الجمعة، 27 يونيو 2014

الفكاهة سلاحاً ضد الكراهية


الفلم الروائي فيلومينا 

 قصة إمراة إيرلندية حرمتها الكنيسة من إبنها
جودي دنش الممثلة البريطانية ليست غريبة على لعب الأدوار التي تمثل شخصيات حقيقية أو تاريخية، فهي قد مثلت الملكة فكتوريا الأرملة وقصة عشقها للموظف الإسكتلندي في قصرها جون براون في فيلم (Mrs. Brown) للمخرج )جون مادن(John Madden/ 1997، وهي التي أذهلتنا بتأديتها لدور الملكة إليزابيث الاولى في شكسبير عاشقاً 1998 للمخرج جون مادن أيضا والذي حازت عليه جائزة الأوسكار عن أفضل دور مساعد.
آخر أفلامها بعنوان فيلومينا الذي تشهد دور السينما في لندن عرضه خلال شهر تشرين الثاني الجاري، الفيلم مستوحى من قصة حقيقية لإمراة تحاول العثور على ولدها الذي أجبرتها الكنيسة الكاثوليكية وراهباتها على توقيع وثيقة بالتخلي عنه وباعته الراهبات بعد ذلك الى عائلة أمريكية دفعت ثمنا أعلى من غيرها للحصول على حق حضانته، ويبدو إن هذا الفيلم في طريقه للمنافسة على أوسكار السنة الحالية.
وفيلومينا (Philomena) شخصية حقيقية لازالت على قيد الحياة (78 عاما) تعيش في مدينة سانت ألبانس جنوب بريطانيا وقد ظهرت مع جودي دنش في العرض الأول للفيلم في مهرجان لندن السينمائي لسنة 2013 ، الفيلم مأخوذ عن كتاب مراسل البي بي سي مارتن سكس سمث (Martin Sixsmith)، الابن المفقود لفلومينا لي (The Lost Child of Philomena Lee) الصادر سنة 2009. 

تقول جودي دنش عن دورها في فلومينا : " شعرت بمسؤولية جسيمة عند تأدية هذا الدور لأن الناس تعرف فلومينا الحقيقية وعند مشاهدة الفيلم سيحاولون التعرف عليها من خلالي وآمل أنّهم سيوفقون". وتضيف إنها قضت وقتاً مع فلومينا الحقيقية وإنها كانت مأخوذة بضعفها وصرامتها وحس الفكاهة لديها وتقول إنها جعلتني أضحك، لكن عندما قرأت القصة أيقنتُ مدى شجاعتها وصبرها وقوة إيمانها، وقد برع المخرج في إبراز هاتين الميزتين (الضعف وحس الفكاهة الساخر) في شخصية فيلومينا بجدارة عبر تتابع أحداث الفلم.
الفلم من إخراج الانكليزي ستيفن فريز (Stephen Frears) ومن إنتاج مؤسسة الأفلام في هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي. تبدأ القصة عندما تشعر المراهقة فلومينا بانها حامل عام 1952 ولكون الحمل حصل خارج نطاق الزواج فهي في عرف إيرلندا الخمسينيات إمراة ساقطة، وتُرسل الى دير  لتقويم سلوكها يأوي البنات أمثالها ويدعى (روزكريا/Roscrea ) حيث يشتغلن بالغسيل ساعات طويلة للمؤسسات الحكومية كالسجون والمستشفيات والمدارس بإشراف الراهبات كنوع من أنواع التكفير عن الذنب الذي إقترفنه.
وأثناء وجودها في الدير تلد ويُؤخذ إبنها (أنتوني) منها ويبقى في رعاية الراهبات لكن يُسمح لها أن تراه ساعة كل يوم وعندما يبلغ عمره الثالثة يُغيب عنها نهائياً ويباع للتبني بخلاف رغبة الام. هناك مشهد مليء بالأسى حين يؤخذ الولد بدون علم إمه وتلتقي أعينهما للمرة الاخيرة، الولد في المقعد الخلفي للسيارة السوداء المبتعدة والأم من خلف سياج الدير، يُغير إسم الطفل من أنتوني الى (مايكل هيس) ويُربى في عائلة مرموقة ليكون محامياً ومستشاراً للرئيس الامريكي رونالد ريغان، لكن الام والإبن يحاولان العثور على بعضهما ويقودهما البحث لذات الدير الذي كان مسرحاً لقصهتما، لكن الراهبات يتقصدن إخفاء المعلومات عن كليهما.
وتبقى الام تحمل سرها وتبحث بصمت عن ولدها لمدة خمسين سنة الى أن تلتقي بمارتن سكس سمث مدير إتصالات سابق في حكومة توني بلير ومراسل سابق لهيئة الاذاعة البريطانية البي بي سي والذي يعيّ بحس الصحفي إن قصتها تستوجب مزيداً من الإهتمام والتقصي .
يؤدي دور مارتن سكس سمث في الفيلم الممثل ستيف كوجان والذي ساهم بكتابة السيناريو مع ستيف بوب . شخصية مارتن الملحد الساخر المنتقد للكنيسة، فهو يناقش فلومينا في مشهد يجمعهما وسط حقول إيرلندا الخضراء: " لماذا خلق الله فينا الرغبة الجنسية هل كان يتوقع منا أن نقمعها؟"، ظهور هذا الصحفي في حياة الام التعيسة كأنه إعتذار إلهي عن فقدانها إبنها وعدم قدرتها على رؤيته مجدداُ، فهما يظلان متحدين طوال مسار الفيلم، وبمساعدته تكتشف إن إبنها كان مثلي الجنس وأنه توفي بمرض الأيدز وهو مدفون في الحقل المجاور للدير الذي ولد فيه بناءً على وصيته، ويتشاركان (فلومينا ومارتن سكس سمث) عدة مشاهد ساخرة بينما ينفرد مارتن سكس سمث بمشاهد الغضب والحنق على الراهبات اللواتي عاملن فلومينا بقسوة لا نظير لها وحرمنها وإبنها المريض من فرصة اللقاء الأخير. 

