الثلاثاء، 5 أبريل 2016

عن معرض روسيا والفن في الناشنول بورتريت غاليري في لندن


  تولستوي ودوستوفسكي وأنا إخماتوفا 


بالتزامن مع إنتهاء عرض مسلسل الحرب والسلم المأخوذ من رواية تولستوي الشهيرة  بنسخته الانكليزية الأخيرة من قناة البي بي سي، إفتتح الناشنوال بورتريت كالري في لندن موسم معارضه الربيعية بمعرض تحت عنوان ( روسيا والفن)، تضمن المعرض 26 لوحة بورتريت لأهم الرموز التي شكلت الهوية الثقافية لروسيا من روائيين ومسرحيين ومؤلفيين موسيقيين وشعراء في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
أُفتتح الناشنوال بورتريت كالري في لندن عام 1856 وهي ذات السنة التي قرر فيها رجل الأعمال الروسي المهتم بالفن بافيل تريتياكوف الذي كان بعمر الثانية والعشرين حينئذ البدء بجمع المقتنيات والأعمال الفنية، هذا المشروع الذي إستمر أربعة عقود من حياته التالية والذي أنفق عليه مبالغ طائلة وكلف به أفضل الفنانين الروس لكي يرسموا الكتاب والمؤلفين الموسيقيين والمفكرين وكل الشخصيات التنويرية التي ساهمت في تكوين الهوية الروسية. وقبيل وفاته عام 1892 أهدى كل مقتنياته الفنية التي تقارب ألفين عملاً فنياً الى بلدية موسكو وهذه التحف الفنية تمثل الان جوهر المتحف الوطني الروسي في موسكو وهي أكبر مجموعة فنية روسية في العالم واللوحات في هذا المعرض مستعارة  من متحف تريتياكوف في موسكو.
 كثيرا ما نتخيل إن الفن الروسي الحديث بدأ مع بداية الثورة البلشفية أو قبلها بقليل لكن هذا العرض الجميل يفند سطحية هذا الرأي، فالوجوه في بورتريهات المعرض مشهورة لكنها في ذات الوقت تعرفنا على الفنانين المنسيين الذين أبدعو هذه البورتريهات.
عى سبيل المثال الرسام والخطاط ومصمم الديكور ميخائيل فروبل (1856_1919 ) وهو أحد أبرز ممثلي تيار الرمزية في الفن الروسي هو مثال على المبدع القلق الذي ينظر للعالم بنظرة متشظية كسيرة. تعرض له لوحتان، الاولى لزوجته مغنية الأوبرا الروسية الشهيرة ( ناديجدا زابيل فروبل) التي يصورها جالسة بإسترخاء بثوب أبيض تزينه شرائط صفراء براقة،  تمط شفيتها قليلا بنصف إبتسامة، لكن ميخائيل فروبيل سيصاب بعد إنتهائه من هذه اللوحة بفترة قليلة  بإنتكاس نفسي ويبقى داخل جدران المصحة ما بقي من عمره، أعتقد حتى نصف الابتسامة قد إختفت من وجه زوجته بعد ذلك.   

 لوحته الثانية  لرجل الأعمال وصديقه مؤسس الاوبرا ( سافا مامونتوف) يصوره فيها كأنه قوة تطغى على كل ما يحيطها، هذه اللوحة رُسمتْ  بالأشكال المكعبة المكتتزة  قبل إجتراح التكعبية في باريس بحوالي عقد من الزمن.
 صالة المعرض الاولى ضمت لوحات للروائيين الروس، لوحة دوستوفسكي وهي اللوحة الوحيدة التي رُسمتْ له أثناء حياته والتي أبدعها الفنان الواقعي الروسي فاسيلي بيروف عام 1872 يظهر دستوفسكي يحدق الى الاسفل، كأنما ينظر الى العتمة  بزواية غريبة، يبدو جلده مثل غشاء من الأوردة والشرايين المتوترة الممتدة التي تتخلل العظام الناتئة لجمجمته، تتشابك يداه بعصبية وثيابه متهدلة ، دوستوفسكي في هذه اللوحة كأنه أحد أبطاله الروائيين أو مزيج منهم ، رجل يحمل عبء ثقيل مثل مجرم يشعر بالذنب أو حكيم يائس ينوء بحكمته.  


 لوحة تولستوي(1828-1910 ) التي رسمها الفنان نيكولاي جي عام 1884 وكان تولستوي وقتها قد حاز على شهرة عالمية من خلال رواياته الحرب والسلام وأنا كارنينا، وإنغمس كلياً بمبدأ تحقيق العدالة الإجتماعية، هذه اللوحة تصوره منكب على مكتبه، إلا إن أدوات الكتابة المذهبة  تشي بطبقته الإجتماعية وتتناقض تماما مع قميصه الأسود البسيط.  لوحات اخرى لتيشخوف وتورغنيف وبورتريت للعالم اللغوي والفلكلوري فلاديمير دال رُسم عام 1872 قبل أشهر من وفاته للفنان فاسيلي بيروف، هذه اللوحة ليست تصوير لعالم مشهور في ذلك الحين ويتقن ست لغات بقدر ما هي دراسة لملامح شيخ على وشك الرحيل، وجه ذابل ولحية فضية طويلة وأكتاف متهدلة وغير مكترثة ينظر فلاديمير دال الى الموت بعينيه، لوحة يمتزج بها الضعف الحاد مع قوة الحكمة والمعرفة الباطنية.



يلفت إنتباه الزوار في الصالة الثانية من المعرض بورتريت للموسيقار الروسي الشهير تشايكوفسكي (1840-1893 ) واللوحة في آخر سنة من حياة الموسيقار، للرسام وأستاذ الفن الاوكراني الأصل نيكولي كوزنتسوف، ورغم ان تشايكوفسكي كان في أوج شهرته الا إن اللوحة تؤرخ لتعاسته وقلقه النفسي بجبين معقود الحاجبين ويد متشجنة تحط على النوتات الموسيقية ونظرة حذرة كأنه يخشى النظرات والاضواء ويقول لكل من يقترب من اللوحة لا تتفحصني. 

