الأربعاء، 20 أبريل 2016

معرض مؤسسة برجيل لأبرز الفنانين العرب في لندن

معرض مؤسسة برجيل لأبرز الفنانين العرب في لندن

كالري الوايت جابل اللندني العريق الذي أُفتتح سنة 1901 والذي أُعيد بناؤه وتوسعته عام 2009 ، الذي عُرضت فيه جورنيكا بيكاسو عام 1938 والذي شهد أول معرض شخصي للفنان البريطاني ديفيد هوكني 1970 ، شهد هذا الكالري  معرضاً لأهم الفنانين العرب الطلعيين من أمثال التشكيلي المصري محمود سعيد والفنان العراقي كاظم حيدر.
 المعرض سلسلة تتضمن أربعة معارض من المقتنيات الفنية المتنوعة والواسعة لمؤسسة برجيل التي تعنى بالفنون في المنطقة العربية. سيعرض في سلسلة المعارض هذه مئة عمل فني لأكثر من 60 فناناً من مختلف البلدان العربية ، سلسلة المعارض الفنية تروي قصة نشأة وتطور الفن العربي الحديث الى المعاصر عبر اللوحات الفنية ومن مختلف الفترات الزمنية وعبر الصور الفوتغرافية وأفلام الفيديو.
تأسست مؤسسة برجيل سنة 2010 لإدارة وحفظ وعرض المقتنيات الفنية الشخصية  لسطان سعود القاسمي والتي تضم أعمال ولوحات فنية متنوعة من بداية القرن العشرين الى الوقت الحاضر، وتعد مؤسسة برجيل للفنون أكبر مؤسسة فنية شاملة للفنون في المنطقة العربية.
الجزء الأول من سلسلة المعارض بعنوان (مناقشة الحاداثة)، بدأ عرضه إعتباراً من الإسبوع الثاني لشهر أيلول ولغاية شهر كانون الأول من العام الحالي، ويستكشف هذا الجزء بداية وتطور جماليات الفن حينما كان العالم العربي يرزح تحت تأثير تغييرات جوهرية سياسية وإجتماعية ترافقت مع نهاية الإحتلال الأوربي وبداية الإستقلال وتكون الدول العربية، هذه التغييرات التي أدت الى بزوغ النهضة العربية الحديثة، عبر لوحات ورسوم يعود تاريخها الى بداية القرن العشرين حيث تُعرض لوحة (فتاة نوبية) للفنان المصري الأرمني إيرفند ديمتريجيان( 1870-1938 ) والتي يعود تأريخها الى عام 1900، وأنتهاءاً بلوحة الفنان المصري حامد عويس( 1919- 2011 ) الحارس 1967 والتي كانت رد فعل الفنان أزاء صدمة حرب حزيران، اللوحة الكبيرة تمثل مقاتلاً أسمر الملامح بذراعين مفتولتين يحمل سلاحاً ويستحوذ على مساحة اللوحة بينما في أسفل اللوحة مشاهد من الحياة اليومية للناس بما في ذلك مشهد زواج وطفل يركب دراجة وفلاح وأم وطفلها وخلفية اللوحة تمثل منظراً يمكن أن يكون لأي مدينة عربية بنهرها وجسرها ومآذنها. 
 وسيعرض الجزء الثاني من هذه السلسلة الفنية إعتباراً من ديسمبرهذا العام وحتى أبريل من العام المقبل وسيركز على ثيمة الرموز والمجاز في الأعمال الفنية العربية للفترة من (1968-1987 )، بينما الجزء الثالث سيكون موعد عرضه من أبريل للسنة القادمة وحتى شهر أوغست وسيركز على الفوتغراف وفنون الفديو لفترة التسعينات من القرن المنصرم، بينما سيركز الجزء الأخير من سلسلة المعارض على أساليب الفنانين في رسم وإستلهام المدن العربية التي يعيشون بها أو التي يعملون بها.  
هناك الكثير من اللوحات الجميلة والنادرة في هذا المعرض، أهمها لوحتين نادرتين تعرضان للمرة الأولى للروائي اللبناني الشهير جبران خليل جبران، تُظهران تأثره الجليّ بتخطيطات ليوناردو دافنشي، إحدى اللوحتين تمثل إمراة عارية تقف بجسد منثن، تحمل طفلاً على كتفيها تحوطهما معاً يد كبيرة  بحنان بالغ.  