ورغم الظلم والقسوة التي تعرضت لها فيلومينا على يد راهبات الكنيسة الكاثولكية التي إشتهرت بفضائحها الجنسية تجاه الأولاد وفضائح بيع الاطفال غير الشرعيين الى عوائل غنية، فانها ظلت تحتفظ بإيمانها الديني العميق الذي جعلها تسامح علناً من إقترفوا الظلم بحقها وفرقوها عن إبنها.
هذا فيلم يحمل رسالة إنسانية خالصة ويناقش قضايا الإيمان والشذوذ الجنسي وجرائم الكنيسة الكاثوليكية بإسلوب هادئ ومنساب بسخرية للحد الذي يجعلنا نضحك رغم الحزن ويبتعد عن الحقد والرغبة بالانتقام، مشاهد كثيرة مشحونة بعواطف حادة وبسيطة في ذات الوقت أجاد تأديتها ببراعة الممثلان الرئيسيان فيه (جودي دنش وستيف كوجان) وقد يجلب هذا الدور جائزة الأوسكار الثانية لجودي دنش كأفضل ممثلة لكن عليها أن تتنافس مع كيت بلانشيت عن دروها في فيلم (بلو جاسمين) و ساندرا بلولوك في (كرافتي )، ميريل ستريب في (أوغست : أوسيج كاونتي) وإيما ثومبسون عن دورها في (سيفنك مستر بانكس) وربما سيكون هذا هو الترشح السابع لها للاوسكار.

فيلومينا حاز على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان فينس للافلام 2013 ويقول عنه أحد النقاد أنه أفضل فيلم بريطاني يعرض بعد فيلم كنك سبيج (The King's Speech). 

لوسيان فرويد


 عبق الجسد في لوحة


شهد الناشنونال بورتريت كالري في لندن المعرض الإستعادي الأول للفنان البريطاني لوسيان فرويد، المعرض الذي أعقب وفاة لوسيان فرويد(2011)، خُططُ له في السنوات الخمس الاخيرة من حياة الفنان، شهد إقبال 175,000 الف زائر منذ إفتتاحه.  وقد مُددتْ أوقات الزيارة في آخر إسبوع للمعرض الى منتصف الليل لكي يستقبل أكبر عدد من الزائرين.   

هذا المعرض يوثق لحياة الفنان الشخصية والفنية وعائلته وأصدقائه ويُؤرخ هوسه بالألوان عقداً بعد آخر ويسلط الضوء على عظمة إنجازه الفني وتفرده. المعرض يرصد أيضاً فترة قريبة من تاريخ مدينة لندن من خلال عين لاقطة لا تهمد ولا تتعب بطريقة بهيجة ومستفزة في آن واحد.