الصالة الثانية ضمت أيضا لوحة اخرى للموسيقار نيكولاي ريمسكي كورساكوف وهو أحد الموسيقيين الخمسة الكبار الذي يمثلون جوهر موسيقى روسيا الوطنية.
بورتريت آخر للشاعرة انا إخماتوفا يعود تاريخه الى 1914 يصورها جالسة بين شجرتين وفي يدها كتاب مكللة بهالة مشعة للفنانة الروسية اولغا كاردوفسكيس عام 1914، اخماتوفا التي كانت شاهدة شجاعة بشعرها على روسيا القرن العشرين، والتي نجت من حصار لينينغراد وعاشت كي تشهد إضطهاد ستالين لكل الناس الذين أحبتهم في حياتها بما في ذلك إعدام زوجها الشاعر نيكولاي جوموليوف عام 1921بحجة مناهضته للثورة البلشفية ( له بورتريت أيضا)  وإعتقال ابنها، في هذه اللوحة تشع الكرامة والسمو من جلستها الجانبية.          
روسيا والفن هو فرصة ثمينة لعشاق الفن والأدب الروسي كي يشاهدو أبرز اللوحات التي تؤرخ لرواد الحداثة الثقافية في روسيا والتي استعارتها ادراة الناشنونال بورتريت كالري في لندن من تريتياكوف كالري في موسكو، المعرض يستعرض ويركز على الفترة الزمنية بين 1867 الى 1914 تحديدا والتي إضمحلت فيها المسحة الشرقية للإنطباعية الروسية، وهيمنت بالمقابل هوية وطنية بالتزامن مع موجة الواقعية الروسية. كل فناني روسيا في عهد تولستوي تقاسمو الحساسية الفنية ذاتها  والارادة في الحفاظ على الهوية القومية. ومن الواضح جدا إن سيطرة الثورة البلشفية 1917 على الحياة الثقافية كان النهاية السريعة لعصر الثقافة الروسية الذهبي.
مما يلفت الإنتباه في جمع الروائيين والفنانين ورواد الثقافة الروسية هذا، إنهم كلهم يصرون أسنانهم وأغلبهم يبدو معذبين ومضطربين وفي ثلاث صالات هناك فقط إبتسامتين احداهما لمغنية الاوبرا المشهورة (ناديجدا فروبل) والاخرى لعازفة البيانو تلميذة فرانز ليست(صوفي منتير)، ولولا الشرح التعريفي بجانب كل لوحة لتخيلت نفسي انني أمام معرض لمرضى في مصحة نفسية.
يستمر المعرض في الناشنول بورتريت كالري حتى شهر حزيران المقبل بالتزامن مع عدة حفلات موسيقية ومحاضرات للثقافة الروسية. 

الخميس، 17 مارس 2016

إبحار ليلي في شوارع إستنبول


(غرابة في عقلي)
رواية أورهان باموق الأخيرة 

  
يبدو إن الكاتب التركي أورهان باموق من صنف الكتاب النادرين الذين يبدعون أفضل رواياتهم بعد فوزهم بجائزة نوبل، هناك مبدعون كثر فازوا بالجائزة في عمر الشيخوخة مثل الروائية البريطانية دوريس ليسنغ والروائية الكندية أليس مونرو ولم يضيفوا انجازات أدبية مهمة بعد ذلك. أورهان باموق فاز بنوبل عام 2006 وهو بعمر 54، وهذا العمر المبكر لنيل الجائزة العالمية المرموقة له ميزاته الكثيرة عدا الشهرة، فهو يتيح للروائي مساحة زمينة معقولة لكي يضيف الى إنجازه إبداعات أدبية اخرى، وهذا ما حصل فعلا فرائعته الأدبية (متحف البراءة 2008) ممتعة ومشوقة وأكثر حميمية من رواياته الأدبية التي سبقتها والتي نال عنها جائزة نوبل.

لكن الكثير من القراء يجدون إسلوب باموك كثيف ومثقل بالتفاصيل ويفتقد الشحنة العاطفية، شخصياً قرأت روايته (إسمي أحمر) بتحفيز من صديقاتي عضوات (نادي الكتاب) وهو نادي شهري محدود الأعضاء مخصص لمناقشة رواية نتفق على قرائتها جميعا، لقد وجدت إسلوبه ممل وجاف نوعا ما، رغم روعة الوصف للأشياء والأماكن والروائح والأطعمة وكذلك تعدد الأصوات في الرواية الى درجة أن يستنطق اللون والموت. باموك يذكرنا إنه ليس ضروريا أن نعجب بالروائي من الرواية الاولى، فعندما إستضافته محطة البي بي سي الرابعة في حديث إذاعي لبرنامج ( كتاب ومؤلف) للحديث عن روايته الجديدة (غرابة في عقلي/  A Strangeness in My Mind) التي صدرت عن دار نشر (فايبر اند فايبر) ب624 صفحة ترجمها الى الإنكليزية (أكن اوكلاب/ Ekin Oklap)، إستغرق باموق في كتابتها ست سنوات وتغطي أربعين سنة من تاريخ إسطنبول الحديث (1969_ 2012) وهي الفترة المشوشة التي شهدت تطور المدينة والزيادة السكانية من 3 ملايين نسمة الى 13 مليون، هذا ما حفزني لشراء الرواية من موقع الامازون وقرائتها لأكتشف إن روايته التاسعة هذه هي  أجمل أعمال باموك الأدبية وربما سيجدها القراء كذلك، حتى اولئك الذين لم يستسيغوا إسلوب باموق، (غرابة في عقلي) سوف تعيدهم الى عالم أورهان باموك الروائي.    

