الأربعاء، 17 فبراير 2016

الحضور النقي

معرض النحات العالمي ألبرتو جياكوميتي 

عام 1919 سأل جيوفاني جياكوميتي الرسام السويسري ما بعد الإنطباعي إبنه البكر ألبرتو " هل تريد أن تصبح رساماً؟" كان جواب الأبن سؤالاً أيضا، لنفسه وليس لأبيه " رساماً أم نحاتاً؟".
ميزة المعرض الذي أقامه الناشنول بورتريت كالري في لندن وبعنوان (الحضور النقي) إنه لا يروي بإسلوب أكاديمي جاف السيرة الفنية لألبرتو جياكوميتي الذي يعد أهم نحاتي القرن العشرين، وكأن الفنان يعيش في عزلة، أو كأن الإبداع الفني لعبة فلسفية سامية بعيدة عن الواقع. وعبر هذا المنظور فان الزائر سوف يعي إن جياكوميتي بدأ مشواره الفني كواحد من السوريالين أمثال آندريه بريتون، خوان ميرو، بيكاسو، وماكس إرنست الذين تعرض صورهم الشخصية مع جياكوميتي في القاعة الثانية من المعرض المخصصة للصور الفوتغرافية، لكن جياكوميتي رفض الأفكار الفرويدية لاحقا وتبنى الإسلوب الرمزي، رغم انه أبدع منحوتات سوريالية مدهشة مثل عمله النحتي المروع (أمراة محزوزة الرقبة /1932).
 الزائرلهذا المعرض لن يعثر على منحوتات جياكوميتي السوريالية أوالمرعبة، لكنه سيكتشف وجهاً آخر لهذا الفنان، وقصة اخرى لا تركز على مرحلة باريس التي كان جياكوميتي أبرز رموزها الفنية بعد وقبل الحرب العالمية الثانية . هذا المعرض يروي سيرة علاقته الحميمة مع أمه وأبيه وإخوانه وزوجته وأصدقائه.
 يبدأ هذا العرض حيث ولد ألبرتو جياكوميتي في مقاطعة (ألباين) في سويسرا عام 1901 المتاخمة للحدود الإيطالية، بدأ الرسم حين كان في العاشرة بتشجيع من أبيه، في القاعة الأولى يُعرض أول تمثال له وهو رأس برونزي لأخيه دييغو، نحته حين كان في الثالثة عشر من عمره، وخلال أربعة عقود سيستمر جياكوميتي بنحت تماثيل لأخيه،  حيث يعرض التمثال النصفي المذهل لدييغو  1955 في القاعة الأخيرة من المعرض، حيث يضع جياكوميتي رأساً حاداً رقيقاً فوق جزءا علويا لجسم نحيل أيضا، لكنه يستعمل الزوايا المضادة في هذا العمل، فالزائر إما سيرى وجهاً بملامح كاملة فوق أكتاف مسطحة أو وجهاً حاداً مثل شفرة سكين فوق إسطوانة الصدر البرونزية الكبيرة. قد يثير هذا العمل الضحك وأيضا قد يثير السؤال والغور في لغز تضاد الزوايا هذا.  لايمكن أن يُختزل فنان ما في عمل واحد لكن جياكوميتي كان يرسم ويخطط وينحت تماثيل لأخيه دييغو طوال حياته  كأنه أراد أن يقبض على كينونة أخيه الإنسانية، لكنه كلما شعر بالعجز (أو هكذا خيل إليه) يستمر في نحت ورسم  دييغو مرارا وتكراراً، فالإنسان عصي على التوصيف.      

في سنواته الاخيرة 1960-1965 كان ألبرتو جياكوميتي مهووسا برسم حبيبته الشابة المتمردة (ايفون بويرادو) التي أطلق عليها في لوحاته اسم كارولين، عاشت كارولين وسط المجتمع الوجودي والبوهيمي الباريسي مع بائعات الهوى وعصابات الإحتيال والسرقة وموجة السينما الجديدة. 
عُلقت لوحات كارولين التي تبدو للزائر كأنها لقى أثرية، مع بعضها في القاعة الأخيرة للمعرض،  تبدو ملامح كارولين كأنها منسوجة بخطوط الفرشاة مثل شبكة عنكبوتية تتدلى منها خيوط متموجة من البني والرمادي، كارولين التي أنقذها جياكوميتي الذي كان في أوج شهرته الفنية حينئذ، من السجن بتهمة السرقة، ولم يتوقف عند هذا الحد بل أسبغ عليها بلوحاته كبرياء وأنفة وصورها كأنها أميرة تائهة في الدهر، أو كأنها ملكة فرعونية مجهولة، كارولين تلك الفتاة المشردة المنسية أخذت مكانها في الخلود مثل المومياءات المصرية المحفوظة جيدا عن التحلل، كصورة ورمز مهيب للغز البقاء الذي لا بديل للانسان عنه.   
 بعد الحرب العالمية الثانية كانت أوربا مقبرة طازجة لا تزال تربتها هشة من دفن الموتى والأنقاض التي خلفتها الحرب، وفي باريس تحديدا، كان جياكوميتي الفنان الوحيد الذي وجد شيئاً جديداً لكي يقوله يوازي رعب الموت والفناء، وعَبَرَ بفنه عن جسامة الحدث الذي تعرضت له أوربا في الحرب الثانية. لقد حفر فن جياكوميتي المختلف جوهر الانسان، بدائيته وغريزته النيئة، ببديهية بسيطة جدا لكنها حيوية ومدهشة ، هذه الحيوية الانسانية  المتجلية في منحوتات ألبرتو جياكوميتي، أصبحت بعد سنوات الخراب والحرب تلك، صورة جديدة للأمل المنشود، كأنها فرصة نحيلة أخيرة للنجاة.   


من أهم الأعمال المعروضة أيضاً هو تمثال المرأة الطويلة النحيلة المصبوبة من البرونز من مجسم طيني مضفور بخشونة، هذا التمثال الذي فار بمسابقة بينالي فينسيا 1956والذي لفت الإنتباه لجياكوميتي كفنان مجدد، تقف كأنها تتضرع للسماء بسكون أزلي في مواجهة الزائرين المتفرسين بها من جميع جهاتها.
يكاد لا يخلو متحف من متاحف الفن الحديث من مجسمات جياكوميتي البرونزية هذه، لكن الجميل في هذا المعرض إنه ليس تجميعاً لأعمال جياكوميتي البرونزية من متاحف العالم، بل هو معرض عن جياكوميتي الأنسان  والناس الذين أثروا وأثروا بحياته وعن العاطفة والشعور بالإنتماء والشغف الانساني الذي من خلاله إستطاع هذا العبقري السويسري خلق رؤيته الملتبسة للجسم البشري.
القاعة الثانية لهذا المعرض خُصصتْ للفوتغراف، صورة للبيت الكبير على قمة التل في منطقة الألباين السويسرية  حيث الذي ولد جياكوميتي عام 1901 وتربى وحيث سيعود دائماً لهذا البيت، صورة أخرى تجمعه بوالديه وأخويه وأخته وهو طفل، صورة لمشغله في باريس قبل الحرب وصورة اخرى تجمعه مع السورياليين. صورة لأمه (أنيت) التي ربطته بها عاطفة قوية  جالسة وسط مشغله، كما فعل مع أخيه دييغو، لم يكف جياكوميتي عن رسم ونحت أمه التي أحبها جدا طوال حياته، في البورتريت الذي رسمه لها عام 1947 تبدو كأنها تضمحل وتتلاشى وتنزلق بعيدا عنه الى عالم غابر، هيئة شبحية وسط محيط من ظلال نحاسية كأنه تنبأ بموتها في هذه اللوحة.  صورة زواجه من موديله وحبيبته (أنيت آرم) عام 1946 ، صورة اخرى مع عشيقته الباريسية كارولين عام 1962 .        