لوحات لوسيان فرويد غريبة، معقدة وذات طبقات لونية متعددة وتعطي إنطباعاً مغايراً كلما نظرت اليها من زواية مختلفة أو تبعاً لدرجة القرب منها، هي غريبة لان لوسيان فرويد من رسمها، لأن عينه التي تحدق في الأجساد وضربات فرشاته وطريقة إبتكاره للجسد في فضاء اللوحة وفي فسحة الالوان، فيها الكثير من العنف والحنان في ذات الوقت.
هذا المعرض الشامل يظهر مسارات فرويد الفنية الإبتكارية، تصاعد إسلوبه الفني ويستعرض لغز الحاضر( وقت اللوحة) في أجساد شخصياته وملامحهم، كل أعماله تقريباً ولوحاته، بورتريهات للحظات او مواجهات أكثر من كونها أجساد في استديو الفنان، بغض النظر عن هوية صاحب اللوحة سواء كانت عشيقة أو بنت أو أم الفنان أو بارونة أو الملكة اليزابيث الثانية نفسها. 

بدأ لوسيان فرويد الرسم في سن الثامنة عشر( ولد في ألمانيا 1922) برسم بورتريت لإستاذه في كلية إيسد أنكليكان  (سيدرك موريس ) عام 1940 وهي أقدم اللوحات في هذا المعرض،  اللوحة الصغيرة  مشاكسة وساذجة بعض الشئ وتظهر تأثره المبكر بالتعبيرية والواقعية السحرية الالمانية. وقد طور إسلوبه بخطوط رقيقة ودقيقة وألوان صامتة كما  في لوحته ( رجل مع اشواك 1947 ). 


طَعّمَ  لوسيان فرويد لاحقاً واقعيته بنوع من قداسة الموضوع والسوريالية االمتهكمة. في لوحة ( فتاة مع هرة 1947) زوجة الفنان الاولى كيتي جيرمان تقبض بإحكام على رقبة هرةٍ صغيرة، وشعرها كأنما مسته رجّة كهربائية وكذلك حاجبيها وروموشها، يرسمها بدقة تخريمية كأنما ينقل رعب الخنق من الهرة الى المرأة، وهناك تناظر مخيف بين عيني المرأة والهرة. 

في لوحة (فناء داخلي كبير 1973) المرأة العارية جوكاتا إليوت وهي عشيقة الفنان تستلقي على سرير صغير بعينين تحملقان في سقف الغرفة بينما تجلس بجانبها أم الفنان، هناك دراما تناقض في هذة اللوحة، بدءً من أصابع يد المراة العجوز مع مثيلاتها عند العاشقة وإنتهاءً بالنظرة الحالمة للعاشقة والمنكسرة وغير المكتثرة للام ويضيف لوسيان نوع من ذروة تصاعدية في اللوحة برسمه مطحنة يديوية باطنها أسود كأنما هو فحم السنوات تحت كرسي المرأة المسنة. 

في لوحة (غرفة في فندق 1954) تستلقي زوجة فرويد الثانية كارولين وهي تعض خنصرها بتوتر بارد في زواية سرير فندق باريسي بسيط، بينما يقف في الظل الفنان ينظر لها وكأنه يستعرض ببرود نهاية العلاقة، الصباح هو الوقت الاكيد للمتمعن في دراما هذه اللوحة، النوافذ في الخلفية مشرعة وتوحي بحكايات قاتمة مماثلة. 


في (رجل مع إبنته 1963) التي رُسمتْ في ضاحية بادنكتون اللندنية حيث أقام الفنان فترة من حياته، كأنه يسطو على خزين من حقول الوجوه ويؤرشفها بالالوان المتضادة أحياناً، وجه الاب ذو الجرحين( كانه جرح موس الحلاقة) الذي ينظر للاسفل يحتضن إبنته ذات الوجه المتورد ويتشاركان ذات الملامح الممتلئة، حزنها أكبر من عمرها ولا يليق بطفلة. 


(رجل مع فأر1977) رجل أشقر وسيم يستلقي على أريكة في إستديو الفنان بينما يمسك بيده فأر يتدلى ذيله على فخذ الرجل بتناسق مع شكل أعضاءه التناسلية. 