ومثل جيمس جويس يحمل أورهان باموق نظرة شفافة لمدينته وحبأ أزليا حتى لتناقضاتها، يروي باموق  التاريخ الحديث لمدينته عبر مشاهدات بائع متجول في شوارعها هو مولود كراتاش، تسرد الرواية قصة حياة وأمنيات وأحلام يقظة (مولود) الذي يبيع اللبن والرز والبوظة (شراب القمح المتخمر)، يتجول في الشوارع الفقيرة الخلفية المرصوفة بالحصى شتاءً وهو ينادي على بضاعته، وينسج دوربه عبر ومن خلال تغيّر جغرافية المكان حينما يواجه القديم والجديد، الشرق والغرب. مولود بطل الرواية ولد 1956 في قرية في مقاطعة أناتوليا وإنتقل مع ابيه الى إستنبول وهو بعمر 12، لكنه يعود  الى قريته وهو شاب لحضور حفل زفاف قريبه (كوركوت)، يقع مولود بغرام اخت العروس، يخبر (سليمان) وهو أخ كوركوت، مولود  إن اسم الفتاة هو (ريحة) ويظل مولود يكتب رسائل غرامية الى ذات العينين الفاترتين لمدة ثلاث سنوات، تقتنع ريحة أخيرا بالهرب الى اسطنبول لكي تلتقي مولود. لكن سليمان خدع مولود، فريحة هي الأخت الكبرى لصاحبة العينين الفاترتين التي اسمها سميحة والتي يرغب سليمان في الزواج منها، لكن عدم زواج الاخت الكبرى يجعل هذا الزواج صعبا. هذه الحبكة الجانبية المثيرة التي يسردها باموق هي من ستقود القارئ لدخول عالم (غرابة في عقلي). باموق يتحايل على القارئ بهذه الحبكة العاطفية وعلى خلاف المتوقع تنشأ بين مولود وريحة قصة حب بعد أن يتزوجان وينجبان بنتين هما فاطمة وفيفزيا، لكن بيع البوظة لا توفر للعائلة كل ما تحتاجه من متطلبات العيش فيضطر للعمل حارس في مرآب للسيارت.
 يقول باموق عن بطل روايته: "أردتُ أن أكتب عن شخصية رجل بسيط مقتنع بفقره ويتماهى معه، وهي شخصية على خلاف أبطال رواياتي الاخرى الذين ينحدرون من الطبقة الوسطى المثقفة في المجتمع،  لذلك تحدثت وصادقت بائعين متجولين من مختلف المهن كي افهم كيف يفكرون وماهي أحلامهم وكيف يحتملون عملهم الشاق".
يستسلم مولود للجنة التي يعيشها بالصدفة لأن رسائله الغرامية الطويلة لم تكن لزوجته ريحة بل لأختها،  مما يثير سؤال حتمي في مثلث الحب هذا، أي من الاختين هي الحبيبة؟ وهذا السؤال سيولد سؤلا آخر : ايهما أكثر تاثيرا على المصائر الصدفة ام القصدية، طالما أنتجت الصدفة المحضة السعادة؟
 باموك في هذه الرواية يحتفي بالزواج الذي يجمع شخصين بالصدفة ليستقرا ويكونا عائلة، يحتفي بالابوة ويحتفي حتى بنزاعات الاسرة ومشاكلها اليومية : " هما بنتان صغيرتان لكنهما مع ذلك تخافان من الوحدة" يقول مولود عندما يسمع صراخ بنتيه.
الرواية فيها الكثير من البهجة لكنها تبرز الفواجع في ذات الوقت، الشخصيات النسائية من المتوقع منها ان تطيع الآباء والازواج سواء اذا كان الزواج تقليدي ام زواج بالهروب كما حصل مع ريحة ومولود، وعبر التاريخ كان الزواج غالبا قضية بيع وشراء، لكن ريحة بطلة الرواية تقول لأبيها: " نحن لسنا للبيع".  يستخدم باموك في هذه الرواية صوت الشخص الثالث حينما يروي قصة مولود بينما يستخدم ضمير الأنا بالنسبة لبقية الشخصيات حين تروي جانبها المتعلق بمولود.  
مولود هو الشخصية الذكورية الوحيدة التي لاتنتهز الفرص ولا تستغنِ خلال حقبة تحديث إستنبول، لكن هذا لا يعني ان مولود شخصية سلبية، بل هو شخص قنوع بأسرته وعمله ومتعلق بمدينته، حينما تكون خلفية الأحداث في حياة مولود وأسرته، الصراعات السياسية والدينية، بطل الرواية يغري القارئ بتذوق تفاصيل الحياة اليومية في إستنبول والتي تكشف التأثير العميق لتطور المدينة وتحديثها.
 بطل الرواية يثبت ايضاً ان ليالي الشتاء في اسطنبول بلا نهاية، فهي مدينة مشبعة بالقهر والحزن وهو شاهد على هذا الحزن الذي يمشي معه من شارع الى آخر، هل الحزن هو الغرابة في عقل مولود؟ عنوان الرواية مقتبس من قصيدة الشاعر الانكليزي وردورث ( غرابة في عقلي / أحس بعدم الإنتماء لتلك الساعة / وعدم الإنتماء لذلك المكان)، وهو عنوان مؤثر بحق، فمتاهة الشوارع التي يبيع مولود بها البوظا ليلا وكذلك الحيرة والتساؤلأت التي تدور في رأسه هي  متاهة واحدة. البطل ليس قديسا ولا ولياً بل دخيلاً على المدينة لكنه قوي الإرادة والعزيمة وبعيد عن الجشع والأنانية التي تحكم وتسيطر على مجتمعه.  
في هذه الرواية كما في معظم روايات باموق السابقة مدينة أسطنبول هي أكثر أبطال الرواية حضورا، القارئ يتبع البطل مولود عبر الطرقات الحجرية المتشعبة للمدينة والتي تنفتح أغلبها على المناطق الفقيرة وعبر الممرات التاريخية لمدينة إسطنبول. قراءة هذه الرواية هي مزيج من التاريخ التفصيلي للمدينة ممزوجاً بالذاكرة الشخصية للبطل، لكن (غرابة في عقلي) هي قبل كل شئ رسائل حب الى مدينة إسطنبول بكل شحوبها وفوضاها ومجدها الغابر.
في روايته الثانية (البيت الصامت/1983) يروي باموق قصة شاب يحاول تحقيق حلم أبيه وجده في تدوين كل شي في موسوعة، في روايته الأخيرة (غرابة في عقلي) تتحول الرواية نوعا ما الى موسوعة، شريحة واسعة من الشخصيات والأحداث، البيوت والاطعمة والتفاصيل التي تجعل القارئ يشعر عندما ينتهي من 600 صفحة إنها موسوعة لكن تحت اسم اسطنبول. 
بنية الرواية خليط من عدة أصوات، الرواية تتيح لكل شخصية سرد جانبها الذي يخصها من حياة مولود، البطل يستسلم لقدره ولا يعترض ويحاول أن يفهم الحب الذي ينشأ بينه وبين زوجته عبر خدعة، إستسلامه ليس نوع من الإعتزال لكنه نوع من الإمتنان لهدية غير متوقعة.
صدرت الرواية بالعربية أخيرا بعنوان (غرابة في عقلي) عن دار الشروق بترجمة عبد القادر عبد اللي. 