فرصة نادرة أتاحتها إدارة الناشونال بوتريت،  للزائر كي يشاهد أعمال ألبرتو جياكوميتي الاولى، منحوتاته الاولى متأثرة بفنان عصر النهضة الايطالي (دوناتلو 1386-1466 )، حيث شاهد جياكوميتي تماثيله في زيارة له الى فلونسا عام 1920، أما لوحاته الأولى فهي بلا شك متأثرة بإسلوب أبيه الذي ينتمي الى مرحلة ما بعد الأنطباعية.
 هذا المعرض يقربنا من جياكوميتي الإنسان بعيدا عن رواد الصرعات الفنية البوهيميين الذين عكس فنهم أفكارهم الباريسية في بداية القرن العشرين. جياكوميتي كان وثيق الإرتباط بعائلته، كان يعود دائما الى سويسرا  والى البيت الذي ولد فيه، ودائما يرسم اللوحات تلو اللوحات لأفراد عائلته ولأصدقائه مثل الشاعر اليساري لوريس أراغون والكاتب البوهيمي جان جينيه.
كأنه كان مهوسا بعمل فني بسيط جدا وهو تدوين ملامح الناس القريبين عليه، هذا الهوس يجري كنهر من الأعمال الفنية عبر هذا المعرض ومن قاعة الى اخرى. ليس مهما اذا كان جياكوميتي ينحت تمثال نصفي لأبيه الملتح أو يرسم وجه اخته  الشهواني والصارم في آن واحد. انه لا يستخدم موديله كأداة لإستعراض إمكانياته الفنية، هو بكل بساطة يحاول أن يكون محايدا وعقلانياً، وينحاز لفنه فقط.    


السبت، 13 فبراير 2016

غويا آخر الكلاسيكيين ورائد التعبيرية


غويا آخر الكلاسيكيين ورائد التعبيرية 



يتيح الناشنول كالري في لندن فرصة  نادرة لزواره لمشاهدة معرض ( غويا الصور الشخصية)، حيث تجمع إدارة الكالري 70 لوحة بورتريت لغويا، تستعيرها من المتاحف في أنحاء العالم.
فرانسيسكو غويا المولود عام 1746 في مقاطعة الأرغون الإسبانية يُعَدُ أهم الفنانين الإسبان في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، الفنان الذي صور في لوحاته الفنية  كل تفاصيل البلاط الملكي بحكم منصبه  كرسام القصر،  لكنه صور ووثق أغلب الأحداث التاريخية الكبرى في عهده، مثل المقاومة التي واجهت نابليون أثناء إجتياحه لإسبانيا، كما في لوحته المشهورة (الثالت من مايو/ 1808).  غويا رسام الكوابيس الليلية السوداء والكائنات المشوهه والأشباح والشياطين، أثر بأجيال لاحقة من الفنانين منهم بيكاسو ومانيه كما ألهمت ثيمات جدارياته الكابوسيه السورياليين وتحديداً سلفادور دالي.
 يشعر الزائر إن جدران الجناح  حيث يقام هذا المعرض مشبعة بروح الفن الكلاسكي، تماماً مثلما  تشبعت ذات الجدران بنفس الروح في معرض رامبرانت المذهل في بداية عام 2015 ، حيث رُتبتْ قاعات العرض السفلى باللوحات  والبورتريهات التي توثق التفاصيل اليومية للطبقة الأرستقراطية والأمراء والملوك في إسبانيا خلال الفترة النابولونية.
إمتلك غويا موهبة سبر أغوار الشخصية موضوع اللوحة أو ربما رؤية  سايكولوجية فريدة لا تقتصر على الملامح فقط بل تتعداها الى الهيئة الكلية للشخصية  ومن هنا تكمن أهمية هذه البورتريهات التي تشبه أصلها  لكنها غريبة عنه بذات الوقت. براعة غويا في فن البورتريت أهلته أن يصبح رسام القصر الملكي الأول وكان قبل ذلك رسام للعديد من العوائل الأرستقراطية والشخصيات التنويرية. براعته الفنية مكنته أيضاً من النجاة  بشكل ما خلال حقبة إحتلال نابليون لإسبانيا التي تعتبر من أكثر الحقب إضطراباً.
يستقبل الزائرون في القاعة الاولى بورتريت شخصي لغويا يعود الى عام 1780، كأنه يرحب بالزوار بنظرته المركزة وشعره الأسود، ويدعوهم الى الدخول الى تفاصيل الحياة الإسبانية خلال القرن الثامن عشر. يتزاحم الزائرون حول لوحة (عائلة دون لويس دي بوربون/ 1784) وهي لوحة كبيرة وأول  بورتريت رسمها غويا، ويبدو فيها الأمير دون لويس وعائلته في مشهد يومي عادي، خادمة تمشط  شعر الزوجة الأميرة  بينما الأمير يمارس لعبة الورق على منضدة، يقلد غويا في هذه اللوحة "بطريقته" أستاذه فيلاسكوز،  فهو يرسم نفسه داخل اللوحة أثناء رسمه لعائلة الأمير، يضع نفسه في الجانب الأيمن (مبعث الضوء) الذي ينير بقية تفاصيل اللوحة،  وكما في لوحة فيلاسكوز(وصيفات الشرف/ 1656) ، تبدو الطفلة الأميرة(رمز البراءة) قريبة من الفنان (مصدر الضوء)، هناك طاقة حركية وحيوية مذهلة في هذه اللوحة  تطغي حتى على الألوان.    
 لوحة (دوق ودوقة أوسونا /1788 )، فيها من الكثير من الرقة والحنان كما في انحناءة وقفة الدوق الاب وهو يمسك يد طفلته، رغم العيون المفتوحة  لهذه العائلة التي تجعلهم بهيئة تماثيل بشرية او آلهة، يصور غويا في هذه اللوحة أيضا اللعب التي كان يلهو بها اطفال العوائل الأرستقراطية كما إنه يوثق للأزياء وتسريحات الشعر والإكسسوارات والأثاث.  
في القاعة الاولى ايضا، لوحة  شائعة للملك شارل الثالث(1716-1788)  الذي إشتهر بقبحه لكن غويا يظهره  بمظهر بسيط مسترخٍ وبملابس الصيد بعيداً عن الرداء الملكي والأوسمة، كأن الفنان أراد أن يقرب بين الملك ورعيته بان يرسم الملك، إنساناً أولاً. 