لوحة الفنان السوداني (أحمد شيبرين 1931) المؤرخة عام 1960 التي إستخدم فيها عدة مواد مختلفة على ورق ، ويستلهم بها جماليات الخط العربي مع تكوينات بالأسود والأبيض تنهل من سحر الطقوس الأفريقية ومع ذلك ظلت اللوحة وفية لتجريدها، كم ذكرتني لوحته بلوحات الفنان الإسباني أنتوني تاباز (1923-2012). 


ثلاث لوحات للتشكيلي المصري الشهير محمود سعيد( 1897- 1964) وهو من مؤسسي المدرسة المصرية الحديثة للفنون التشكيلية، تظهر تأثره بالإنطباعية، لوحته المعنونة (القطة البيضاء/ 1948 ) تظهر فيها ثنائيات نسوية يقفن بطريقة مغرية، متلفعات بالعباءة  والخمار المصري ومنشغلات بالحديث وفي خلفية اللوحة صيادو السمك، الكل مشغول بأمره عدا قطة بيضاء وحيدة تحتل مركز اللوحة وتنظر مباشرة في عين المشاهد كأنها طفل ضائع. 
طفحت في عيني دمعة وأنا أتأمل لوحة (عشرة خيول متعبة /1965 ) هذه اللوحة التي قرأت عنها وعن صاحبها الكثير، الفنان العراقي الرائد كاظم حيدر( 1932-1985 ) وهي جزء من لوحات ملحمة الشهادة التي تستلهم واقعة الطف بإسلوب تعبيري تجريدي يقترب من التكعيبية والإختزال، عشرة خيول تنوح وتناجي الأفق المعتم كما أرضية اللوحة المعتمة بينما قمرأً أحمراً كأنه شاهد على نواح الخيول. يا له من مزج فريد للأساليب في تناول الموروث الشعبي. 

 لوحتان للفنان العراقي الرائد ضياء العزاوي، مزيج من الألوان الداكنة والسوداء أعادتني الى الألوان الباروكية، ضربات الفرشاة تقترب من خطوط المشرط وأشكال غير واضحة المعالم لها أقدام وأيدي ثقيلة غليظة ، ضياء العزاوي يعتبر من أبرز الفنانين العراقيين 

لوحة صغيرة للفنان العراقي الرائد جواد سليم غير معنونة مؤرخة 1951 تظهر بنتان بعيون واسعة تذكرنا بعيون النساء في الحضارة العراقية القديمة. لوحتان للفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد تظهر أحدهما ولعه بالطلاسم وعلم الحروف بينما أختلفت الثانية بالاسلوب تماماً، حيث الالوان البراقة لديك في حالة الصياح. 


خمس لوحات من الحبر على الورق للفنانة المصرية إنجي إفلاطون( 1928-1985 ) تُظهر تأثرها بالسوريالية. لوحتان للفنان المغربي الرائد أحمد شرقاوي. لوحتان كبيرتان للفنان السوري مروان يقترب بها من السوريالية في تناول أشخاص معروفين. لوحة إمرأة وجدار للفنان الجزائري الرائد أحمد أسيخام( 1928-1985 ) تصور إمراة بالملابس الأمازيغية التقليدية وملامح صارمة وخلفها جدار مكتوب عليه كلمات تمثل إحتجاجات أو شعارات. 