الأربعاء، 17 فبراير 2016

الحضور النقي

معرض النحات العالمي ألبرتو جياكوميتي 

عام 1919 سأل جيوفاني جياكوميتي الرسام السويسري ما بعد الإنطباعي إبنه البكر ألبرتو " هل تريد أن تصبح رساماً؟" كان جواب الأبن سؤالاً أيضا، لنفسه وليس لأبيه " رساماً أم نحاتاً؟".
ميزة المعرض الذي أقامه الناشنول بورتريت كالري في لندن وبعنوان (الحضور النقي) إنه لا يروي بإسلوب أكاديمي جاف السيرة الفنية لألبرتو جياكوميتي الذي يعد أهم نحاتي القرن العشرين، وكأن الفنان يعيش في عزلة، أو كأن الإبداع الفني لعبة فلسفية سامية بعيدة عن الواقع. وعبر هذا المنظور فان الزائر سوف يعي إن جياكوميتي بدأ مشواره الفني كواحد من السوريالين أمثال آندريه بريتون، خوان ميرو، بيكاسو، وماكس إرنست الذين تعرض صورهم الشخصية مع جياكوميتي في القاعة الثانية من المعرض المخصصة للصور الفوتغرافية، لكن جياكوميتي رفض الأفكار الفرويدية لاحقا وتبنى الإسلوب الرمزي، رغم انه أبدع منحوتات سوريالية مدهشة مثل عمله النحتي المروع (أمراة محزوزة الرقبة /1932).
 الزائرلهذا المعرض لن يعثر على منحوتات جياكوميتي السوريالية أوالمرعبة، لكنه سيكتشف وجهاً آخر لهذا الفنان، وقصة اخرى لا تركز على مرحلة باريس التي كان جياكوميتي أبرز رموزها الفنية بعد وقبل الحرب العالمية الثانية . هذا المعرض يروي سيرة علاقته الحميمة مع أمه وأبيه وإخوانه وزوجته وأصدقائه.
 يبدأ هذا العرض حيث ولد ألبرتو جياكوميتي في مقاطعة (ألباين) في سويسرا عام 1901 المتاخمة للحدود الإيطالية، بدأ الرسم حين كان في العاشرة بتشجيع من أبيه، في القاعة الأولى يُعرض أول تمثال له وهو رأس برونزي لأخيه دييغو، نحته حين كان في الثالثة عشر من عمره، وخلال أربعة عقود سيستمر جياكوميتي بنحت تماثيل لأخيه،  حيث يعرض التمثال النصفي المذهل لدييغو  1955 في القاعة الأخيرة من المعرض، حيث يضع جياكوميتي رأساً حاداً رقيقاً فوق جزءا علويا لجسم نحيل أيضا، لكنه يستعمل الزوايا المضادة في هذا العمل، فالزائر إما سيرى وجهاً بملامح كاملة فوق أكتاف مسطحة أو وجهاً حاداً مثل شفرة سكين فوق إسطوانة الصدر البرونزية الكبيرة. قد يثير هذا العمل الضحك وأيضا قد يثير السؤال والغور في لغز تضاد الزوايا هذا.  لايمكن أن يُختزل فنان ما في عمل واحد لكن جياكوميتي كان يرسم ويخطط وينحت تماثيل لأخيه دييغو طوال حياته  كأنه أراد أن يقبض على كينونة أخيه الإنسانية، لكنه كلما شعر بالعجز (أو هكذا خيل إليه) يستمر في نحت ورسم  دييغو مرارا وتكراراً، فالإنسان عصي على التوصيف.      

في سنواته الاخيرة 1960-1965 كان ألبرتو جياكوميتي مهووسا برسم حبيبته الشابة المتمردة (ايفون بويرادو) التي أطلق عليها في لوحاته اسم كارولين، عاشت كارولين وسط المجتمع الوجودي والبوهيمي الباريسي مع بائعات الهوى وعصابات الإحتيال والسرقة وموجة السينما الجديدة. 
عُلقت لوحات كارولين التي تبدو للزائر كأنها لقى أثرية، مع بعضها في القاعة الأخيرة للمعرض،  تبدو ملامح كارولين كأنها منسوجة بخطوط الفرشاة مثل شبكة عنكبوتية تتدلى منها خيوط متموجة من البني والرمادي، كارولين التي أنقذها جياكوميتي الذي كان في أوج شهرته الفنية حينئذ، من السجن بتهمة السرقة، ولم يتوقف عند هذا الحد بل أسبغ عليها بلوحاته كبرياء وأنفة وصورها كأنها أميرة تائهة في الدهر، أو كأنها ملكة فرعونية مجهولة، كارولين تلك الفتاة المشردة المنسية أخذت مكانها في الخلود مثل المومياءات المصرية المحفوظة جيدا عن التحلل، كصورة ورمز مهيب للغز البقاء الذي لا بديل للانسان عنه.   
 بعد الحرب العالمية الثانية كانت أوربا مقبرة طازجة لا تزال تربتها هشة من دفن الموتى والأنقاض التي خلفتها الحرب، وفي باريس تحديدا، كان جياكوميتي الفنان الوحيد الذي وجد شيئاً جديداً لكي يقوله يوازي رعب الموت والفناء، وعَبَرَ بفنه عن جسامة الحدث الذي تعرضت له أوربا في الحرب الثانية. لقد حفر فن جياكوميتي المختلف جوهر الانسان، بدائيته وغريزته النيئة، ببديهية بسيطة جدا لكنها حيوية ومدهشة ، هذه الحيوية الانسانية  المتجلية في منحوتات ألبرتو جياكوميتي، أصبحت بعد سنوات الخراب والحرب تلك، صورة جديدة للأمل المنشود، كأنها فرصة نحيلة أخيرة للنجاة.   