 رسام الشخصيات التنويرية الاسبانية
عام 1785 عُين غويا رئيساً لأكاديمية سانت فرناندو الملكية للفنون، وعام 1786 أصبح الرسام الرسمي للملك.   لكنه أيضا كان  جزءاً من الحركة التنويرية السياسية والاجتماعية التي شهدتها اسبانيا خلال بين عامي (1797_1798 ) في عهد الملك شارل الثالث، وكثيرا من اصدقاء غويا ومجايليه مُنِحوا مناصب مهمة في إدارة الدولة كجزء من سياسة الإصلاحات التي قام بها الملك نتيجة مدّ الثورة الفرنسية.  
لوحتان مقترنتان ببعض رسمهما غويا بالتعاقب، مرسموتان بدقة في إلتقاط التفاصيل، بلمسة إنطباعية وانسياب فريد، تصوران إثنين من أبرز الإصلاحين الإسبان في القرن الثامن عشر، لوحة المفكر المهموم (كاسبار ملكور دي جوفيليانوس/ 1798) الذي إستدعي من منفاه ليصبح وزيرا للعدل، ولوحة (فرانسيسكو دي سافدرا/1798) وهو خبير إقتصادي ليبرالي مُنح منصب وزير الاقتصاد. كلا الرجلين يبدو بوقار كبير،  جالسين في مكان عملهما أمام طاولة كبيرة وأوراق، غويا يسحبنا بلا وعي منا الى المقارنة بين اللوحتين، فوزير العدل يجلس جلسة مفكر كأنه يحاور أفكاره ، منحني الظهر ويسند رأسه بيده، بينما نرى وزير الاقتصاد يجلس بتوثب، مستقيم الظهر كأنه يتأهب للوقوف. اللوحة الأولى لرجل يفكر بينما الثانية لرجل يعمل، اللوحتان تعرضان معا للمرة الاولى حيث جمعتا من متحف البرادو في مدريد والثانية من كالري الكورتولد في لندن .   
هناك إختلاف بَيّن في إسلوب تصوير الشخصيات، تبدو الألوان والخطوط  وضربات الفرشاة مسترخية وهادئة  حين يرسم الفنان أصدقائه،  بينما يبدو أكثر تشجناً حين يرسم أفراد العائلة المالكة والاقطاعيين الإرستقراطيين. 


 تحلق الزائرون أيضاً أمام لوحة ( دوقة إلبا/ 1797 )، واقفة بثوب أسود من الدانتيل مع تسريحة شعر عالية ووشاح أحمر في خصرها، وخلفها نهر وأراض شاسعة تعود لها، رغم  جمالها المتواضع  لكنها تبدو قاسية الملامح ومعتدة بنفسها، تقف بإنحناءة حميمية إحدى يديها مزينة بخواتم تشير الى الرمل حيث تقف، مكتوب على الرمل (غويا فقط)، هذه العبارة تُحمَلْ على مضمورين أو كلاهما فهي تشير الى علاقة حميمية بينها وبين الرسام ومن ناحية أخرى الى إعتداد الفنان باسمه، حيث يصبح الاسم ثيمة موحية  في كلية اللوحة.  
 لوحة (فرديناند السابع في الرداء الملكي/ 1814 ) وهي اللوحة التي أعقبت عودة فريدناند من منفاه وإستناف غويا عمله كرسام أول في القصر، من أبرز مهامه رسم صورة رسمية للملك فرديناند بالرداء الملكي والصولجان الذي هو تعبير عن السيادة التي إغتصبها نابليون ثم أُعيدتْ له بفضل تدخل الجنرال الإنكليزي ولنغتون (يعرض له بورتريت أيضا) وجيشه وطرده للفرنسيين. يصور غويا يد الملك وهي تقبض على السيف المعلق الى خصره، توحي بالنفوذ والقوة المطلقة،  ورغم التفاصيل المزركشة والمبهرة الألون في هذا البوتريت، يبدو غويا كأنه يسخر من الملك، فقد أعاد هذا الملك سلطة محاكم التفتيش وإعتقل الكثير من أصدقاء غويا، شعر الملك الفاحم الذي يؤطر وجهه الخبيث، أنفه المفلطح، والذقن المربع الناتئ، والنظرة التي تضمر الشر وإنعدام الأكتاف  كلها توحي بالسخرية وليس التبجيل.   



يودع  غويا زائريه في القاعة الأخيرة ببورتريت شخصي مثلما إستقبلهم، صورة له وهو على فراش المرض مع طبيبه (دكتور أريتا). عام 1819 أصيب غويا وهو بعمر الثالثة والسبعين بمرض غريب أفقده السمع وكاد يقتله وهذا البوتريت هو عرفان لجميل الطبيب الذي أنقذ حياته ويسميه (صديقي أريتا)، يصور غويا نفسه منهك وشاحب بفعل المرض بينما يصور طبيبه بإجلال، هذا الطبيب نفسه سيسافر لاحقا الى أفريقيا لعلاج الناس من وباء الطاعون لكنه لن يعود أبدا. البورتريت مشبع بالرقة والإنسانية يبدو فيه غويا ضعيفا على فراش مرضه يمسك بأغطية سريره بينما يسنده طبيبه بذراعه ويده الأخرى تقدم له الدواء،  هناك هيئات غامضة تقف بالعتمة خلف السرير، أحدها على شكل راهب يحمل وعاء  كأنه يتأهب لتأدية طقس ديني، أو قد يكونون هيئات شيطانية تنتظر أن تخطف روح الفنان. البورتريت ربما يكون بداية للجداريات الضخمة التي رسمها لاحقاً والتي عُرفتْ باسم كوابيس غويا. يوضح هذا البوتريت التناقض الذي يعتمل داخل الروح القلقة لهذا الفنان فهو رجل يؤمن بالسحر والملائكة والشياطين ومن جهة اخرى كان إبن عصره ويثق بالعلم والطب. 
 بورتريهات غويا مباشرة وغير مثيرة للجدل كما أعماله السوداء، تمنحنا القدرة على تتبع تطور أساليبه التعبيرية والفنية وعلى تتبع حياته الشخصية،  فقد كان من مؤيدي الفكر التنويري والإصلاحات، وهو أيضا رجل عائلة وصديق مخلص وإنسان يجد متعته الحقيقية في تصوير تفاصيل الناس وحياتهم. يُعد هذا العرض المخصص لبورتريهات غويا بحق أهم عروض نهاية سنة 2015  في العاصمة البريطانية، فهو يستدعي فنان كلاسيكي لكنه ثائر على تقاليد الرسم بذات الوقت وهو المبشر الحقيقي للمدرسة التعبيرية، حين بلغ 74 من عمره كان أصم تماماً ونص مجنون لكنه كان حاد البصر كي يستقرأ نهايته ويخلدها بلوحاته.