 شيخ سلطان القاسمي ومؤسسة برجيل للفنون وكالري الوايت جابل يمثلون تلاقيا نادرا، ليس لأن هذا العرض الفني الجميل يتيح للزوار والمهتمين بالفن في العالم العربي فرصة نادرة لمشاهدة لوحات أبرز الفنانين العرب الطليعين في مختلف البلدان العربية  فقط، لكنه يسلط الضوء ايضاً على عرض وطلب وسوق الفن العربي الحديث وكيف يمكن أن تُسوقْ وتزيد قيمة هذه اللوحات الفنية بتلاقح جهود جامعي اللوحات والمؤسسات التي تعنى بالعروض الفنية وجهود قاعات العرض العالمية. شكراً لكل الجهود الخيرة التي إقتنت ْوحفظتْ وعرضتْ هذه الأعمال الفنية التي تؤرخ بطريقة فنية لنهضتنا العربية المعاصرة.

السبت، 16 أبريل 2016

عن مدينة كامبردج

كامبردج وجسورها العريقة على نهر كَيم  

جسرا الرياضيات والعبرات 
حينما وقفتُ على جسر (فن كوزوي/ Fen Causeway) كي ألتقط صوراً تذكارية لجسر الرياضيات الخشبي الذي يربط  شطري كلية الملكات ( Queens’ College) أخبرتني عجوز إنكليزية إن هذا الجسر صممه وبناه إسحق نيوتن بدون إستخدام المسامير اللولبية في شد أجزائه، لكن(وليام أثيريج/William Etheridge) هو من صمم جسر الرياضيات وبناه عام 1747 وأُعيدَ بناء الجسر مرتين بعد ذلك لكنه إحتفظ بتصميمه الأصلي، ورغم إنه يبدو كقوس خشبي لكنه يتكون بمجمله من أضلاع خشبية مستقيمة رُبطت بطريقة هندسية محكمة الزوايا والقياسات ومن هنا جاءت تسميته بجسر الرياضيات. أخبرنا بذلك فيما بعد قائد قارب البنط (Punt) الذي ساقني وسواح آخرين في جولة نهرية في نهر كيم الذي يخترق  مدينة  كامبردج من جنوبها 
  الغربي متجهاً الى شمالها ماراً بكلياتها التاريخية ومعالمها الشهيرة. 

الكلية التي خرجت الفائز بجائزة نوبل مرتين 
 (كلية الملك/ King's College) التي بدأ الملك هنري السادس بناؤها عام 1441 وانتهى بناؤها عام 1544 في عهد الملك الشهير هنري الثامن وتعتبر من اهم معالم العمارة القوطية في بريطانيا ويحتوي سقفها على أكبر مروحة هوائية في العالم، خرجت هذه الكلية العديد من الأسماء المشهورة منها (روبرت ويلبول/Robert Walpole) أول رئيس وزراء بريطاني منتخب، الشاعر (روبرت بروك/Rupert Brooke )، الروائي سلمان رشدي، فريدرك سانجر الحائز على جائزة نوبل مرتين في الكيمياء. الشاعر الصيني (تشو زيمو/ Xu Zhimo) المجدد الكبير في الأدب الصيني الحديث والمتوفي في حادث طائرة عام 1931 عن عمر لايتجاوز الخامسة والثلاثين، كرمته الكلية بنقش إسمه وأبيات من شعره على شاهدة مرمرية بيضاء قريبة من ممشى نهر كَيم، يقول في مطلع قصيدته (وداعاً كامبردج مرة أخرى)  :
بمنتهى الهدوء أبدأُ عطلتي
بمثل الهدوء الذي جئتُ به
بهدوءٍ ألوحُ وداعاً
للغيوم الوردية في سماء الغرب.
لكلية الملك أيضا جسرها المسمى على إسمها والذي شُيّد في القرن الخامس عشر وأُعيد بناؤه عدة مرات ونسخته الحالية تعود الى عام 1819 يربط شطريها المتقابلين على نهر كيم.
أما أقدم الجسور في كامبردج والذي لم يُجدد بناؤه  فهو جسر كلية كلير( Clare College نسبة الى الليدي كلير حفيدة الملك ادوارد الاول) الذي يربط شطري الكلية التي هي ثاني اقدم كلية في كامبرج تأسست عام 1326. شيد الجسر توماس كرامبولد(Thomas Grumbold ) عام 1639، هذا الجسر مزدان بكرات حجرية على سياجه لكن هناك كرة واحدة مفقود ربعها في جزئه الجنوبي ويقال السبب في ذلك ان ضرائباً عالية 
كانت تُفرض على الجسور المكتملة البناء في ذلك الوقت لذلك بقي الجسر غير مكتمل. 