من أهم الأعمال المعروضة أيضاً هو تمثال المرأة الطويلة النحيلة المصبوبة من البرونز من مجسم طيني مضفور بخشونة، هذا التمثال الذي فار بمسابقة بينالي فينسيا 1956والذي لفت الإنتباه لجياكوميتي كفنان مجدد، تقف كأنها تتضرع للسماء بسكون أزلي في مواجهة الزائرين المتفرسين بها من جميع جهاتها.
يكاد لا يخلو متحف من متاحف الفن الحديث من مجسمات جياكوميتي البرونزية هذه، لكن الجميل في هذا المعرض إنه ليس تجميعاً لأعمال جياكوميتي البرونزية من متاحف العالم، بل هو معرض عن جياكوميتي الأنسان  والناس الذين أثروا وأثروا بحياته وعن العاطفة والشعور بالإنتماء والشغف الانساني الذي من خلاله إستطاع هذا العبقري السويسري خلق رؤيته الملتبسة للجسم البشري.
القاعة الثانية لهذا المعرض خُصصتْ للفوتغراف، صورة للبيت الكبير على قمة التل في منطقة الألباين السويسرية  حيث الذي ولد جياكوميتي عام 1901 وتربى وحيث سيعود دائماً لهذا البيت، صورة أخرى تجمعه بوالديه وأخويه وأخته وهو طفل، صورة لمشغله في باريس قبل الحرب وصورة اخرى تجمعه مع السورياليين. صورة لأمه (أنيت) التي ربطته بها عاطفة قوية  جالسة وسط مشغله، كما فعل مع أخيه دييغو، لم يكف جياكوميتي عن رسم ونحت أمه التي أحبها جدا طوال حياته، في البورتريت الذي رسمه لها عام 1947 تبدو كأنها تضمحل وتتلاشى وتنزلق بعيدا عنه الى عالم غابر، هيئة شبحية وسط محيط من ظلال نحاسية كأنه تنبأ بموتها في هذه اللوحة.  صورة زواجه من موديله وحبيبته (أنيت آرم) عام 1946 ، صورة اخرى مع عشيقته الباريسية كارولين عام 1962 .        


فرصة نادرة أتاحتها إدارة الناشونال بوتريت،  للزائر كي يشاهد أعمال ألبرتو جياكوميتي الاولى، منحوتاته الاولى متأثرة بفنان عصر النهضة الايطالي (دوناتلو 1386-1466 )، حيث شاهد جياكوميتي تماثيله في زيارة له الى فلونسا عام 1920، أما لوحاته الأولى فهي بلا شك متأثرة بإسلوب أبيه الذي ينتمي الى مرحلة ما بعد الأنطباعية.
 هذا المعرض يقربنا من جياكوميتي الإنسان بعيدا عن رواد الصرعات الفنية البوهيميين الذين عكس فنهم أفكارهم الباريسية في بداية القرن العشرين. جياكوميتي كان وثيق الإرتباط بعائلته، كان يعود دائما الى سويسرا  والى البيت الذي ولد فيه، ودائما يرسم اللوحات تلو اللوحات لأفراد عائلته ولأصدقائه مثل الشاعر اليساري لوريس أراغون والكاتب البوهيمي جان جينيه.
كأنه كان مهوسا بعمل فني بسيط جدا وهو تدوين ملامح الناس القريبين عليه، هذا الهوس يجري كنهر من الأعمال الفنية عبر هذا المعرض ومن قاعة الى اخرى. ليس مهما اذا كان جياكوميتي ينحت تمثال نصفي لأبيه الملتح أو يرسم وجه اخته  الشهواني والصارم في آن واحد. انه لا يستخدم موديله كأداة لإستعراض إمكانياته الفنية، هو بكل بساطة يحاول أن يكون محايدا وعقلانياً، وينحاز لفنه فقط.    


