الأحد، 21 مايو 2017

مقدمة ومختارات للشاعرة الامريكية فلورنس أنتوني/ آي

ريح من لا مكان 

  
ريح من لا مكان

الشاعرة الأمريكية فلورنس أنتوني


يجب عليها  أن تعرف
ثقل يد الرجل.
تلك الكدمات تشبه
جروح المسيح.
ودمها ذاك الاسود في القلب
 يجب ان يسيل...
 نقياً وأحمراً كما دمه
وعليها أن تكون حاملاً دائما
اذا لم يكن بطفل
فبمعرفة
إنها على قيد الحياة بسببك.
وأنك تقدر ان تسلبها تلك الحياة
بسهولة مثلما تمنحها.
معاناتها من إرثها
منك وبك ،
من المسيح..
الذي مشى على جسد إمه
ليصبح ملك الجنة
من قصيدة "قصة الأم"(مجموعة خطيئة)1986

بورتريت شعري لعنف مخضب بالجمال


" آي : الاسم الذي أرغبُ أن اُعرف به "
 هذا ماصرّحتْ به ( أنتوني فلورنس ) في عام 1969.
 قبل عقدين من هذا التاريخ كانت ام انتوني، المطلقة من زوجها الأول، حاملا بها بعد علاقة جنسية عابرة وسريعة مع مايكل أوكاوا، وهو ياباني، التقتْ به في محطة بنزين، ورغم  محاولة الام إسقاط الجنين، عن طريق الاجهاض، إلا أن " آي " حازت على مكان فوق سطح الارض، فكان إسم والدها المدون، في شهادة الميلاد، هو اسم زوج امها الاول.
لكن الام سرعان ماتزوجت ثانيةً من ستون هاينز، وهكذا عُرفتْ الشاعرة في طفولتها بإسم " فلورنس هاينز " ثم عادت واستعملت إسمها الرسمي " فلورنس انتوني " عندما اصبحت في المدرسة الثانوية ، لإعتقادها أنه أكثر شاعرية، لكن الام باحت لها، ذات يوم، بكل تفاصيل علاقة محطة البنزين الطارئة، فما كان من أناها الشاعرة الا أن إستثمرت هذه الخيبة الى فعل جمالي، كأية مبدعة كبيرة، هكذا صار اسمها : " Ai " وهي كلمة يابانية تعني : " حب " وفي ذلك تقول : " اُجبرتُ أن اعيشَ كذبة لسنوات عديدة، لذلك شعرتُ أنه لايجب أن يرفق إسمي بإسم رجل كان زوجا لأمي فقط ".

إنتبهتْ " آي " الى موهبتها الشعرية في لوس أنجلس ، وهي في سن الرابعة عشر، أثناء دراستها في المرحلة الاعدادية، فقد لفت انتباهها إعلانا عن مسابقة شعرية، وحين شرعت بالكتابة, إنتقلت عائلتها للعيش في توكسون، حتى قبل أن تحصل على الموافقة بالاشتراك في المسابقة ، لكنها بفضل هذه الحادثة عثرت على الوسيلة التي تعبر بها عن مواضيع وأحاسيس لم تتمكن التعبير عنها من قبل.
 كانت طفولتها ممزقة بالفقر : عاشت قسطاً منها في سان فرانسيسكو ، ولوس أنجلس، وصفتها  :" هناك أوقات جميلة، لكن ما يلتصق بالذاكرة أكثر هي تلك الاوقات الصعبة ".
 كان والدها بالتبني ينفق أياماً في الاستدانة من أجل إطعام العائلة . كان ذلك في سان فرانسيسكو، مدينة الشعراء المغلوبين : " ذكرياتي ليست سوداء، هي ببساطة ذكريات العيش كإنسان فقير " . 

تعدد الأعراق في جذور وثقافة الشاعرة ( أباء من أصل ياباني، مكسيكي ، أفريقي، وأمريكي، إضافة الى ام من أصل هولندي، إسكتلندي، وإيرلندي ) جعلها تنتمي للإنسانية ككل، لذلك عرفت نفسها ب: " أنا شاعرة .. ببساطة " واعتبرت أن الشعر إبداع عالمي، كأمر مفروغ منه، قالت : " لا أريد أن أُصنّف، سواءاً على المستوى الشخصي أو على المستوى الشعري، فإذا لم يكن الشاعر وإبداعه عالمياً، فأين يكمن الابداع إذن ؟ "، هكذا فإن " آي " لم تعترف بأهمية النسب والعرق لأنها طمحت لقيم أعلى من خلال شعرها، ومع ذلك، وكأي شاعرة جديرة بالاحترام، لم تخفِ مصدر إلهامها، ففي مقابلة معها  عام 1978، بعد نشرها كتابها الشعري الثاني :" قتل القاع " قالت " Ai " : إنها تستمد إلهامها من شعراء امريكا اللاتينية، وهم شعراء محليون أو شعراء قبائل، أمثال : راندال جيرال، كلوي كينيل، فيل لفاين، لويس سمبسون، وجيرالد سترن، أما في مراحل دراستها الجامعية الاولى فقد كانت تنصت باعجاب الى قصائد الشاعر كينيل، وهي قصائد تدخل القراء الى مملكة خيال سحرية حيث هوية الشاعر تنتظر أن يكتشفها القاريء. كانت " آي " معجبة بتلك القصائد، ليس فقط بتحولاتها القوية، لكن ايضاً بموسيقى اللغة وجمال المخيلة التي تلتقط الصور والالفاظ بمايشبه الكاميرا . هكذا صارت قصيدة كينيل ( الاحتمال ) مصدرا للالهام في كتابتها الشعرية . 