نشر المقال في صحيفة الشرق الأوسط 

الأحد، 1 نوفمبر 2015

166 عام على رحيل إدغار ألن بو


وكيف لا نموت من قلة الشعر يا إدغار ألن بو 

لا يزال الغراب في غرفتي
مهما توسلت ليس ثمة كلمات تسترضيه
ليس ثمة دعاء للتخلص منه
حيث توجب علي سماعه الى الأبد. 


كان الجو ماطراً في الثالت من إكتوبر عام 1849 لكن ذلك لم يمنع (جوزيف دبليو ولكر) وهو عامل في مطبعة من الخروج من بيته متوجهاً الى مركز للإقتراع للإدلاء بصوته، حين عثرعلى رجل يهذي وبحالة مزرية ملقى على رصيف بالقرب من مركز الإقتراع، كان الرجل يرتدي ملابساً رثة غير ملابسه، نصف فاقد للوعي وغير قادر على تفسير كيف انتهى الى هذه الحالة، نُقلْ هذا الرجل الى إحدى المستشفيات حيث قضى أربعة أيام متأرجحاً بين نوبات الهذيان والهلوسات البصرية وينادي بكلمة واحدة هي (رينولد) ، لم يُعرف من هو رينولد لحد الان، وجاء تقرير المستشفى بعد ذلك كالآتي: "تمّ التعرّف على الرجل المجهول والمتسكع الذي مات على حافة الطريق، أنه الشاعر إدغار ألن بو".
غادر إدغار ألن بو مدينة ريتشموند في ولاية فيرجينا قبل ذلك بخمسة أيام، في طريقه الى مدينة فيلاديلفيا ولحد الان لا يوجد أي تفسير لتواجده في مدينة بالتيمور، مات بعمر الأربعين في السابع من أكتوبر بعد سنتين من موت زوجته وحبيبته فيرجينيا إثر إصابتها بمرض السل، المرض ذاته الذي توفيت به أمه وهو بعمر السنتين. 
هناك عدة نظريات لتفسير موته الغامض، يعتقد البعض إنه قُتلْ من قبل عصابة تستغل بعض الناس الوحيدين للتصويت عدة مرات لمرشح واحد بعد أن يبدلوا ملابسهم ويفقدوهم الوعي بالخمر والضرب المبرح، والبعض الآخر يعزي السبب الى تناول الكحول المفرط أو الى أمراض معينة مثل داء الكلب أو الإنفلونزا. وسوف سيبقى سبب موت إدغار ألن بو غامضاً وملتبساً، كأن موته قصة اخرى رتبها بنفسه لتليق بنهاية كاتب كان له الفضل في إجتراح أدب الرعب والقصص البوليسية.   
موته الملتبس كما توتره وكآبته وقلقه ومواهبه الخارقة التي شكلت شخصيته الإبداعية المغايرة، والتي لم يفلح الدارسون حتى اليوم في تفكيك كل ألغازها وفي دخول كل سراديبها، وظل علامة التجديد والابتكار في الأدب الاميركي، ومثالاً على عراك لا يهدأ مع الهواجس والوجود. وصفه البعض بأنه أغرب شخصية في تاريخ أميركا الشعري والأدبي، وستبقى قصائده ترتل آلامه ومعاناته، وكل الأمريكيين تقريبا قرأو قصصه القصيرة مثل (جريمة قتل في المشرحة والحشرة الذهبية)، كما إن قصيدتيه الغراب وأنابيلا لي كما بقية أعماله الأدبية لا زالت تحظى بشهرة  بين القراء في جميع أنحاء العالم.  
عام 2014 أقامتْ له بلدية مدينة بوسطن وهي مسقط رأسه، تمثالاً بالحجم الطبيعي، يتوسط تقاطع شارعين في مركز مدينة بوسطن، التمثال يجسد إدغار ألن بو وهو يرحل عن بوسطن (لأنه كان يكره البقاء فيها)، فاتحاً معطفه للريح مثل يده ويحمل حقيبة مفتوحة يطير منها غراب بحجم أكبر من الطبيعي وخلفه يترك كتبه وقلبه مقطوع الشرايين والأوردة ، التمثال من تصميم النحات ستيفن روكناك. 
مدينة بوسطن ليست وحدها التي إحتفتْ وكرمتْ إدغار ألن بو، فقد أقامت له مدينة ريتشموند حيث تربى بعد موت والديه، متحفاً أُفتُتِحْ عام 1922 ، كذلك أقامت له مدينة فيلاديلفيا حيث أقام عدة سنوات، متحفاً في البيت الذي سكنه مع زوجته فرجينيا وأمها عمته (ماريا كليم).
يزور معجبو بو في نيويورك الكوخ الذي قطنه في برونكس حيث عاش أصعب فترات حياته، حيث توفت حبيبته وزوجيته فيرجينيا وعانى العوز وكتب قصيدته الشهيرة (الغراب)، السرير الذي إستسلمت فيه فيرجينيا للموت بمرض السل لا يزال على حاله في هذا البيت.
لكن اسم أدغار ألن بو إرتبط  بمدينة باليتمور بسبب موته الغامض على أحد أرصفتها، لذلك كرمته المدينة عام 1996عندما أطلقت عنوان قصيدته (الغراب) على فريقها بكرة القدم. لم يكن هذا هو الإحتفاء الوحيد الذي حظي به بو في مدينة بالتيمور، فهناك شخص مجهول يرتدي معطفاً أسوداً وقبعة (ربما يكون أكثر من شخص واحد)، يضع ثلاث وردات حمر وقنينة كحول على قبر الشاعر إحتفاءاً بميلاده في الثالث من إكتوبر من كل عام، إستمر هذا التقليد لمدة سبعة عقود من الزمن، وتوقف عام 2009 لأسباب مجهولة (ربما لوفاة هذا الشخص).  