السبت، 13 فبراير 2016

غويا آخر الكلاسيكيين ورائد التعبيرية


غويا آخر الكلاسيكيين ورائد التعبيرية 



يتيح الناشنول كالري في لندن فرصة  نادرة لزواره لمشاهدة معرض ( غويا الصور الشخصية)، حيث تجمع إدارة الكالري 70 لوحة بورتريت لغويا، تستعيرها من المتاحف في أنحاء العالم.
فرانسيسكو غويا المولود عام 1746 في مقاطعة الأرغون الإسبانية يُعَدُ أهم الفنانين الإسبان في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، الفنان الذي صور في لوحاته الفنية  كل تفاصيل البلاط الملكي بحكم منصبه  كرسام القصر،  لكنه صور ووثق أغلب الأحداث التاريخية الكبرى في عهده، مثل المقاومة التي واجهت نابليون أثناء إجتياحه لإسبانيا، كما في لوحته المشهورة (الثالت من مايو/ 1808).  غويا رسام الكوابيس الليلية السوداء والكائنات المشوهه والأشباح والشياطين، أثر بأجيال لاحقة من الفنانين منهم بيكاسو ومانيه كما ألهمت ثيمات جدارياته الكابوسيه السورياليين وتحديداً سلفادور دالي.
 يشعر الزائر إن جدران الجناح  حيث يقام هذا المعرض مشبعة بروح الفن الكلاسكي، تماماً مثلما  تشبعت ذات الجدران بنفس الروح في معرض رامبرانت المذهل في بداية عام 2015 ، حيث رُتبتْ قاعات العرض السفلى باللوحات  والبورتريهات التي توثق التفاصيل اليومية للطبقة الأرستقراطية والأمراء والملوك في إسبانيا خلال الفترة النابولونية.
إمتلك غويا موهبة سبر أغوار الشخصية موضوع اللوحة أو ربما رؤية  سايكولوجية فريدة لا تقتصر على الملامح فقط بل تتعداها الى الهيئة الكلية للشخصية  ومن هنا تكمن أهمية هذه البورتريهات التي تشبه أصلها  لكنها غريبة عنه بذات الوقت. براعة غويا في فن البورتريت أهلته أن يصبح رسام القصر الملكي الأول وكان قبل ذلك رسام للعديد من العوائل الأرستقراطية والشخصيات التنويرية. براعته الفنية مكنته أيضاً من النجاة  بشكل ما خلال حقبة إحتلال نابليون لإسبانيا التي تعتبر من أكثر الحقب إضطراباً.
يستقبل الزائرون في القاعة الاولى بورتريت شخصي لغويا يعود الى عام 1780، كأنه يرحب بالزوار بنظرته المركزة وشعره الأسود، ويدعوهم الى الدخول الى تفاصيل الحياة الإسبانية خلال القرن الثامن عشر. يتزاحم الزائرون حول لوحة (عائلة دون لويس دي بوربون/ 1784) وهي لوحة كبيرة وأول  بورتريت رسمها غويا، ويبدو فيها الأمير دون لويس وعائلته في مشهد يومي عادي، خادمة تمشط  شعر الزوجة الأميرة  بينما الأمير يمارس لعبة الورق على منضدة، يقلد غويا في هذه اللوحة "بطريقته" أستاذه فيلاسكوز،  فهو يرسم نفسه داخل اللوحة أثناء رسمه لعائلة الأمير، يضع نفسه في الجانب الأيمن (مبعث الضوء) الذي ينير بقية تفاصيل اللوحة،  وكما في لوحة فيلاسكوز(وصيفات الشرف/ 1656) ، تبدو الطفلة الأميرة(رمز البراءة) قريبة من الفنان (مصدر الضوء)، هناك طاقة حركية وحيوية مذهلة في هذه اللوحة  تطغي حتى على الألوان.    
 لوحة (دوق ودوقة أوسونا /1788 )، فيها من الكثير من الرقة والحنان كما في انحناءة وقفة الدوق الاب وهو يمسك يد طفلته، رغم العيون المفتوحة  لهذه العائلة التي تجعلهم بهيئة تماثيل بشرية او آلهة، يصور غويا في هذه اللوحة أيضا اللعب التي كان يلهو بها اطفال العوائل الأرستقراطية كما إنه يوثق للأزياء وتسريحات الشعر والإكسسوارات والأثاث.  
في القاعة الاولى ايضا، لوحة  شائعة للملك شارل الثالث(1716-1788)  الذي إشتهر بقبحه لكن غويا يظهره  بمظهر بسيط مسترخٍ وبملابس الصيد بعيداً عن الرداء الملكي والأوسمة، كأن الفنان أراد أن يقرب بين الملك ورعيته بان يرسم الملك، إنساناً أولاً. 

 رسام الشخصيات التنويرية الاسبانية
عام 1785 عُين غويا رئيساً لأكاديمية سانت فرناندو الملكية للفنون، وعام 1786 أصبح الرسام الرسمي للملك.   لكنه أيضا كان  جزءاً من الحركة التنويرية السياسية والاجتماعية التي شهدتها اسبانيا خلال بين عامي (1797_1798 ) في عهد الملك شارل الثالث، وكثيرا من اصدقاء غويا ومجايليه مُنِحوا مناصب مهمة في إدارة الدولة كجزء من سياسة الإصلاحات التي قام بها الملك نتيجة مدّ الثورة الفرنسية.  
لوحتان مقترنتان ببعض رسمهما غويا بالتعاقب، مرسموتان بدقة في إلتقاط التفاصيل، بلمسة إنطباعية وانسياب فريد، تصوران إثنين من أبرز الإصلاحين الإسبان في القرن الثامن عشر، لوحة المفكر المهموم (كاسبار ملكور دي جوفيليانوس/ 1798) الذي إستدعي من منفاه ليصبح وزيرا للعدل، ولوحة (فرانسيسكو دي سافدرا/1798) وهو خبير إقتصادي ليبرالي مُنح منصب وزير الاقتصاد. كلا الرجلين يبدو بوقار كبير،  جالسين في مكان عملهما أمام طاولة كبيرة وأوراق، غويا يسحبنا بلا وعي منا الى المقارنة بين اللوحتين، فوزير العدل يجلس جلسة مفكر كأنه يحاور أفكاره ، منحني الظهر ويسند رأسه بيده، بينما نرى وزير الاقتصاد يجلس بتوثب، مستقيم الظهر كأنه يتأهب للوقوف. اللوحة الأولى لرجل يفكر بينما الثانية لرجل يعمل، اللوحتان تعرضان معا للمرة الاولى حيث جمعتا من متحف البرادو في مدريد والثانية من كالري الكورتولد في لندن .   
هناك إختلاف بَيّن في إسلوب تصوير الشخصيات، تبدو الألوان والخطوط  وضربات الفرشاة مسترخية وهادئة  حين يرسم الفنان أصدقائه،  بينما يبدو أكثر تشجناً حين يرسم أفراد العائلة المالكة والاقطاعيين الإرستقراطيين. 