في عملها الشعري، كما لاحظ النقّاد، اختارت " آي " التعبير عن الاوغاد والاشرار، في إنحياز واضح الى عالم الخلف المكتظ بالبؤس، الفقر، والعنف، وهو انحياز جمالي، مفرغ من أية رسالة آيديولوجية.
 والشاعرة غالباً ماتستخدم ضمير المتكلم، الذي يضيّع على القاريء إحالته الى جنس أو لون : هناك خليط من الأصوات الواقعية غير المعروفة، وهي تعلق على ذلك قائلة :
" قصائدي تنبع من لاوعيي : أنا المشدودة بإحكام الى حياة الآخرين، الاحياء منهم والاموات ".
 لاوعيها، إذن، يبتكر شعرياً أُناساً أحياءاً، وآخرين أمواتا : تجلعهم يتقابلون في مناجاة مثيرة للقاريء : " هذا الاسلوب يتيح لي أن اصبح شخصا آخر، مثل ممثل .. أعتقد أن الناس خُلقوا كي اراقبهم، حقاً أنا أشعر إنهم شخصيات من إبتكاري ".
 ولكي تعمق اسلوبها هذا, عمدت  الى إستلهام الشخصيات والحوادث الاميركية : جون كنيدي، إميلدا ماركوس، حوادث الشغب في لوس انجلس عام 1992...، وإستخدمها كخلفية نفسية شاملة، للعديد من شخصيات قصائدها، وبتداخل الاصوات مع الاحداث في نصوصها، يحول هذه النصوص الى مايشبه الجوقة في مسرحية، وهو ما أضفى عليها رنين دقيق، مع انعكاس واسع لاهتمامات الذات المعاصرة وللظروف الانسانية المحيطة بالكائن المعاصر.
 قصائدها تصل بالشعر الى منظور آخر وجديد : الاثارة الجنسية، والعنف - سواءاً من أحداث معاصرة، أو أحداث في ذاكرة المجتمع الاميركي , والمواضيع الساخنة الحمراء، هي ثيمات قصائدها، إذ لا تميل الشاعرة الى إجتراح الاحداث من الخيال، فصورها الشعرية ملتقطة من الواقع، ومن اللغة العادية، لكن ليس بمعنى خلوها من الخيال او الشاعرية، بل هو تجلي ناصع لعمل مخيلتها، عندما ترتفع بالتقاطاتها الحاذقة الواقعية، لتصل به الى مسافات خيالية شاسعة ومحلقة.
 هكذا فإن قصائدها عبارة عن مشجب كبير للسكاكين، الفؤوس، الحراب، النصال، والمطارق التي تحطم وتشطر الرؤوس والجماجم وتمزق الجسد أرباً أو تطعن شعاع الشمس ذاته : إن ما يمكن أن يتحول الى عنف عبثي مبالغ فيه لدى شاعر آخر، يتحول بين يدي هذه الشاعرة الى أداة بلاغية حادة لاختراق النظام الاجتماعي : هذا العنف ليس مجرد قسوة مرئية من الخارج، بل هو ما تعايشه، وتعيشه شخصيات قصائدها، وهذا ما نلاحظه في المنولوجات التراجيدية لتلك الشخصيات.
نشرت " آي " كتابها الشعري الأول ( قسوة ) عام 1973، الذي كان يحمل عنوانا أولياً (  عجلات في مستنقع ) وهو رؤيا لروح الانسان، حين يقع في مصيدة اغترابه عن الحضارة، كما العجلة في المستنقع، فيفقد القدرة على النجاة بذاته، أو تخليصها . حشّدت الشاعرة في هذا الكتاب الكثير من عبارات وتعابير الجنس والعنف، كتقرير صادق عن كآبة الانسان، وعن حس الضياع غير المرئي، غير الملاحظ، وغير المعروف حتى من قبل الشخصيات ، وقد كانت " آي " تتقصد ذلك كي تحمل القاريء على التعرف ليس فقط الى كيفية تعامل الانسان مع الانسان بقسوة، وانما الى التعرف على القسوة في الذات الانسانية اولاً، ومن هنا جاء العنوان ( قسوة ) بليغاً، ومعبّراً :

" فعلتها ، كما أنذرتني أن تفعل
 وتركتَ لي الجنين ملفوفا بورق شمعي ،
 كي أنظر الى ابني "

من قصيدة " إجهاض " 1973



وخلال الثلاثين عاما لاحقة، طوّرت " آي " منولوجاتها التراجيدية الى أعمال شعرية نالت العديد من الجوائز، كجائزة مؤسسة كوكينهام 1975 عن كتابها الاول، وجائزة أندومنت الوطنية للفن عام 1985، وزمالة من معهد رادكلف 1975، اضافة الى جائزة ليمونت الشعرية التي نالها كتابها الشعري ( قتل القاع ) 1979، وجائزة الكاتب الاميركي من معهد كولومبس ، عن كتابها ( خطيئة ) 1986، وبعدها أصدرت كتابها الشعري ( كارثة ) 1991 و ( جشع ) 1993، و ( رذيلة ) 1999 الفائز بجائزة الكتاب الوطني للشعر.
 أما كتابها الشعري ( فزع) 2003فقد كان مكرساً لإنقاذ الطفولة من صدمات المجتمع غير المبالي، وفيه حوّلت الغضب الراسخ والمستمر في ذاكرتها الشخصية الى رافد لاينضب للتعبير عن نفسها / الطفلة، وبشكل صريح ومعلن، تقول :

" كأنه ضغط لايزال يُبنى ،
 وللتوٍ قلتُ :
 ساكتبُ قصيدة عنه "


وكمحصلة اخيرة فإن بعض الشخصيات المتخيلة في ( فزع ) تستمد واقعيتها من التاريخ العائلي للشاعرة، بما في ذلك امها ووالدها الياباني :