مخطوطات شكسبير وعصا إسحق نيوتن
(مكتبة رين/Wren Library) ستكون في مرمى البصر ايضا أثناء الجولة النهرية التي تستغرق 45 دقيقة، الدخول مجانا للسياح وتحتفظ هذه المكتبة بعصا المشي التي كان يستخدمها إسحق نيوتن وخصلة من شعره والنسخة الاولى من كتابه الشهير(الفلسفة الطبيعية). وكذلك بعض مخطوطات شكسبير الأصلية وبعض الرسوم النادرة من القرن السادس عشر للسلاطين العثمانين. مكتبة رين هي جزء من كلية ترنتي(Trinity College) التي درس وتخرج منها بعض أفراد العائلة المالكة مثل الأمير  تشارلس وملكة الدنمارك ماركريت الثانية وكذلك تخرج منها إسحق نيوتن والفيلسوف الانكليزي فرنسيس بيكون واللورد بايرون والشاعر الباكستاني محمد اقبال والكثير من حملة جائزة نوبل وفي كافة الاختصاصات.
 جسر العبرات أجمل جسور مدينة كامبردج وأشهر معالمها على الاطلاق وهو يماثل معماريا جسر العبرات في مدينة البندقية، هذا الجسر المسقف والمزدان بنوافذ كبيرة تطل على النهر بناه المعماري هنري هاتشينسون(Henry Hutchinson) عام 1831وهو يربط فناء كلية سانتجونز الثالث بفناء الكلية الجديد وقد إستمدَ الجسر إسمه من عبرات الطلاب وتنهداتهم المتواصلة على الجسر الذي عليهم أن  يعبروه للحصول على نتائجهم في الجهة المقابلة حيث مكتب عميد الكلية.
يلى جسر العبرات جسر رين(Wren Bridge) الذي يعود ايضا لكلية سانتجونز الشهيرة التي أسستها مارغريت بوفور والدة هنري السابع ملك إنجلترا عام 1511 . تعد الكلية ثاني أهم كليات جامعة كامبريدج  وكان طلابها في القرن التاسع عشر ناشطين ضد تجارة العبيد في بريطانيا وتوج نضالهم بقانون منع التجارة بالرق عام 1807. 

أشباح  أكاديمية
ووفقا لسائق قارب البنط.  فان كلية سانتجونز مسكونة بالاشباح ومن أشهرها  قصة شبح الطالب الفقير (جيمس وود) الذي لم يكن بإستطاعته شراء زيت لإنارة غرفته ومراجعة دروسه مما إضطره الى الجلوس ساعات طويلة في السلم المضاء جيدا لإداء واجباته ويبدو إن شبحه لايزال يسكن السلم ذاته والفناء الجامعي الذي يليه.
جائزة الملعقة الخشبية
جزء من تقاليد كلية سانت جونس العريقة هو منحها جائزة عبارة عن ملعقة خشبية ضخمة يتجاوز طولها المتر للطالب الذي يأتي ترتيبه الأخير في مادة الرياضيات الصرفة ولاتزال آخر ثلاث ملاعق خشبية معلقة خارج غرفة اتحاد الطلاب. إنتهى هذا التقليد منذ عام 1909 بعد أن إتبعت الكلية إسلوب الترتيب الأبجدي في إعلان النتائج. 