 تحلق الزائرون أيضاً أمام لوحة ( دوقة إلبا/ 1797 )، واقفة بثوب أسود من الدانتيل مع تسريحة شعر عالية ووشاح أحمر في خصرها، وخلفها نهر وأراض شاسعة تعود لها، رغم  جمالها المتواضع  لكنها تبدو قاسية الملامح ومعتدة بنفسها، تقف بإنحناءة حميمية إحدى يديها مزينة بخواتم تشير الى الرمل حيث تقف، مكتوب على الرمل (غويا فقط)، هذه العبارة تُحمَلْ على مضمورين أو كلاهما فهي تشير الى علاقة حميمية بينها وبين الرسام ومن ناحية أخرى الى إعتداد الفنان باسمه، حيث يصبح الاسم ثيمة موحية  في كلية اللوحة.  
 لوحة (فرديناند السابع في الرداء الملكي/ 1814 ) وهي اللوحة التي أعقبت عودة فريدناند من منفاه وإستناف غويا عمله كرسام أول في القصر، من أبرز مهامه رسم صورة رسمية للملك فرديناند بالرداء الملكي والصولجان الذي هو تعبير عن السيادة التي إغتصبها نابليون ثم أُعيدتْ له بفضل تدخل الجنرال الإنكليزي ولنغتون (يعرض له بورتريت أيضا) وجيشه وطرده للفرنسيين. يصور غويا يد الملك وهي تقبض على السيف المعلق الى خصره، توحي بالنفوذ والقوة المطلقة،  ورغم التفاصيل المزركشة والمبهرة الألون في هذا البوتريت، يبدو غويا كأنه يسخر من الملك، فقد أعاد هذا الملك سلطة محاكم التفتيش وإعتقل الكثير من أصدقاء غويا، شعر الملك الفاحم الذي يؤطر وجهه الخبيث، أنفه المفلطح، والذقن المربع الناتئ، والنظرة التي تضمر الشر وإنعدام الأكتاف  كلها توحي بالسخرية وليس التبجيل.   



يودع  غويا زائريه في القاعة الأخيرة ببورتريت شخصي مثلما إستقبلهم، صورة له وهو على فراش المرض مع طبيبه (دكتور أريتا). عام 1819 أصيب غويا وهو بعمر الثالثة والسبعين بمرض غريب أفقده السمع وكاد يقتله وهذا البوتريت هو عرفان لجميل الطبيب الذي أنقذ حياته ويسميه (صديقي أريتا)، يصور غويا نفسه منهك وشاحب بفعل المرض بينما يصور طبيبه بإجلال، هذا الطبيب نفسه سيسافر لاحقا الى أفريقيا لعلاج الناس من وباء الطاعون لكنه لن يعود أبدا. البورتريت مشبع بالرقة والإنسانية يبدو فيه غويا ضعيفا على فراش مرضه يمسك بأغطية سريره بينما يسنده طبيبه بذراعه ويده الأخرى تقدم له الدواء،  هناك هيئات غامضة تقف بالعتمة خلف السرير، أحدها على شكل راهب يحمل وعاء  كأنه يتأهب لتأدية طقس ديني، أو قد يكونون هيئات شيطانية تنتظر أن تخطف روح الفنان. البورتريت ربما يكون بداية للجداريات الضخمة التي رسمها لاحقاً والتي عُرفتْ باسم كوابيس غويا. يوضح هذا البوتريت التناقض الذي يعتمل داخل الروح القلقة لهذا الفنان فهو رجل يؤمن بالسحر والملائكة والشياطين ومن جهة اخرى كان إبن عصره ويثق بالعلم والطب. 
 بورتريهات غويا مباشرة وغير مثيرة للجدل كما أعماله السوداء، تمنحنا القدرة على تتبع تطور أساليبه التعبيرية والفنية وعلى تتبع حياته الشخصية،  فقد كان من مؤيدي الفكر التنويري والإصلاحات، وهو أيضا رجل عائلة وصديق مخلص وإنسان يجد متعته الحقيقية في تصوير تفاصيل الناس وحياتهم. يُعد هذا العرض المخصص لبورتريهات غويا بحق أهم عروض نهاية سنة 2015  في العاصمة البريطانية، فهو يستدعي فنان كلاسيكي لكنه ثائر على تقاليد الرسم بذات الوقت وهو المبشر الحقيقي للمدرسة التعبيرية، حين بلغ 74 من عمره كان أصم تماماً ونص مجنون لكنه كان حاد البصر كي يستقرأ نهايته ويخلدها بلوحاته.

نشر المقال في صحيفة الشرق الأوسط 

الأحد، 1 نوفمبر 2015

166 عام على رحيل إدغار ألن بو


وكيف لا نموت من قلة الشعر يا إدغار ألن بو 

لا يزال الغراب في غرفتي
مهما توسلت ليس ثمة كلمات تسترضيه
ليس ثمة دعاء للتخلص منه
حيث توجب علي سماعه الى الأبد. 