" تقول امي : كنتُ تائهة .
 تقول ، سألتْ أباك عن الطريق ،
 ولم تعرف كيف إنتهيا الى السرير .
أحيانا،
 عندما أنظر الى المرآة،
يخيل لي أرى وجهه ،
 يلوّح فوق وجهي .
ورغم أنه مجرد إختصار
عن الحقيقة الفظة ،
فالتفاصيل
توزعها امي ، تدريجيا ، الى الخارج .
أنا فقط, مَن يرى حقيقة ما ترك وراءه .
يعدو مسرعاً أكثر من سيارة الفورميلا :
أبي الهارب مثل أي رجل آخر ،
لم يخطط للبقاء طويلا . "

من قصيدة " أنساب "




وبينما تحاول المدنية المعاصرة، تكريس أصناف مختلفة من الفوارق والتعريفات، كأساس لتعريف الانسان والحكم عليه، نجد " آي " التي لم تنكر  هوياتها المتعددة، إستفزت هذه الفوارق والتعريفات، وتحدت حدود هذه المدنيّة وفوارقها، وحاولت زعزعة التعريفات والاحكام، لكن من خلال تراجيدياتها المثيرة للقراءة. بكلمة اخرى : إن قاريء قصيدتها يدرك بعمق عنف الأصوات الهامشية، من خلال رواة قصائدها الواقعين في مصيدة أدوارهم الاجتماعية .
 إن الشاعرة تعمدت صدمة المتلقي عبر قصيدتها الموغلة في الحقيقة المفجعة، رغم أنها من جانب آخر، منحته جرعة إضافية وجعلته قادراً على طرد خوفه الى الخارج وربما مواجهته في مرحلة لاحقة.
 قصائدها تُشجع على تَقَبل أصوات رواة العنف، من أجل المساهمة في خلق وعي إجتماعي من خلال فوبيا العنف هذه، فتراجيديا أصوات العنف في منولوجاتها تكشف ماذا يمكن أن يحدث لهؤلاء الذين يفشلون في العيش على النمط المثالي لمعايير المجتمع .
إن الكلمة الهامشية، حين تقال بفعل الحاضر – الزمن المضارع – تجلب اليها الانتباه من خلال التكرار وإبتكار المعاني وخصوصية الاحساس في الذات المهمشة.
 كما ان الصور الشعرية المرسومة بدقة في قصائدها عبارة عن تشكيل مكاني صرف وقد توحي بالزمان في كثير من الحالات : تلك احدى سمات عملها الشعري الذي لم يبخل في تقديم مزيج من المحسوسات الشمية والذوقية ايضاً والتي لاتقل خطورة في تشكيل الصور المرئية في بنية القصيدة .
 كما أن الشاعرة ابتكرت أصواتاً متقاربة، لتتحدى التقاليد الادبية المتعارف عليها أولاً، ولتحويل الفكرة الى جسد ثانياً : هذا التحدي للتقاليد الادبية مشوب بتحد آخر / سافر وهو السؤال عن الهوية الاميركية : هذا التحدي الجوهري يتعدى الشكل الفني إذن، يتعداه الى الصميم، ليتحول الى مراس دائم، حيث الحياة برمتها، فمن خلال تأكيدها على العنف بكل صوره ـ الاغتصاب، القتل، الاجهاض، الزنى المحرم، الانتحار، الاعتداءات المتوازية ـ كل هذه الجرائم، من وجهة نظر آي ، هي جزء أساسي من الثقافة الاميركية، لذا فإن الأُمة الاميركية هي أُمة للعنف الحضاري المعقد والمركب .
هناك الكثير من الجسارة الطموحة، والإزعاج في قصائدها, الموغلة في قلب اميركا، وقد قالت بصريح العبارة : " نحن امة نـُبدع ، نوازن حياتنا ، نتسلى ونُثار بأكثر قدر من الرذيلة : نحن نرتفع ونسقط، ولا يسمعنا أحد ". وعلى عكس تراجيديات شكسبير التي أحبتها آي، وغالبا ما إستخدمتها كأدلة في اعمالها الادبية، تتقاطع نهايات شخصياتها مع أبطال شكسبير الذين يكافحون قبل سقوطهم النهائي، لكن شخصياتها تبقى قوية حتى النهاية، تنشر الرذيلة عبر الأرض لأجيال متعاقبة، لذا فإن قصيدة آي تقترح بقاء  العنف، كصوت مسموع في توازنات المجتمع، وأن دائرة العنف الطبيعي هي وجه آخر للقوة الاميركية، تقول في المقطع التالي من قصيدة ( قياس القياس ) :

" البعض تربى على الرذيلة ،
 والبعض الآخر على مزية السقوط "


وهذا مقياس دقيق لخبرة الحياة الاميركية :

" أنا أميركي
 لا يجب أن أتمنى شيئاً,
أنا الأمريكي
لا يوجد شيء ليس لي "
من قصيدة " حذاء الشموا الازرق "  كتاب ( رذيلة ).



شغلت " آي " منصب استاذة اللغة الانكليزية في جامعة ولاية أكلاهوما, و إستمرت في كتابة الشعر من واقعها،  ومن ذخيرة ذكرياتها، فكانت ما أن تسمع اغنية، أو تشاهد نشرة الاخبار، ليلفت إنتباهها موضوع معين، فتشرع بالكتابة عنه. كانت تتمنى المضي بالتأمل : " إذا استطعت أن أكون حرة من واجبات التدريس وما سواها، اتمنى ان أقضي حياتي بالتأمل. سأكتب بالطبع، لكني سأقضي الكثير من الوقت في تأمل الكون ، وفي محاولة للاجابة عن الاسئلة الباطنية ".
أدخلت (آي) الى المشفى يوم 17 مارس 2010 لمعاناتها من إلتهابات رئوية ومن مضاعفات سرطان الثدي, وتوفيت بعد ثلاثة أيام في سياتل. 

مختارات شعرية 

لكني فقط في العاشرة*
 
 
"أجلسي فوق راحتي ."


لكني فقط في العاشرة . 


لا أراه ،
 
أسمع...
 