سحر أدغار ألن بو هوليوود والسينما العالمية، حدّ إن نجوم الروك ونجوم السينما في بدايات القرن العشرين وحتى السبعينات منه تأثروا بتفاصيل من حياته، من عادة إرتدائه للملابس السوداء الى الإهمال والبوهيمية وصولاً الى حد تبديد موهبته وقريحته الشعرية، الى الإدمان على الخمر وتدمير الذات ومقاربة الموت وملامسة أطيافه ومحاكاته عبر شخصيات إبتدعها وجعلها تعيش موتها قبل الموت أحياناً، ولعل اشهر فلم مستوحى عن آخر أيام حياته هو فلم (الغراب/ 2012 ) للمخرج جيمس ماكتيك. وسيشهد نهاية  شهر أكتوبر من السنة الحالية عرض فلم أنيمشن بعنوان ( حكايا إستثنائية) مُستلهم من قصص بو القصيرة مثل (القلب المليء بالقصص، والحفرة، والبندول) يهدف هذا الفلم الى تقديم أدب إدغار ألن بو الى الجيل الجديد بطريقة عصرية. 
الممثل البريطاني (إدريس البا) سوف ينهي عن قريب فلمه الجديد المأخوذ عن رواية (يجب على بو أن يموت) للروائي الأمريكي (مارك أولدن)، والذي يتخيل فيها إن قوى شيطانية تهدد مستقبل البشرية ويقع على عاتق إدغار ألن بو نصف المجنون والمخمور دائما، إنقاذ البشرية من هذه القوى الشريرة بواسطة قوة خياله.   
لماذا يستمر القراء في القرن الواحد والعشرين وفي مختلف أنحاء العالم بقراءة النتاج الأدبي لكاتب مات مبكراً في القرن التاسع عشر؟ يحاول الناقد الأمريكي لمجلة لوس أنجلوس تايمز(ديفيد يولن) الإجابة على هذا السؤال: " يجسد إدغار الن بو في أعماله بشكل مميز التوتر في المجتمع الأمريكي، بين النزعة الجماهيرية والنزعة الأدبية، بين ما يحدث على السطح وما يحدث في الخفاء."   
رحل إدغار ألن بو عن عالمنا قبل 166 سنة لكن من الصعب نسيان إبداعه الأدبي أو حياته الحزينة أو حتى موته المحير، يوماً ما.

 نشر المقال في صحيفة الشرق الأوسط

الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

الجسد إكتشاف إغريقي

كمال الجسد في منحوتات الحضارة الإغريقية، معرض في المتحف البريطاني
  
 

حين ولجتُ باب القاعة الأولى لمعرض )تعريف الجمال( في المتحف البريطاني، كأني دخلتُ الى عالم سحري لا يمت بأية صلة الى العالم خارج هذه القاعات، وكأنما بوابة مغارة جمال منسية قد فُتحت لزوار هذا المعرض المدهش.

يكشف هذا المعرض جذور الهوس المعاصر بجمال الجسد وفتوته وتناسق عضلاته في مجتمعاتنا الحديثة، حيث منحوتات الجمال الأغريقية تؤكد هذا الهوس التاريخي بالجسد وإبراز مفاتنه في جميع مراحل الحياة وفي شتى تفاصيلها. 
150 عملاً فنياً بين فخاريات ومنحوتات من المرمر والبرونز بعضها من مقتنيات المتحف البريطاني وبعضها من مقتنيات شخصية، مثل تمثال أفروديت وهو من مقتنيات الملكة إليزابيث الثانية، وكذلك إستعارات من متاحف عديدة. كل الأعمال المعروضة إبتداءاً من القرن الخامس قبل الميلاد تؤكد قدرة الفنان الإغريقي على تغيير مفاهيم الجمال الجسدي، بل قدرته على القيام بثورة في تمثيل الجسد البشري بإعتباره جوهر ومجرى ديمقراطية أثينا (أول مجتمع ديمقراطي في العالم)، كان الإغريق يحتفون بالجسد البشري بتمثيل طبيعته الفطرية المثالية، العري الذكوري دليل على الصفاء والحكمة والقوة، فعندما يخلع رجل إغريقي ثيابه في حلبة المصارعة أو حلبة الألعاب الرياضية فأنه يرتدي لباس الصالحين والمكتملين. ونتيجة لهذه الفطرة الإغريقية التي تنشد الكمال، التجرد من الثياب بالطبع، وهذا جليّ في منحوتات المعرض التي تبرهن هذا السلوك الإغريقي الإستثنائي والأصيل  لتمثيل الجسد الذكوري فنياً وبخلاف كل الحضارات القديمة الأخرى مثل الحضارة الآشورية والفرعونية التي تقرن العري بالخزي والإستكانة والخضوع، كان الإغريق يقرنون العري الكامل بالبطولة والتباه والنضوج الإنساني والإستعداد للحرب. لذا فأن التقييم الجمالي للجسد في عصرنا الراهن يرتكز ويستلهم قيمه من منحوتات الفن الإغريقي المرمرية والبرونزية وفخارياته التي أصابت زوار المعرض بالدهشة لدرجة الإتقان التي تمتع بها الفنان الاغريقي وكذلك أفق الحرية المشرّع لفكره وفنه بلا حدّ، لكي يبدع هكذا منحوتات . الإنسان هو مركز العالم في الحضارة الإغريقية وهو حر بإختياراته وفكره وجسده خير تمثيل لهذه الحرية، وكما قال بروتاغوراس الفيلسوف الشكاك اليوناني:( إن الإنسان هو مقياس كل شئ، الموجود وغير الموجود).
أبرز منحوتات المعرض هي:   
إفروديت الرابضة وهي تتأهب لحمامها، التمثال بحجم أكبر من الحقيقي، يعود تاريخه الى القرن الثاني الميلادي وهو تقليد روماني للأصل الإغريقي. التمثال من المقتنيات الشخصية للملكة إليزابيث الثانية. أول تمثال يفتح مغارة الجمال الإغريقي ، إفروديت التي تعطي ظهرها لزوار المعرض، تجعل من يقترب منها يشعر بروعة هذه القطعة الفنية وإستثنائيتها، كأنه يقع في خطر الإقتراب من آلهة الجمال، ظهرها الصقيل المسطح ورأسها المائل بنظرة قوية من فوق كتفها الأيمن وذراعها اليمنى تستلقي فوق كتفها الأيسر، كأنها تستفز جميع حواسنا وتغوينا بالإقتراب، فندور حولها عدة مرات نتأمل دقة وبراعة النحت الإغريقي، هذه المنحوتة تغوي بالترحيب لكن بعد تفحص لملامحها ندرك إن نظرتها تحذيرية وليست ترحيبية. 

في القاعة الأولى أيضاً يستقبلنا تمثال إغريقي برونزي بالحجم الطبيعي لمبارز عارٍ بالحجم الطبيعي ينظف جسده بأدة معدنية بعد التمرينات الرياضية وقبل الإستحمام، إنتُشلَ هذا التمثال عام 1999من البحر على ساحل مدينة (لوشين/ Lošinj) في كرواتيا وهو يعرض لأول مرة في المملكة المتحدة.
تمثال لإله النهر ( نهر إيلسيز/ Ilissos) يعود تاريخه الى (438-432) وهو أحد تماثيل معبد البارثينون في إكروبوليس أثينا، وهو تمثال إغريقي أصيل على خلاف أغلب منحوتات المعرض الأخرى التي هي نسخ رومانية عن الأصل الإغريقي المفقود.  تمثال بلا رأس، مكتمل الفتوة مستلق كأنه يريد رفع نفسه على صخرة، حركة الجسد والعضلات  خير تمثيل على إنسياب الماء وموج النهر المرواغ . من يقترب من هذا التمثال، يستنشق حيويته، نحت عجيب، رشيق ولدن من مرمر بارد، حُوِلَ الى جسد مشدود ينز حيوية ودفء وينزلق من ذراعه ردائه الذي يتحول الى موجات مياه منسابة للناظر اليه من الخلف. 