كان الجو ماطراً في الثالت من إكتوبر عام 1849 لكن ذلك لم يمنع (جوزيف دبليو ولكر) وهو عامل في مطبعة من الخروج من بيته متوجهاً الى مركز للإقتراع للإدلاء بصوته، حين عثرعلى رجل يهذي وبحالة مزرية ملقى على رصيف بالقرب من مركز الإقتراع، كان الرجل يرتدي ملابساً رثة غير ملابسه، نصف فاقد للوعي وغير قادر على تفسير كيف انتهى الى هذه الحالة، نُقلْ هذا الرجل الى إحدى المستشفيات حيث قضى أربعة أيام متأرجحاً بين نوبات الهذيان والهلوسات البصرية وينادي بكلمة واحدة هي (رينولد) ، لم يُعرف من هو رينولد لحد الان، وجاء تقرير المستشفى بعد ذلك كالآتي: "تمّ التعرّف على الرجل المجهول والمتسكع الذي مات على حافة الطريق، أنه الشاعر إدغار ألن بو".
غادر إدغار ألن بو مدينة ريتشموند في ولاية فيرجينا قبل ذلك بخمسة أيام، في طريقه الى مدينة فيلاديلفيا ولحد الان لا يوجد أي تفسير لتواجده في مدينة بالتيمور، مات بعمر الأربعين في السابع من أكتوبر بعد سنتين من موت زوجته وحبيبته فيرجينيا إثر إصابتها بمرض السل، المرض ذاته الذي توفيت به أمه وهو بعمر السنتين. 
هناك عدة نظريات لتفسير موته الغامض، يعتقد البعض إنه قُتلْ من قبل عصابة تستغل بعض الناس الوحيدين للتصويت عدة مرات لمرشح واحد بعد أن يبدلوا ملابسهم ويفقدوهم الوعي بالخمر والضرب المبرح، والبعض الآخر يعزي السبب الى تناول الكحول المفرط أو الى أمراض معينة مثل داء الكلب أو الإنفلونزا. وسوف سيبقى سبب موت إدغار ألن بو غامضاً وملتبساً، كأن موته قصة اخرى رتبها بنفسه لتليق بنهاية كاتب كان له الفضل في إجتراح أدب الرعب والقصص البوليسية.   
موته الملتبس كما توتره وكآبته وقلقه ومواهبه الخارقة التي شكلت شخصيته الإبداعية المغايرة، والتي لم يفلح الدارسون حتى اليوم في تفكيك كل ألغازها وفي دخول كل سراديبها، وظل علامة التجديد والابتكار في الأدب الاميركي، ومثالاً على عراك لا يهدأ مع الهواجس والوجود. وصفه البعض بأنه أغرب شخصية في تاريخ أميركا الشعري والأدبي، وستبقى قصائده ترتل آلامه ومعاناته، وكل الأمريكيين تقريبا قرأو قصصه القصيرة مثل (جريمة قتل في المشرحة والحشرة الذهبية)، كما إن قصيدتيه الغراب وأنابيلا لي كما بقية أعماله الأدبية لا زالت تحظى بشهرة  بين القراء في جميع أنحاء العالم.  
عام 2014 أقامتْ له بلدية مدينة بوسطن وهي مسقط رأسه، تمثالاً بالحجم الطبيعي، يتوسط تقاطع شارعين في مركز مدينة بوسطن، التمثال يجسد إدغار ألن بو وهو يرحل عن بوسطن (لأنه كان يكره البقاء فيها)، فاتحاً معطفه للريح مثل يده ويحمل حقيبة مفتوحة يطير منها غراب بحجم أكبر من الطبيعي وخلفه يترك كتبه وقلبه مقطوع الشرايين والأوردة ، التمثال من تصميم النحات ستيفن روكناك. 
مدينة بوسطن ليست وحدها التي إحتفتْ وكرمتْ إدغار ألن بو، فقد أقامت له مدينة ريتشموند حيث تربى بعد موت والديه، متحفاً أُفتُتِحْ عام 1922 ، كذلك أقامت له مدينة فيلاديلفيا حيث أقام عدة سنوات، متحفاً في البيت الذي سكنه مع زوجته فرجينيا وأمها عمته (ماريا كليم).
يزور معجبو بو في نيويورك الكوخ الذي قطنه في برونكس حيث عاش أصعب فترات حياته، حيث توفت حبيبته وزوجيته فيرجينيا وعانى العوز وكتب قصيدته الشهيرة (الغراب)، السرير الذي إستسلمت فيه فيرجينيا للموت بمرض السل لا يزال على حاله في هذا البيت.
لكن اسم أدغار ألن بو إرتبط  بمدينة باليتمور بسبب موته الغامض على أحد أرصفتها، لذلك كرمته المدينة عام 1996عندما أطلقت عنوان قصيدته (الغراب) على فريقها بكرة القدم. لم يكن هذا هو الإحتفاء الوحيد الذي حظي به بو في مدينة بالتيمور، فهناك شخص مجهول يرتدي معطفاً أسوداً وقبعة (ربما يكون أكثر من شخص واحد)، يضع ثلاث وردات حمر وقنينة كحول على قبر الشاعر إحتفاءاً بميلاده في الثالث من إكتوبر من كل عام، إستمر هذا التقليد لمدة سبعة عقود من الزمن، وتوقف عام 2009 لأسباب مجهولة (ربما لوفاة هذا الشخص).  

سحر أدغار ألن بو هوليوود والسينما العالمية، حدّ إن نجوم الروك ونجوم السينما في بدايات القرن العشرين وحتى السبعينات منه تأثروا بتفاصيل من حياته، من عادة إرتدائه للملابس السوداء الى الإهمال والبوهيمية وصولاً الى حد تبديد موهبته وقريحته الشعرية، الى الإدمان على الخمر وتدمير الذات ومقاربة الموت وملامسة أطيافه ومحاكاته عبر شخصيات إبتدعها وجعلها تعيش موتها قبل الموت أحياناً، ولعل اشهر فلم مستوحى عن آخر أيام حياته هو فلم (الغراب/ 2012 ) للمخرج جيمس ماكتيك. وسيشهد نهاية  شهر أكتوبر من السنة الحالية عرض فلم أنيمشن بعنوان ( حكايا إستثنائية) مُستلهم من قصص بو القصيرة مثل (القلب المليء بالقصص، والحفرة، والبندول) يهدف هذا الفلم الى تقديم أدب إدغار ألن بو الى الجيل الجديد بطريقة عصرية. 
الممثل البريطاني (إدريس البا) سوف ينهي عن قريب فلمه الجديد المأخوذ عن رواية (يجب على بو أن يموت) للروائي الأمريكي (مارك أولدن)، والذي يتخيل فيها إن قوى شيطانية تهدد مستقبل البشرية ويقع على عاتق إدغار ألن بو نصف المجنون والمخمور دائما، إنقاذ البشرية من هذه القوى الشريرة بواسطة قوة خياله.   
لماذا يستمر القراء في القرن الواحد والعشرين وفي مختلف أنحاء العالم بقراءة النتاج الأدبي لكاتب مات مبكراً في القرن التاسع عشر؟ يحاول الناقد الأمريكي لمجلة لوس أنجلوس تايمز(ديفيد يولن) الإجابة على هذا السؤال: " يجسد إدغار الن بو في أعماله بشكل مميز التوتر في المجتمع الأمريكي، بين النزعة الجماهيرية والنزعة الأدبية، بين ما يحدث على السطح وما يحدث في الخفاء."   
رحل إدغار ألن بو عن عالمنا قبل 166 سنة لكن من الصعب نسيان إبداعه الأدبي أو حياته الحزينة أو حتى موته المحير، يوماً ما.

 نشر المقال في صحيفة الشرق الأوسط