 شهيقه المتسارع في الظلام .


أنه وقت اللعب، بعد العشاء.


 حين نكون في الخارج ،


مختبئين تحت الشجيرات،



هو يدعوها لعبة الغميضة ،



لكن إختي الصغرى فقط من تبحث عنا


حين نختبئ 


ولا تعثر علينا ،


لأن جدي يتلقفني، 


يفرك ما بين فخذيّ بيديه

 
حينها
 
 أشعر بإثارة عظيمة وغامضة،


خارج حدود وعيّ


لا أعرف بالضبط ماذا أُسميها 


يعجبني ذاك الشعور...


نشوة اخرى


لم أجربها مسبقاً
 
ممتعة أكثر  


 من أكل القَند.



عندما سألتني جدتيّ:
 
"ماذا كنت تفعلين هناك؟"


إضطررتُ ان أكذب 


"أين؟"
 
أجيبها


"آه... لعبة الغميّضة"


تفحصتني: 
 
" هذه أخر مرة، لا لعب بعد الان" 


توقفت اللعبة
 
وأنا نسيت


عشر سنوات مرت ...
 
خمس وثلاثون


حين بدأت أسترجع ما مضى


وأسأل نفسي:


لماذا يثيرنيُ الرجال الذين يثيرون قرفي؟ 


وأرتحل للماضي المترسب..


للظلام...
 
للزفير الثقيل...
 
في حياتي


أنا التي ظننته قد فات وعبر؟


لكني تعاميّتُ فقط 
 
عن الرؤية


في دوامات وعيّ الرملية


حين تسحبني للأسفل


هناك في القعر
 
أجدُّ جدي في الأنتظار


يداه مبسوطتان لترفعاني


عارية ومبللة


كي يدعكني في نفس المكان


"لا تخافي ..."
 
 يهمس:
 
"سأدعك تذهبين سريعا"


أُجيبه:
 
"نعم "
 
وأردفها:
 
"لا"
 
 "لا أفهم لماذا تفعل معي ذلك
 
أنا فقط في العاشرة"


 لكنه يقول :
 
"هذا يكفي كي تعرفي "
 


*العنوان الأصلي لهذه القصيدة (يقول جدي).

                                          .............................

عشرون سنة زواج*

 تجعلني أنتظركَ في الشاحنة ،                                                                                                        
ذات العجلات الكبيرة المغروزة في خندق وحل
بينما أنتَ تتبول بجانب شجرة ، بعكس ،
 اتجاه الجنوب.
أسرع ..
لا أرتدي شيئا تحت تنورتي هذه الليلة  ،
لا يزال هذا يُشعلك ، لكن هذه الرافعة بلا نوافذ
والمقعد ُ
وركٌ  بارد من الجلد الصناعي
حين أضغطه بمؤخرتي .

لم أتغيّر...
لي ذات الجسد والوجه  
منذ عشرين سنة خلتْ ،
لكن حين تدخلني ، تشتغل آلتي :
ستتحلى  بالفحولة والرغبة في المضاجعة .
أسحبُ، وأنتَ تدفع :
نتقاسم بعضينا بالتساوي .
الآن  يا حبيبي ، ألقني على ظهري ،
وتظاهر أنكَ لا تدين لي  بشيء   
وربما ننطلقُ بعيداً من هنا
تاركين الماضي متكوّم خلفنا :  
لأن الصحف القديمة لاأحد يعيد قراءتها .

* عشرون سنة زواج من (خطيئة) قصائد مختارة.


.................................................................................



حوار

نبتسم لبعضنا
وأسترخي على أريكة خيزران .
كيف تشعر وأنتَ تموت ؟
 أقولُ .
تَمسّ ركبتيّ بأصابعك الزرق .
وعندما تفتح فمك،
تسقط على الارض، كرة من الضوء الأصفر
لتتركَ ثقبا محترقاً فيها.
لاتقل شيئا...
 لا أريد أن أسمع .
ابدأ فقط ،
أنا أرتدي الثوب المناسب
و بالمصادفة...
بالكاد انت تلاحظ
أصابعك تجرح ذاك الرداء
وتسمع صوت سكين تقطع ورق
و تنظر أيضا
تدرك بسهولة...  أن تلك الصورة
امتدادا لصورة اخرى ،
لأن حياتك
سلسلة من كلمات
يوما ما سوف تطق و تنفصم .
كلمات ،
تقول ،
مثل فتيات صغيرات يصنعن دائرة,
تتشابك أيديهن
ويبدأن برفعها نحو السماء
بأثوابهن المثبتة ،
مثل بالونات الهليوم البيضاء ،
وتيجان الزهور الملفوفة على الرؤوس ،
تدور وتدور بسرعة
وفوق كل ذلك،
هناك حيث أفيضُ ،
كيفما يكون
فقط, عشر مرات أنقى ،
عشر مرات أكثر رعباً
كيف يمكن لكائن أن ينجو منها ؟



ملاحظة : قصيدة حوار ، هي ايجاز  لفكرة " آي " عن الموت. الشاعرة في هذه القصيدة  تستخدم شخصاً يحتضر، كإستعارة متعددة ومفتوحة لوصف الموت، كلماتها تجعل القاري يفكر بالموت وبلغزه. تقول الشاعرة :" افكر أن الموت هكذا، واتمنى ان يكون فعلا "، فهو كرداء يتمزق .
                                        ........................
ريح من لا مكان*

اختي تلطخ وجه دميتها بالوحل ،
وتقفز بعدها الى الشاحنة عبر النوافذ .
تتجاهلني حين أمشي بمحاذاتها ،
أضربُ إطارات الشاحنة المفرغة من الهواء ، بقضيب حديدي .
الرجل العجوز يصرخ عليّ  أن أسحب فريق إزعاجاتي وأرحل ،
لكني أبقى ماشياً حول الشاحنة : أضرب بقوة أكبر

حتى تناديني امي .

