما جعلها غلافاً لمجلة كفنتري فير المشهورة للازياء.

الصورة المشهورة الفيولين 1924 لعشيقته الراقصة والفنانة (كيكي) والتي يصور ظهرها كآلة كمان حيّ كم تبدو نمذوج سوريالي سابق لعصره ومتجدداً كلما نظرنا اليه حتى في وقتنا هذا الذي نَدرتْ فيه الدهشة، عمامة الموديل والتي تدير رأسها قليلاً الى اليسار يماثل الجزء العلوي من الكمان بينما أقراطها الطويلة تقابل مفاتيح شد الأوتار وزند الكمان هو العمود الفقري للظهر بينما رُسمت علامات الكمان بالأسود على الظهر العاري بدقة في قسمه السفلي، هذه الصورة كأنها نشيج الكمان بحب الظهر الفرنسي الباذخ العاري.

الصور المعروضة تظهرمعرفة حقيقية للرسم بمنح الوجوه حضورٌ قوي بإستخدام الضوء وبتقديم الوجوه على خلفية مناسبة معتمة وكثيرا ما أضاف مان راي مربعا لكي يركز على بؤرة الصورة. وهناك أيضاً إهتمام عميق بالعمليات التي تجرى على الصور بعد ان تُلتقط نلاحظ ذلك في صوره الشخصية التي يلتقطها لنفسه والتي غالبا ما تُظهره في معمل تحميض الصور أو في مرسمه على الرغم انه كان يصرح: " لقطاتي هي أعمال ضوئية بحتة". نعم، فالمناورة بالضوء والظلال وأشباههما في غرفة مظلمة كانت  تفتنه وتحفزه للتجريب أكثر.
 ورغم انه يُعد من رواد السوريالية لكنه لم يكن يبالغ في سلوكه أو أعماله لجذب الأنتباه اليه ولم يصور شخوصه على انها موديلات يمكن التلاعب بها فنياً لخدمة غرضه فقط، ما حاول التقاطه وتثبيته بلوحاته الفوتغرافية هو الشعور العالي بالفردانية لدى موديلاته، هناك إستيعاب وموازنة بين الصورة الفنية وبين رغبة شخوصه بالظهور كما يحلمون وكما هم عليه حقيقةً كما في بورتريت (باربيت/ 1926 فنان سيرك يلبس أزياء النساء) فهو يظهره بظلال لنهدين على صدره المسطح مع تركيز على شفتيه ونظرته الأنثوية الصارخة ويضيف صورة صغيرة اخرى له أثناء الإستعراض كخلفية لوجهه. 

بورتريت لفرجينيا وولف أُلتقطَ عام 1934 يُظهر ذكاءها وحساسيتها المفرطة، ترفع يدها كأن أصابعها تكلم الكاميرا بينما يميل وجهها ونظرتها نحو اليسار. 

 صور(ميريت ابونيام الفنانة السوريالية والموديل) حكايا قائمة بذاتها في احدى الصور الصغيرة جدا تقف ميريت بجسدها المرمري عارية الا من ضياء نافذة بينما يقف مان راي خلفها  يمسك يدها واليدان معاً تستقبلان الضوء باستسلام .
 (نانسي كونارد) تُفرط في لبس الأساور العريضة تسريحة شعرها تظهرها ذات عزيمة فائقة . (إفا كاردنر) الممثلة الامريكية تظهر وكأنها نفسها تماما، فائقة الجمال ورائقة وتعرف قيمة ذاتها. عوالم الرجال الخفية كانت أكثر صعوبة لإختراقها بالعدسة من بوح النساء السريع، كأنهم غير واثقين تماما مما يريدون لكنه إلتقط صوراً جميلة كثيرة لاصدقائه، صورة (بيكاسو/ 1933) تظهر تناغم نظراته الثاقبة من عينين سوادوين مع يديه الكبيرتين. لماتيس صورة ايضا عام 1925 تظهره محافظ الشكل في بدلته الصوفية ولحية مشذبة تتناقض مع نظرة العينين الرهيبة القلقة الباحثة عن كل شئ. 
(أنتونين أرتو) الصارم والوسيم الملامح وبشعره المبعثر يمنحنا نظرة من فوق كتفه تقول عنه كل شئ الا الجنون، سلفادور دالي متأنق نحيف يغمر وجه ضوء شديد على خلفية داكنة وبأذنين نافرتين لسماع لاوعيه ربما. 


جان كوكتو ينظر من خلال إطار يحمله، كم تبدو هذه الصورة معاصرة..! جيمس جويس يحني رأسه ويمسك جبهته كأنما يستخرج الكلمات منها. خوان ميرو والحبل الملتف في عدة إتجاهات كخلفية له للإشارة الى خطوطه النحيلة الشحيحة في لوحاته، وهناك صور ثنائية كما صورة هنري ميلر جالساً غير مكترث وزوجته الاخيرة عارية واقفة خلفه كأنما تغوي ظهره وترسم على وجهها قناعاً من خطوط للتمويه، أو صور جماعية كما في مجموعات السوريالين وصور بها حس الفكاهة والبراءة. معظم موديلاته تنظر مباشرةً للكاميرا او تشيح النظر عنها قليلا لكنها واعية للعدسة، صور قليلة مُلتقطة وكأنما الموديل لايعي أن عدسة ما ستحنط لحظته كما في صورة (إمراة تدخن سيجارة) فهو يتعامل مع رأس المرأة بمعزل عن جسدها ويصور شعرها المتموج كأنه شاطئ بحر يتصاعد مع تلة الذقن وصولاً الى القمة الشفتين والسيجارة بينهما. أو كما في صورة (الوجه الطائر) حيث الموديل مغمضة العين مشعة وجهها طائر من ضوء وخلفه عتمة. 
 لا شك إن الكثيرين قد نسخوا وينسخون إسلوب مان راي في التصوير لأنه استطاع أن يذهل ويسعد جمهوره من خلال إطلاق أفكارهم خارج حدود البيئة المحيطة.الا انه أيضا فنان رومانسي حالم وحساس وهذا ما قالته لوحاته الفوتغرافية المتجددة دوما.