نزهة نهرية في قارب
قارب البنط التقليدي ((Punt الذي تشتهر به مدينة كامبردج يقوده احد طلاب المدينة غالبا وهو يمتلك خزين من المعلومات عن المدينة وأبنيتها الأثرية، الجولة النهرية تمكن السائح من مشاهدة حدائق وخلفيات سبع من كليات الجامعة التي تعد ثالث اقدم جامعة في العالم وتضم إحدى وثلاثون كلية، أقدم كلياتها هي بيتر هاوس تأسست عام 1209. مدينة كامبردج  تبعد حوالي ثمانين كليومتراً شمال لندن حيث يسير قطار سريع من محطة كنكز كروس كل ثلاثين  دقيقة برحلة لا تتعدى الخمسون دقيقة. 

 متحف فيتز وليام (Fitzwilliam Museum) هو متحف المدينة الرئيسي، يقع في وسط كامبردج، بُني عام 1816 وهو مفتوح  للسواح مجانا ويحتوي على اللوحات الفنية والآثار والعملات النقدية القديمة وكذلك المخطوطات الأصلية  ويسقبل 300,000 زائر سنويا. لوحات اصلية لكل من تيتيان ومونيه وديغا ورينوار وسيزان وبيكاسو وكذلك يحتوي على آثار الحضارات القديمة لمصر وبلاد الرافدين والإغريق والرومان، منحوتة ضخمة للملك آشور ناصربال الثاني وهو يحمل وعاءا  للخمر تزين السلم العريض المؤدي الى قاعة عرض آثار هذه الحضارات وكذلك يحتوي  المتحف على صندوق نادر من الغرانيت لمومياء الملك رمسيس الثالث والكثير الكثير غيرها من الكنوز الفنية والاثرية.


 في كامبردج العديد من المطاعم والحانات المشهورة ومطعم النسر ((The Eagle من أشهرها على الاطلاق وبمقدور رواد هذا المطعم قراءة أسماء طياري الحلفاء الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية منقوشة على جدران وسقف المطعم حيث دونها تخليدا لذكراهم نظراؤهم في القوة الجوية البريطانية الذين إرتادوا المطعم اثناء الحرب. 
مدينة كامبردج واحة آمنة لمستخدمي الدراجات الهوائية بتشجيع من بلدية المدينة للحفاظ على الابنية التاريخية من خطر التلوث والتقادم وتأجير دراجة هوائية هو افضل طريقة لأستكشاف هذه المدينة ومعالمها. 

ذكرى عمرها أربعة قرون
اثناء تجوالي في شوارع المدينة إكتشفتُ هذه العلامة التذكارية (1661 EW ) التي تعود الى القرن السابع عشر محفورة في احد الجدران الخارجية لكلية الملك، لاتزال محتفظة برونقها كأن عاشقين قد حفرا حرفين من إسميهما قبل ساعة. وكثيرا ما تشهد حدائق وقاعات كليات الجامعة الأثرية حفلات الزواج لطلابها او للمتخرجين منها او لعامة الناس ممن يرغب أن يكون حفل زواجه في مكان مميز وقد شهدتُ بنفسي إحدى حفلات الزواج  في حدائق وقاعة في كلية الملكة.