 ألتقطُ حجراً وأرميه على زجاج نافذة المطبخ

يتهاوى قبل أن يصيب هدفه.

صوت الرجل العجوز يتنطّط في الهواء مثل كرة ،

يجعلني غير قادر على رفع قدمي  خطوة أُخرى .
أقف بجانبه ، أنتظر ، لكنه لا يعبأ .

أطوي القضيب الحديدي ،
 أرفعه ...
 جمجمته تنفتح بشقيّن .

إمي تركض نحونا . لكني ما أزال واقف

اُتمتمُ بالذي حصل وهي تنحني عليه .

أفلتُ القضيب الحديدي، وآخذ بندقية من البيت

 الورود حمر، وزهور البنفسج زرق،

طلقة واحدة للحصان الأسود، وإثنتان للحصان الأشقر.

 سقطوا سريعا ،
بصقتُ لساني ...
 مدمى ، لقد عضضتُه .

ضحكتُ ، تذكرتُ لساناً خارجاً بالكامل.
أمسكتُها وهي تقفز من الشاحنة ،
طلقة.

 دُميتها إستقرتْ معها على الأرض .

تلقفتُ الدمية، هززتها بين ذراعيّ.

ياه..انا جاك إبن هوراث

 النبيه ، السريع.

في البيت، أخذتُ أفضل بدلة للرجل العجوز

وحذائه الفاخر من الجلد الطبيعي

وضعتُ ثوب إمي الساتان

ودمية اختي في حقيبتي .

 بعدها ، عبرتُ الحقول الى الطريق السريع .

أنا في الرابعة عشر ، أنا ريحُ من لا مكان .

 لي القدرة على كسر القلب.

 

* العنوان الأصلي للقصيدة " الطفل " و الرجل العجوز كنية لزوج الأم، وواضح طبعا ان الطفل يقتل شقيقته، يفعل كل شيء، من اجل جذب الانظار اليه .
                                 .............................


الأربعاء، 14 سبتمبر 2016

المقتنيات الفنية للفنانين معرض الناشنول غالري في لندن

معرض عن المقتنيات الفنية للفنانين 

 تبتكر إدراة الناشنول غالري في لندن أفكاراً متجددة وغير مألوفة لجذب المزيد من الزوار والسياح للدخول الى هذا الصرح الثقافي المدهش وسط لندن. لذلك تحرص إدارة الغالري على عرض الأعمال الفنية بسياق ومنظور مختلف، كأنها تحاول إشراك الزوار في عملية بحث وإستقراء فنية لمصادر وملهمات الفنانين، وتحفز لدى الزوار خاصية النقد والتحري، وتخلق وتنمي لديهم النظرة الفاحصة للعمل الفني والمراجع التي إستلهمها الفنان، ومحفزاته  على الإبداع. وهذا ما حصل في معرض المقتنيات الفنية للفنانين، حيث تجمع إدارة الغالري خمس وثمانين لوحة، نصفها من مقتنيات الناشنول غالري والنصف الآخر من المقتنيات الخاصة للأفراد وبعض المعاهد والمتاحف حول العالم، تغطي هذه اللوحات فترة خمسة قرون من تاريخ الفن، لا رابط بين هذه اللوحات ومبدعيها غير شيء واحد، إنها كانت معلقة في بيوت الفنانين المشهورين وتأثروا بها في إبداع أعمالهم اللاحقة. لا يكتفي المعرض بهذا، بل يزيد بوضع اللوحة الأصلية المقتناة جنبا الى جنب مع لوحة الفنان التي نتجت عن تأثره بها، كأن هدف المعرض هو سبر العلاقة المتبادلة بين اللوحة والفنان الذي إقتناها. فاللوحة تتجاوز كونها ديكوراً يزين بها جدار غرفة جلوس أو مرسماً ما، الى كونها باعثة على الإلهام والتنافس الخفي وسبر أسرار الإبداع الفني، كأن كل لوحة معروضة  تقول للزائر: إنظر وتفحص ونم ذائقتك الفنية وكلما زرت معرضاً فنيا إبحث عن الملهمات التاريخية والفنية لكل فنان.
هناك عوامل أخرى تسهم في عملية إقتناء اللوحات بين الفنانين وهي الروابط الشخصية بين الفنانين أو التقارب الروحي والفني أو حتى الإنتماء الى جيل أو بلد واحد أو المكانة الاجتماعية لكلا الفنانين والرغبة في محاكاة إنجاز الآخر.

اولى قاعات المعرض خُصصتْ للرسام البريطاني لوسيان فرويد وهو حفيد عالم النفس سيغموند فرويد، غادر لوسيان فرويد برلين مع عائلته حين كان بعمر الحادية عشر بعد صعود المد النازي، وأصبح مواطناً بريطانياً عام 1939وكجزء من إمتنانه لهذا البلد أهدى الناشنول غالري مجموعة من مقتنياته الفنية. يستقبل الزوار بورتريت شخصي للرسام يعود تاريخه الى عام 2002 وهي لوحة تؤرخ لشيخوخته وكما معروف ان فرويد يتقن رسم نظرته المركزة الغائرة، وهو غير معنياً إطلاقا بتجميل ملامحه بل من ملاحظة كثافة اللون ونتوءات ضربات الفرشاة، نستشف عدد المرات التي مرر فرشاته على وجهه المليء بالغضون والتجاعيد كأنه يؤكدها، كما يؤكد يده المليئة بالعروق التي تمس ربطة عنقه، وقبل رسمه لهذا البورتريت، إقتنى لوسيان فرويد عام 2001 لوحة بعنوان (المرأة الإيطالية ذات الأكمام الصفراء) للرسام الفرنسي كاميل كورو يعود تاريخ اللوحة الى عام 1870، من مزاد علني وعلقها في الطابق العلوي من بيته في لندن، وهي لوحة تصور خادمة بزي تقليدي وأكمام صفراء براقة تنتهي بأشرطة، لكن نظراتها الغائرة والتي تميل بزاوية مائلة هي ما يميز هذه اللوحة، ليس صعباً أن نكتشف إن نظرة فرويد في لوحته الشخصية مستوحاة من نظرة الخادمة ذات الأكمام الصفراء في لوحة كورو، إقتنى فرويد أيضا عام 1999لوحة (ظهيرة في نابولي) للرسام الإنطباعي بول سيزان والتي سرعان ما سيظهر تأثره بها في لوحته المسماة (ما بعد سيزان) والتي تصور إمراتين ورجل كما في لوحة سيزان رغم إختلاف الثيمة بين اللوحتين وكذلك العلاقة بين شخوص اللوحتين. 