تمثال من البرونز ل (زيوس) كبير آلهة الأولمب بإرتفاع عشرين سنتمتر يعود تاريخه بين القرنين الأول والثاني الميلادي، هذه المنحوتة قطعة إستثنائية غنية التفاصيل فهي تصور زيوس بجسد مفتول العضلات وبملامح قائد حكيم وشعر كث، يحمل صولجاناً ويجلس على قاعدة نحاسية مع أيحاء إيروتيكي  لجمال الجسد الذكوري. التمثال من مقتنيات المتحف البريطاني وقبل ذلك كان من مقتنيات الفنان الفرنسي دومينيك فيفان دينون أول مدير لمتحف اللوفر.
تمثال لفتى رياضي يعود تاريخه الى القرن الأول الميلادي وهو من مقتنيات المتحف البريطاني وهو تمثيل لفكرة التناغم بين الجمال الجسدي والحكمة الإخلاقية والإنغماس بتساؤلات الوجود. هذا التمثال هو نسخة عن الأصل الإغريقي الذي يعود تاريخه الى زمن سقراط، يخيل لي إن هذا الفتى الحالم أحد تلامذة المعلم سقراط، يغرق في تساؤلاته بعد مجادلة مع معلمه. العري في هذه التماثيل يبتعد تماماً عن الإيروتيكية، فهو فضيلة العودة الى الذات وإرتداء الجسد المجرد وهذا واضح جداً من خلال ضمور الأعضاء الجنسية.  

بخلاف العري الذكوري، كانت النساء الإغريقيات يرتدين الملابس الشفافة غالباً والتي تحكي عن الجسد وتوحي به أكثر مما تظهره، وهذا ما سيلاحظه الزائر حينما يقترب من تمثال الراقصة وهو تمثال برونزي باذخ التفاصيل لراقصة ملثمة وبرداء فضفاض لكن إنحناءات الجسد والرداء فوقه تظهر دقة ورهافة النحات الإغريقي، الرداء الفضاض على الجسد الإنثوي له دلالات إيروتيكية صريحة على خلاف العري الذكوري.
 منحوتة لجذع بشري من مقتنيات متحف الفاتيكان والتي يعود تاريخها الى القرن الأول قبل الميلاد، ويعتقد إنه يمثل جذع البطل الإغريقي هرقل، كان لهذا التمثال تأثير كبير على مايكل إنجلو نحات عصر النهضة الإيطالي حينما طلب البابا منه تكملة الجذع بإضافة رأس وذراعين، لكن مايكل إنجلو رفض لأنه إعتقد إن التمثال مكتمل بشكل لا يضاهى بوضعه الحالي وهو يحوز كل المفاهيم المثالية لفن النحت الإغريقي، وقد إستلهم مايكل إنجو هذا التمثال الإغريقي في لوحته (خلق آدم).
تمثالان صغيران لسقراط ، تمثال لإله النبيذ ديونيس يجتمع فيه بالتساوي جمال الذكر والإنثى، ورأس مرمي للإسكندر المقدوني وفخاريات وأقداح نبيذ مختلفة الأشكال منقوشة من خارجها وباطنها. جمع هذا المعرض منحوتات خالدة لأعظم الفنانين الإغريق مثل فيدس وميرون وبوليكيتوس، كان لها أعظم الأثر على فناني عصر النهضة وما تزال تشيع الجمال والفن لكل من يراها. شخصياً شعرت انني أكثر ذكاءاً وجمالاً عند إنتهاء زيارتي للمعرض بل إن هذه التماثيل والفخاريات العجيبة جعلتني أكثر فطنة وإحساساً بجمال الجسد الإنساني والذكوري خاصة، وأحسب إن جميع الزائرين إنتابهم ذات الإحساس.  

الأحد، 18 أكتوبر 2015

فريدا كايلو إيقونة الأزياء


يستضيف كالري (مارتن هوبن/ Michael Hoppen ) في لندن معرضاً تسجيلياً صورياً لأزياء ومقتنيات الرسامة المكسيكية فريدا كايلو، وكانت هذه المقتنيات قد جُمعت في غرفة في شقة الفنانة وأقفلت هذه الغرفة عقب موت الفنانة بأمر من زوجها الفنان دييغو ريفيرا. بقيت هذه الغرفة ومحتوياتها مقفلة كما أراد دييغو ريفيرا ولم تُفتح إلا عام 2004 بعدما إرتأت إدارة متحف فريدا كايلو في مكسيكو ستي على جمع مقتنيات الفنانة وضمها الى متحفها الفني.  