 فند لوسيان فرويد طوال حياته التي إستمرت 9 عقود تقريباً، الرأي الذي يقول ان لوحاته التي تصور الناس بشخوصهم (العارية غالبا) وسيرته الشخصية المحمومة هي تتويج لمنهج الحداثة في الباطن الانساني ممثلة برموزها الفنية والادبية بيكاسو، بروست ورموز السوريالية وبرائد التحليل النفسي جده لابيه سيغموند فرويد. 
العرض البهيج للوحات الفنان الكبيرة التي تصور السيدة الضخمة المترجرجة (مراقبة الإعانات نائمة 1995)و لوحة (النوم على السجادة الممطرزة بصورة الأسد 1996) هاتان اللوحتان تنسجمان مع المعاصرة والاثارة في الرسم البريطاني المعاصر.



 يعد لوسيان فرويد أحد آخر رواد المدارس الحديثة للفن، مرحلة ما بعد التكعيبية التصويرية وقد اختار أن يتحرر من كل اسلوب لكن بتماس طفيف لتقاليد الرسم المتعارف عليها، هناك توازن واضح في لوحاته بين التقليد وبين الحداثة من خلال إسلوب متصاعد بهدوء، يستعرض التفاصيل بشفافية مذهلة وشاذة احيانا تجعل المتلقي قادر على رؤية طبقات الجلد والشعور بنعومته ايضا لشخوص لوحاته. 



في لوحة (صباح مشرق_ ثمانية سيقان 1997) يظهر ميل الفنان نحو السوريالية الجديدة، بؤرة اللوحة تتركز للوهلة الاولى في الرجل العاري ذو السيقان المنثنية وهو يحتضن كلب الفنان (بلوتو) الذي يميل برومانسية ناعمة لكن المتلقي سيصاب برعشة خوف طفيفة عندما يكتشف ان ساقين منثنيتان تنبثقان من تحت السرير، هل هو انعكاس الرجل العاري ام رجل آخر يستر عريه تحت السرير؟ 


يقول لوسيان فرويد انه عندما يرسم فلا يفرق بين أجساد البشر والحيوانات والاشياء فكأنما هو معنيٌّ بالجسد فقط لكن هل يثق المتلقي بكلام حفيد مؤسس التحليل النفسي وهو امام لوحات جسدية حقا لكنها تحفر في طبقات الجسد باللون حتى يخيل لنا في بعض اللوحات إن الجسد يتكلم لغة ما نفهمها جميعا لكن لا قدرة لنا على نطقها.

 

البورتريت الاخير الذي مات دون ان يكمله وتركه على الحامل هو(كلب الصيد 2011) الذي يصوّر صديقه ومساعدة (ديفيد دوسون) الذي يعرفه الفنان ب "انه يعرفني ويعرف أعمالي أكثر من اي شخص اخر"، اللوحة مندفعة ومنحرفة عن مسارها نوعا ما، تصوّر ديفيد المفعم بالحيوية يجلس عارياً وبجانبه الكلب السلوقي إيلي، دفق من الالوان الناتئة وطبقاتها المتراكمة لوناً فوق آخر بطريقة حرة لكن التناغم بين الشخص والكلب يحيلنا الى لوحة اقدم ب60 سنة وهي لوحة (بنت مع كلب 1950) حيث يصوّر فرويد زوجته الاولى ذات البشرة البروسلين وهي تعرض إحدى نهديها وشامته البارزة، تحدق بنظرة مليئة بالرعب بينما بتناقض ملحوظ يستلقي كلبها بهدوء في حجرها وكأنه يذوب بنسيج ثويها الوبري الاخضر. 

 

يعترف لوسيان فرويد ان لوحاته تمارس نوع من العداونية البصرية على المشاهد من خلال  الجنس والقوة (المرآتان اللتان دعا الجد فرويد القرن العشرين ان يرى نفسه فيهما) وهاتان الثيمتان الواقعيتان مرئيتان بوضوح لا يقبل اللبس في كل اعماله، عين الفنان نهمة مفترسة للاجساد العارية بكل تفاصيلها. في لوحة (انعكاس مع طفلين1965) يصور لوسيان نفسه على هيئة مسخٌ يُخيّم على الفضاء العلوي للوحة وكانه برج مشوه يعلو إبنتيه ( آيلي وروز). 


أخيراً، ان كل لوحة في هذا المعرض هي حكاية قائمة بذاتها بكافة تفاصيلها فهي تقول وتُدهش، تُقلق وتغوي وتقنع بجدواها.