 مقتنيات هنري ماتيس الفنية
القاعة الثانية خصصت للرسام الفرنسي هنري ماتيس(1869/1954) وأيضا يستقبل الزوار ببورتريت شخصي يعود الى عام 1918يصور نفسه منغمسا في الرسم يحمل لوحة الوانه وفرشاته، إقتنى ماتيس عام 1899 لوحة سيزان الشهيرة ( المستحمات الثلاث) التي يعود تاريخها الى عام 1879 وهي لوحة كثيفة تصور ثلاث نساء كل واحدة بشعر مختلف (احمر وأشقر وأسود) يستحممن في بركة وقت الغروب تؤطرهن شجيرتان بينما تتراقص ظلالهن وظلال القمر على صفحة الماء، دفع ماتيس ثمن هذه اللوحة على شكل أقساط لانه لم يكن يملك ثمنها لكنه بقي مهووساً بها طوال حياته وإعتبرها من أكمل اللوحات الفنية ونتج عن هذا الهوس سلسلة من أربع منحوتات إستغرق بإنجارها عشرين عاما والمعنونة ( الظهر)، في هذا المعرض وضعت لوحة سيزان الشهيرة مع منحوتة الظهر الثالثة والتي تجسد ظهر إمراة ذات شعر طويل وليس صعباً ان نلاحظ  تأثر ماتيس بلوحة سيزان.
تعرض لوحتان لبيكاسو من مقتنيات ماتيس، تصوران عشيقة بيكاسو (دورا مار) وهي شاردة الذهن تماما، يعود تاريخ اللوحتين الى بداية الأربعينيات، كان بيكاسو قد أهداهما الى مجايله ومنافسه هنري ماتيس، تكشف اللوحتان حجم التنافس بين ماتيس وبيكاسو وكيف كانا يتبادلان اللوحات عبر حياتهما ويشعران بالتهديد المتبادل الى درجة إن ماتيس يصرح "ليس من حق أحد أن ينتقدني فنيا عدا بيكاسو". 

مقتنيات إدغار ديغا الفنية 

في القاعتين التاليتين نتعرف على إديغار ديغا (1834/1917) ليس بوصفه فنانا وأحد مؤسسي المدرسة الانطباعية بل بوصفه جامعا للاعمال الفنية ومطاردا لها من مزاد لآخر فقد كان يردد "أشتريت لوحات فنية وغرقت بالدين حتى لم أعد قادراً على توفير قوتي اليومي" وهذا ما نتأكد منه عندما نشاهد لوحة (إعدام ماكسميليان ) لصديقه ومجايله ادوارد مانيه، رسم مانيه هذه اللوحة تخيلدا لذكرى إعدام إمبراطور المكسيك ماكسمليان. بعد وفاة مانيه قام ابنه بتقسيم اللوحة كبيرة الحجم الى أجزاء أربعة وبيع كل جزء منها على حدة،  حاول ديغا جمع أجزاء هذه اللوحة مطاردة أجزائها من مزاد لآخر، لكنه لم يفلح تماما فقد بقيت فراغات في حيز اللوحة الكبير.
إقتنى ديغا أيضاً، 22 لوحة للفنان الكلاسيكي الفرنسي جان أوغست إنغر و22 لوحة اخرى للرسام الفرنسي إيغوين ديلاكروا وتسع لوحات اخرى لمانيه، ولوحات لبيسارو وغوغان وروسو وسيزان وفان غوغ وحين مات إدغار ديغاكانت مقتنياته الفنية تقارب الالف. 
أفضل أنواع الثروة 

كتب الفنان الإنكليزي جوشوا رينولدز( 1723-1792) وهو أحد أبرز فناني القرن الثامن عشر ومؤسس وأول رئيس للأكاديمية الملكية للفن في لندن، في مذكراته "حيازة لوحات فنية لتيتيان وفاين دايك ورامبرانت هي أفضل ثراء".  اقتنى هذا الفنان لوحات للهولندي رامبرانت واخرى للرسام الانكليزي توماس غينزبره ولوحة لرسام عصر النهضة الايطالي جيوفاني بيليني(1430/1516) واخرى كان يعتقد حين إقتناها إنها لمايكل انجلو.
 القاعة الاخيرة خصصت للرسام البلجيكي الشهير فان دايك(1599/1641) والذي بعد ان حاز شهرة ونجاح في إيطاليا وبلجيكا، إنتقل الى إنكلترا وإشتهر بكونه رسام البلاط البريطاني ورسم لوحات للملك جارلس الأول وعائلته، والذي إستمر تأثيره على الفنانين الانكليز طوال 150 عاما، ورغم تنقله بين البلدان فقد إقتنى فان دايك لوحتين لرسام عصر النهضة الايطالي تيتيان، أحدهما معنونة ب( الرجل ذو الأكمام) والتي رسمها تيتيان حين كان بعمر العشرين وإبتكر فيها إسلوبا مدهشا ومغايرا عما كان سائدا في رسم البورتريت، فقد غيّر تيتيان من وضعية الجمود والمباشرة التي يتخذها الشخص المرسوم الى وضعية جانبية توحي بالحركة، وكذلك نظرة الشخص من مباشرة الى موحية، بل حتى غيّر في الإزار الذي يرتديه فقد جعله يغطي كتفا واحدا فقط فهو إما على وشك إرتدائه كاملا او خلعه، هذا الإسلوب أثر لاحقاً في بورتريهات رامبرانت الشخصية وكذلك في لوحة البورتريت الشخصي لفاين دايك التي علقت في الجدار المقابل من القاعة حيث يتخذ فاين دايك ذات الوضعية الديناميكية في جلسته ونظرته وثيابه ويزيد عليها بإنه يرفع يده ويمسك بها ردائه الذي على وشك السقوط.      
يقدم هذا المعرض المدهش لزواره علاوة على حسن التنظيم وترتيب اللوحات تبعاً لمقتنيها وفترتها الزمنية، وعلاوة على عرضه أعمالا إستثنائية لفنانين إستثنائيين، نظرة تاريخية متسلسة للإبداع الفني فنحن نرى تيتيان بعيني فان دايك ورامبرانت ورينولدرز ونرى سيزان بعيني فرويد وماتيس وديغا ونرى بيكاسو وديغا بعيني ماتيس ونرى مانيه وإنغلز وديلاكروا بعيني ديغا وهكذا هي السلسلة الفنية في الإعجاب والإقتناء والتأثر والإبداع . 