 من ينظر الى لوحات  فريدا يعرف إنها تضع نفسها في مركز اللوحة، لوحاتها الذاتية لها مذاق سوريالي خاص، فهي ترسم نفسها كما لو إنها ترى ذاتها من بعيد أو كمن يرى نفسه في حلم فنطازي ويدوّن ذلك الحلم بفرشاة وألوان. مظهر فريدا كايلو المميز، شعرها الأسود الذي تكوره فوق رأسها، حلقها الكبير المعلق في إذنيها والزهور التي تزين بها شعرها، حواجبها الكثيفة التي تركت دون تشذيب، والشعر الخفيف فوق شفتها العليا، كل هذه التفاصيل صارت جزءاً من شخصيتها المميزة، كما عذابها الإنساني بين الألم الجسدي وإغتراب الفنان الأبدي. لو تمعّنا أكثر في لوحات فريدا الذاتية سنكتشف سريعاً إسلوبها الخاص بإختيار ملابسها، فهي لبست وبإصرار الملابس التقليدية للمرأة المكسيكية لكنها طوعتها بما يلائم ذوقها وإسلوبها الخاص، مشدات ملونة للجزء العلوي من جسمها وتنورات طويلة والجزءان يتميزان بالتطريز والتخريم وبألوان حيوية تضج بالحياة. إسلوبها المميز في إختيار أزيائها  كان بمثابة بصمتها التي وقعت بها صورها الفوتغرافية الكثيرة والتي شكلت إسطورتها  كفنانة وإنسانة فيما بعد. إرتدت فريدا كايلو في لوحاتها وصورها الفوتغرافية أزياءاً كانت تتناقض كلياً مع الموضة السائدة في الثلاثينات والأربعينات والتي تميزت بالطراز الناعم الأملس للوجوه والثياب وقد تأثر وإستلهم العديد من مصممي الأزياء ثياب فريدا كايلو، مثل المصمم الفرنسي جان بول غوتييه والمصمم مارك جاكوب وبيت الأزياء الشهير دولتشي آند غابانا. 
كان هوس فريدا كايلو بالأزياء الغريبة واضحاً وجلياً لكل من عرفها وعندما توفيت عام 1954 عن سبعة وأربعين عاماً قام زوجها الفنان دييغو رفيرا يإقفال الغرفة التي تحتوي ملابسها ومقتنياتها الشخصية ولم تفتح هذه الغرفة الا بعد خمسين عاماً، تم حفظ هذه المقنيات والثياب في متحف فريدا في مكسيكو ستي كما تمت أرشفت ما يقارب 300 قطعة  من هذه المقتنيات صورياً، والتي يعرضها الان كالري مارتن هوبن في لندن لموسم معارضه الصيفية. صور مقتنيات فريدا كايلو بكاميرا الفنانة الفوتغرافية اليابانية (أسيوجي مياكو)، والتي صورتها عندما عُرضت  للجمهور أول مرة في متحف فريدا كايلو. تكشف صور هذه المقتنيات هوية فريدا كايلو الإنسانية والفنية وإسلوبها وتفردها رغم عوقها الجسدي. الصور المعروضة تظهر ملابس فريدا التي أحبتها وإرتدها الى أن بُليت، مثل ثوب السباحة الفيرزوي اللون الملئ بالثقوب والذي بهت لونه من كثرة الإستعمال، عويناتها الشمسية المفضلة، جواربها المرتقة وكذلك فساتينها المكسيكية المطرزة الحواف والتي إستوحتها من ثياب نساء منطقة تايهوانتيبك وهو مجتمع أمومي جنوب شرق المكسيك، إرتدت فريدا هذه الفساتين كرمز للأنوثة القوية والصادمة. صور أخرى  لقمصان فريدا معقدة التطريز (الهيوبل) والتي تشتهر بها نساء وسط المكسكيك وتعود الى حضارة الميايا وهي قريبة الشبه من لباس المرأة الفلسطينية التقليدي. الزائر للمعرض الصوري يلاحظ إن إسلوب فريدا كايلو في إختيار ملابسها متطابق تماماً مع شخصيتها وحياتها، فهي كما كل النساء كانت تولي أهمية كبرى لثيابها لأنها تمنحها الشعوربالفرادة، لكنها من جانب آخر إستعملت الثياب كقناع أحياناً وكنوع من جذب الإنتباه إليها والى ألمها الجسدي. 

تعرضت فريدا في عمر السابعة عشر الى حادث إصطدام في الباص الذي كانت تستقله، هذه الحادثة أصابتها بمشاكل صحية وعوق لمدى الحياة، لكنها بدأت الرسم أثناء الثلاثة أشهر الأولى من وجودها طريحة الفراش في المشفى وكانت ثيابها لها الصدارة في أغلب لوحاتها، كما في لوحتها (بورتريت ذاتي بثوب القطيفة 1926) التي تًظهرها كأنها تصب جسدها المتألم الذي أثقلها في قالب من القديفة الناعمة علّها تخفي عوق ساقييها. قمصانها وثيابها الفلكلورية العريضة لا تبرز هويتها المكسيكية التي تعتز بها فقط بل تخفي تشوهات جسدها، صور ثيابها كأنها تروي سيرة حياتها، المشد العلوي الذي إشتهرت بإرتدائه هو غواية وقضبان للجسد المتألم داخله. 
   
وكلما خارت قواها وأصبحت حبيسة فراشها كلما صارت ثيابها زاهية الألوان أكثر، كما في صورتها المدهشة وهي بساقها الإصطناعية بعد بتر ساقها عام 1953 وقبل عام واحد قبل وفاتها.  صورة أخرى مؤثرة جداً لحذائها الأحمر ذو الرقبة الطويلة مع ساقها الصناعية تزينه شرائط كثيرة مع أجراس في نهاية الشرائط، كأن الأجراس إعلان متواصل عن الألم في كل خطوة. الزائر يخرج بمحصلة عن فريدا كايلو، هي ليست رسامة متفردة فنياً فقط بل إمرأة مبتكرة في إختيار الثياب والإكسسوارات لإبراز قوتها وضعفها كأنثى، كأنها كانت ترسم إنثوتها بتلك الثياب وتسريحة الشعر والإكسسوارات، ورغم مرور ستين عاماً على موتها لكن إسلوبها الأصيل سيدوم تأثيره طويلاً مثل لوحاتها الفنية. 