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية 
http://aawsat.com/home/article/737311/%D9%85%D9%84%D9%87%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%BA%D8%B7%D9%8A-5-%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86

الاثنين، 1 أغسطس 2016

مختارات مترجمة للشاعرة السويدية كارين بويه

عيناها مصيرها 

شعر كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب أن يُعاش هذا المأزق المسمى"حياة"، شعرها عن ألم الشعور بالنقص عندما ننشد الكمال او التكامل مع الآخر سوءاً كان بشراً أم طبيعةً أم مقدساً

"بالطبع إنه مؤلم حين تنبثق البراعم.
وإلا لماذا يتعثر الربيع ؟
لماذا كلُّ رغباتنا المتوهجة
تقيّدٌ ذاتها بالعتمةِ الجليدية المُرّة ؟" 

هكذا تصرح في إحدى قصائدها الشهيرة "بالطبع انه مؤلم" من مجموعتها الشعرية الرابعة (من أجل شجرة/1935 ). لكن ألم الشعور بالنقص هو ما جعل قصائدها طازجة ومليئة بالحياة رغم مرور عقود على أنتحارها 1941 بعد ان خرجت من بيتها في مدينة ألنغسايس الى الحقول المجاورة تحمل معها علبة للحبوب المنومة ، اختارت الموت بين الطبيعة التي أحبت، بعد خمسة أيامٍ على موتها أكتشفها فلاحٌ عابرٌ نائمة بين التلال في 23 من أبريل.


أيها الموت العزيز , ثمة شيء في كينونتك
يواسي المكافحين :
ما همك أنت إذا صار المرء عظيما
أو ضيّع حياته هباء !
أيها الموت العزيز ثمة شيء في كيونتك
ينقي الأجواء 
أنت كما أنت 
مع الصالح والطالح
مشرّعا تتمدد عارياً وأعزل

"من قصيدة خطوات هادئة خلفي

بعد شهر من ذلك التاريخ إنتحرت عشيقتها الالمانية (ماركوت هانل) بالغاز في شقتهما المشتركة في ستوكهولم وفي شهر آب من ذات السنة توفيت صديقتها وحبها الأول (أنيتا ناثورست) بسرطان الجلد.  
الكثير من قصائد كارين بوي تتناول موضوع الحب والتوق للآخر بل في بعض الاحيان الذوبان به ، أليس هي من كتبت الى (ماركوت):

 أنت يأسي وقوتي
أخذتِ كل ما ملكتُ في حياتي
ولأنك طالبتِ بكل شئ
قدمتِ ما هو أعظم ألف مرة
قصيدة "لك انت" من مجموعتها الاخيرة (الذنوب السبعة المميتة 1941 ) 

شعرها عن الحرية والإنفتاح والعدالة والوضوح مع النفس والمجتمع ، معذبةً بنقائها عاشت عمرها القصير في بحث ومثابرة لا تكلّ لفهم لغز التناقض والازوداجية التي مُنيت بها في روحها ومشاعرها، هذا البحث الذي قادها من البوذية ومحاولة تعلم السنسكريتية وهي طالبة في المرحلة الاعدادية ثم المسيحية والمثالية ثم اليسار أثناء وبعد دراستها في جامعة أبسالا وزواجها القصير من الشاعر السويدي الماركسي(ليف بيورك) ، ثم الى التجريد وتبني نظرية التحليل النفسي وأخيراً الإنتصار للإنسان المخذول بيأسه في إنتحارها.
 لأنها يأست من نقاء الحياة حاولت البحث عنه في الفن والشعر والرواية، أصدرت خمسة مجاميع شعرية هي على التوالي: (غيوم 1922/ الاراضي المخبوءة1924 / المداخن 1927/ من اجل شجرة 1932 / الذنوب السبعة المميتة 1941) كما نشرت أربع روايات ، إثنتان منهما حازت على شهرة كبيرة ورواج وهما (الأزمة 1933 / المصل 1940 ). كما رسمت معاناتها في عدد من اللوحات المائية أثناء مراهقتها . 