نشر المقال في صحيفة السفير اللبنانية

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

توستالا لعبد الهادي سعدون


سخريات الوجود الإنساني من وجهة نظر مهاجر 



  
 كم هي باهتة حيواتنا بلا حكايات! وهذه قصص تضج بالحياة والفنتازيا للصدفة الجميلة وحدها الفضل في قرائتها وإستعادة شغفي بالكتاب الورقي بعد أن أوشكتُ على نسيانه وإستبداله بالكتاب الإلكتروني.  
(توستالا) مجموعة قصصية للشاعر والمترجم العراقي الإسباني عبد الهادي سعدون، صدرت عن دار سنابل لعام 2014، عشر قصص ضمها كتاب بغلاف أحمر لافت، إحتل مركزه رجلٌ بلباس عربي تقليدي وعدد طويل مبهم يتألف من أرقام وحروف كأنه رقم الجندي الذي يحمله في رقبته أو لعله رقم رحلة الغريب الذي يبقى محفوراً في روحه.
ما معنى توستالا ؟ كان هذا أول تساؤل حالما وقع الكتاب بين يدي! سرعان ما سيجيبني القاص في أول الصفحات حيث تقديم المجموعة، (توستالا) تعني الحكواتي الحر الذي له القابلية على سرد القصص، وهنا إقتران ذكي ومذهل بين القابلية على السرد وبين الحرية ...نعم فالسجين (وأعني  سجين الخيال والفكر تحديداً) يفتقد القدرة على السرد لخوفه من كشف الأسرار وقصور خياله. التوستالا إذن من يسمع الحكايات أو يتخيلها، وهو قد يزيد أو ينقص من هذه الحكايات . لا ينازعه أحداً على مكانته، لأنه  الحكواتي الحر وهو الشامان أو القديس والعارف، هو التوستالا بلغة الهنود الحمر. هذه النبذة التعريفية عن المفردة هي من ستقود القارئ الى حكايات هذا الكتاب الممتع.
في الصفحة التمهيدية، يستوقفنا إقتباسان من ثربانتس وبورخس، يقول ثربانتس على لسان دونكيشوت لصديقه سانشو ( كل شئ ممكن في هذه الحياة، إذ لا فرق بين الخيال والحقيقة)، ويقول بورخس (أنا لست سوى شخص من صنع كتبي). بهذين الاقتباسيين يفتتح القارئ هذه القصص العشر وهو يدرك إن المؤلف سيمزج الخيال بالواقع حتى يصعب عليه الفصل بينهما. ونعرف كذلك إن الكاتب أو الروائي أو المبدع بشكل عام يتحول في النهاية الى صدى لإبداعه وهنا يتبادل الدور مع قصصه فهو من صنعها لكنها بعد ذلك ستلده مرة اخرى وتمنحه هويته (التوستالا). 
وذرة الأمل
الكاتب يمسك بأفكاره يتأملها ويقلبها من كل الجوانب ويستنفذها كاملة، كأنه يختار السرد للحديث مع نفسه أولاً، وكي يشفي ذلك الجرح الأبدي (جرح الإنتزاع من الجذور)، وهذا جلياً في أول قصص المجموعة (بلد متنقل ) وهي عن شاب يهرب من لعنة الحروب التي تجتاح بلده لكن البلد يلاحقه بسبب كوابيسه وشعوره بالندم، هذه القصة  تستقصي وتقارن وتخلط بين الأمكنة، بين المنفى والوطن الى حد تبادل البنايات والشوارع والوجوه. يتأرجح القارئ في هذه القصة ما بين عالم الواقع وعالم الكتابة بين إسلوب السرد التقريري والسرد الأدبي، بين لغة الحلم ولغة الواقع وبين الماضي والحاضر. يقرن الراوي في هذه القصة بين فعل كتابة رواية وبين نزيف الأنف، يكتب فينزف أنفه ويكفّ عن الكتابة فيكف النزيف، هناك خلط للأزمنة أيضاً فالراوي يخبرنا إنه لم يكمل راويته  بسبب النزيف لكنه يدس جملة عن رواية مكتملة له وتحمل رقماً محدداً في مكتبة مدريد، هو يتعمد وضع القارئ في متاهة النقصان والإكتمال، والراوي أيضاً يراوغ غربته ويتجاوزها، هو فوق حدودها ، يمحصها ويـتآلف معها ويدوّنها ويترك في الأسفل شعوره بالإغتراب والنفي، ولعل نهاية هذه القصة أجمل ما فيها فالرواي يختم قصته بأنه يلتقي جواد سليم المشغول بالبحث عن سارق (وذرة الأمل) من نصب الحرية.
قصة (نصيحة وتنشتاين)، يستثمر الراوي يومياته مع إصدقائه من الأدباء العراقيين (محسن الرملي، علي بدر)  لسرد عدم إستطاعته  كتابة رواية طويلة وكيف إن مقالاً عابراً في صحيفة يحفزه أدبياً، ثم يلتقي صديقه الروائي علي بدر الذي يدله على طريقة سهلة لتسجيل الأفكار واليوميات بواسطة جهاز تسجيل إلكتروني للصوت. يشتري الراوي جهاز التسجيل بعد معاناة في جمع ثمنه ثم يبدأ تسجيل روايته والتي ثيمتها حشرة تطنُّ في باب غرفة (هناك حشرة أولى كانت قد قرصت شفة محسن الرملي) وما أن ينتهي من التسجيل ويبعثها لفتاة مغربية تفرغ التسجيلات وتحولها الى كلمات مطبوعة بواسطة الكومبيوتر. يكتشف الراوي بعد ذلك إن التسجيلات الصوتية فارغة إلا من صوت يشبه طنين حشرة، وتنتهي القصة لصالح الحياة على خيبة الأدب حيث تنشأ قصة حب مع الفتاة المغربية، كأن العاطفة الإنسانية هي التعويض الرئيسي عن خيبة ضياع رواية .    
ثمة إسلوبان في التعامل مع الموروث المعرفي لدى أي كاتب في كتاباته الأدبية، الإسلوب الأول  بجعل الموروث يطفو على سطح الكتابة على شكل إستشهادات وإحالات واضحة، والإسلوب الثاني هو التشبع به بحيث يغدو هو قوام الكتابة والروح التي تسري فيها دون أن يتم التصريح به بشكل مباشر، وأحياناً دون وعي الكاتب، وجلياً إن عبد الهادي سعدون  متشبعاً بروح بورخس، وهو يمارس سيطرة على قارئه وقدرة على جعله يقبل كل ما يسرده: ( لكن يجب أن ترضى بما أقصه عليك) ص25. وبدل التذكر هناك سعي حثيث نحو المحو والنسيان: (لايهمني سماع أي شئ عن البلاد كما أنني لا أتابع ما يدور في العراق) ص36 محتوى هذه العبارة ورد أكثر من  خمس مرات في هذه القصص. تمتلك هذه القصص يقين واحد هو اللايقين، والرواي يبحث عن الأنا المهملة بالعالم المرئي ويجدها في عالم السرد اللا مرئي وبوح العوالم الداخلية.
في قصة (حكاية الرجل الذي قصّ عليّ حكاية يعتقد إنها تهمني) هناك قدرة جميلة على التحكم والإسترسال في الفنتازيا، حين يصف الشاب الغريب براميل حفظ النبيذ المصنوعة من خشب الأرز والممزوجة بدم الأضاحي الحيوانية ودم العذراوات في طاجكستان(بلد الشاب الوهمي) وهي قصة يتحول كل شخوصها الى توستالا يروي حكايته، أو الى مسيح يحمل صليب أسراره (ما أن أتخلص من الثقل/ السر حتى أخرج خاويا فقيرا) ص28
 المنفى صرخة فولاذية
لماذا سوء الحظ عراقي بإمتياز؟  فالحشرة في مدريد لا تقرص غير العراقي، والشرفة في بناية تطل على شارع  لا تسقط إلا على جسد عراقي، والعراقي الذي يأتي الى إسبانيا بقوراب الموت يواجه موتاً آخر بنوبة تشنج غريبة لا يُعرف لها سبباً، عراقي يضيع منه مراسيم دفن عراقياً آخر، وهكذا تستمر الخيبات العراقية عبر هذه قصص.
لا تسرد هذه القصص الواقع فقط بل تسرد الوجود كله من وجهة نظر مهاجر، والوجود ليس ما جرى بل هو حقل الإمكانيات الإنسانية، كل ما يمكن للإنسان الغريب أن يفكر به أو يصيره، وهذا ما يجري في قصة (حكاية حقيقية) فالرحلة التي ينتظرها الراوي والتي تقلّ صديقاً له، لا وجهة لها ولا أرضأً تقدم منها وكأن رحلة الطائرة هذه هي (سيرة الطريق الذي يمضي بنا دون هدف) ص 47. النهايات في جميع هذه القصص هي نهايات محكمة كأنها تصطفي بداياتها، وخيل لي إن الكاتب بدأ بكتابة نهايات قصصه قبل ان يبدأ بها.    
هل قبض التوستالا على فعل الحياة الهارب من يديه بإختلاق القصص ؟ التوستالا (عبد الهادي سعدون)  يكتب وكأنه منقاد لواقع  شبيه بالحلم، الأحلام (والكوابيس) تعاود الظهور في هذه الحكايات بشدة، فهي تلتف على الواقع بالسرد.