نعم، هناك معنىً وهدف لحياتنا
لكن الدرب هو ما يستحق عنائنا.
"من قصيدة الخطوة من مجموعة المداخن" 

 حينما نقرأ نصوص كارين بوي للمرة الاولى نلمس الازدواجية بين الحلم والواقع ، كلماتها بسيطة ومعبرة جدا ونصوصها صدى لموسيقى أعماقها وقلقلها الروحي ونزعاتها الجسدية المنقسمة والمزدوجة.
 حياتها المليئة بالاحباطات والإنتكاسات النفسية إنحدرت نحو مسارات منخفضة بعيداً عن آمالها العالية التي تماثل (الغيوم/ مجموعتها الشعرية البكر). هذا التناقض الداخلي في قصائدها هو الذي منح نبرتها الشعرية بعدا يتعدى زمانها ومكانها. شعرها كثيف وشفاف بلا غموض يبلغ الأعماق النائية ويلامس إحباطنا وآلامنا جميعاً، كانها تمد يداً دافئة ًغير مرئية وتطبطب على أكتافنا المثقلة تيهاً وحيرة، عبر إلتياعها وعذابها الداخلي وشجاعتها في البوح.
ولدت كارين بوي في تشرين الأول عام 1900وعاشت الاحداث القاسية والرهيبة بين الحربين العالمتين، أحبت الرجال والنساء لكنها مالت الى النساء أكثر، وإشتاقت العودة الى ينبوع الموت كي تُغمر الى الابد، إنتحرت في أبريل 1941 لكن كل اطفال السويد الان يحفظون لها قصيدة او أكثر عن ظهر قلب. 


أمنية

 أريدُ أن أحيا بطريقةٍ صحيحة
وأموت بطريقة صحيحة أيضا.
دعوني أمسكُ الجوهر
في الأسى كما في الفرح
وأتمن أن أبقى ممسكة به
وسأبجلُ كل ما موجود هنا
 لأجل إنه إنوجد
ولا شئ أكثر.

لأفترض أن كل مابقي من حياتي
يوم واحد فقط
حينئذ أريد أجمل شئ تحتويه هذه الارض
أجمل شئ على الارض
وهو بكل بساطة، الصدق
لأجل الصدق وحده أستدعي الحياة للحياة
وأستدعي الحياة لواقعها.

العالم برمته
هو كأس زهرة الكاميلا،
قطرة ماء تهطل صافية
تستريح في أخضرها.
تلك القطرة ما زالت تهطل
وهي تفاحة عين الحياة
آه إجعلني قادرة على رؤيتها،
آه نقن !
"من مجموعة الأراضي المخبوءة"
______________________________

كيف يمكنني البوح

 كيف يمكنني البوح أن صوتك حلوٌ.
جلّ ما أعرفه انه يخترقني عميقاً،
ويجعلني أهتز مثل ورقة نبات
 ويمزقني إرباً ويفجرني.

وماذا أعرف أنا عن بشرتك وأطرافك
التفكير فيها يجعلني أنتفض لمجرد انها لك
ولهذا فلا نوم لي ولا راحة
الى أن تصير كلها لي.  
"من مجموعة الذنوب السبعة المميتة"

_____________________________________
عيوننا هي مصائرنا


عيوننا هي مصائرنا.
وحيدة تكبرين بمفردك أيتها العيون البائسة
بين النجوم التي لا ترأف
 بنا على طريقتنا الأرضية.
رأيتُ القليل .
ربما كانت أفكاري قد تغيرتْ،
منبوذة  تنمو ومهجورة
وغير آبهة.

 مقدسةٌ ، مقدسةٌ ، مقدسة
هي الحقيقة، الحقيقة المفزعة
أعرفها ، أنحنِ لها ،
لها كل الحق في الحفاظ على كليّتها.
لكن الجسد والدم يختلجان
الأحياء يلتمسون الحياة
الرفقة الإنسانية دافئة
 والفتور مزدرى .

 متضرعةٌ أهيمُ
عبر السنوات الثلجية المضيئة،
 أبحث عن من يُعينني
كي أقف في ضريحي
أستدعي بوجدان متوهج
عيوناً من زمن سحيق
تلك التي تاهتْ
في أمواج عزلتها.

ولهذا، أعجزُ عن النواح  
ولهذا، أمنحُ عرفاني.
للذين شاركتهم
بكل ما أعرفُ، بكل ما أتذكر.
وعبر العتمة أتلمس
البيت والرفقة.
أيتها العيون الحبيبة يا أختي!
عشتِ. وستبقين حية.

"من مجموعة لأجل شجرة"
__________________________________
 

نحن الذين لا نجرؤ على رؤية أنفسنا

القلة التي تجرأت  أن تحيا
"مباركون هم"
قد شُوهوا وذُبحوا مرةً إثر إخرى
من قِبلنا، نحن الذين لا نجرؤ على الرؤية.

إيقونات مظلمة
متناظرة، لها الحجم ذاته
صورٌ معلقة للأحياء المكتوين
بالتوتر بين الأغلبية القليلة.  
القرون صقلتْ عميقاً
ملامحهم الغريبة.
مثلما نطحن نحن توقنا
يوماً بعد آخر.
كما نلمع ونزخرف
كلّ ما في وسعنا
الى الحد الذي لا نميز فيه الروح عن التهذيب.

للبحث يذهب اليافعون،
عن النار التي تحرق
سيذهبون بعيون فارغة
تلك التي لن تجد شيئا
وسيتعذبون من جديد.
يال عذابهم! المساكين ،
لقد بددنا ثمرة ذواتنا المقدسة-
تلك التي لا تجرؤ على الرؤية

"من مجموعة الذنوب السبعة المميتة"
_______________________________

المصادر:

* "Karin Boye: Complete Poems"
 by David McDuff
Bloodaxe Books1994
*Karin Boye Society
 نشرت المختارات في مجلة نزوى العمانية  

الأحد، 29 مايو 2016

مدينة الموصل في رواية إماراتية

مدينة الموصل في رواية إماراتية: في معرض لندن للكتاب، وفي جناح مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، عرضت دار نشر قنديل آخر الإصدارات الروائية في منطقة الخليج، ومنها رواية «حارس الشمس» للكاتبة والمهندسة الإماراتية إيمان اليوسف التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة «جائزة الإمارات للرواية» مناصفة