الثلاثاء، 5 أبريل 2016

عن معرض روسيا والفن في الناشنول بورتريت غاليري في لندن


  تولستوي ودوستوفسكي وأنا إخماتوفا 


بالتزامن مع إنتهاء عرض مسلسل الحرب والسلم المأخوذ من رواية تولستوي الشهيرة  بنسخته الانكليزية الأخيرة من قناة البي بي سي، إفتتح الناشنوال بورتريت كالري في لندن موسم معارضه الربيعية بمعرض تحت عنوان ( روسيا والفن)، تضمن المعرض 26 لوحة بورتريت لأهم الرموز التي شكلت الهوية الثقافية لروسيا من روائيين ومسرحيين ومؤلفيين موسيقيين وشعراء في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
أُفتتح الناشنوال بورتريت كالري في لندن عام 1856 وهي ذات السنة التي قرر فيها رجل الأعمال الروسي المهتم بالفن بافيل تريتياكوف الذي كان بعمر الثانية والعشرين حينئذ البدء بجمع المقتنيات والأعمال الفنية، هذا المشروع الذي إستمر أربعة عقود من حياته التالية والذي أنفق عليه مبالغ طائلة وكلف به أفضل الفنانين الروس لكي يرسموا الكتاب والمؤلفين الموسيقيين والمفكرين وكل الشخصيات التنويرية التي ساهمت في تكوين الهوية الروسية. وقبيل وفاته عام 1892 أهدى كل مقتنياته الفنية التي تقارب ألفين عملاً فنياً الى بلدية موسكو وهذه التحف الفنية تمثل الان جوهر المتحف الوطني الروسي في موسكو وهي أكبر مجموعة فنية روسية في العالم واللوحات في هذا المعرض مستعارة  من متحف تريتياكوف في موسكو.
 كثيرا ما نتخيل إن الفن الروسي الحديث بدأ مع بداية الثورة البلشفية أو قبلها بقليل لكن هذا العرض الجميل يفند سطحية هذا الرأي، فالوجوه في بورتريهات المعرض مشهورة لكنها في ذات الوقت تعرفنا على الفنانين المنسيين الذين أبدعو هذه البورتريهات.
عى سبيل المثال الرسام والخطاط ومصمم الديكور ميخائيل فروبل (1856_1919 ) وهو أحد أبرز ممثلي تيار الرمزية في الفن الروسي هو مثال على المبدع القلق الذي ينظر للعالم بنظرة متشظية كسيرة. تعرض له لوحتان، الاولى لزوجته مغنية الأوبرا الروسية الشهيرة ( ناديجدا زابيل فروبل) التي يصورها جالسة بإسترخاء بثوب أبيض تزينه شرائط صفراء براقة،  تمط شفيتها قليلا بنصف إبتسامة، لكن ميخائيل فروبيل سيصاب بعد إنتهائه من هذه اللوحة بفترة قليلة  بإنتكاس نفسي ويبقى داخل جدران المصحة ما بقي من عمره، أعتقد حتى نصف الابتسامة قد إختفت من وجه زوجته بعد ذلك.   

 لوحته الثانية  لرجل الأعمال وصديقه مؤسس الاوبرا ( سافا مامونتوف) يصوره فيها كأنه قوة تطغى على كل ما يحيطها، هذه اللوحة رُسمتْ  بالأشكال المكعبة المكتتزة  قبل إجتراح التكعبية في باريس بحوالي عقد من الزمن.
 صالة المعرض الاولى ضمت لوحات للروائيين الروس، لوحة دوستوفسكي وهي اللوحة الوحيدة التي رُسمتْ له أثناء حياته والتي أبدعها الفنان الواقعي الروسي فاسيلي بيروف عام 1872 يظهر دستوفسكي يحدق الى الاسفل، كأنما ينظر الى العتمة  بزواية غريبة، يبدو جلده مثل غشاء من الأوردة والشرايين المتوترة الممتدة التي تتخلل العظام الناتئة لجمجمته، تتشابك يداه بعصبية وثيابه متهدلة ، دوستوفسكي في هذه اللوحة كأنه أحد أبطاله الروائيين أو مزيج منهم ، رجل يحمل عبء ثقيل مثل مجرم يشعر بالذنب أو حكيم يائس ينوء بحكمته.  


 لوحة تولستوي(1828-1910 ) التي رسمها الفنان نيكولاي جي عام 1884 وكان تولستوي وقتها قد حاز على شهرة عالمية من خلال رواياته الحرب والسلام وأنا كارنينا، وإنغمس كلياً بمبدأ تحقيق العدالة الإجتماعية، هذه اللوحة تصوره منكب على مكتبه، إلا إن أدوات الكتابة المذهبة  تشي بطبقته الإجتماعية وتتناقض تماما مع قميصه الأسود البسيط.  لوحات اخرى لتيشخوف وتورغنيف وبورتريت للعالم اللغوي والفلكلوري فلاديمير دال رُسم عام 1872 قبل أشهر من وفاته للفنان فاسيلي بيروف، هذه اللوحة ليست تصوير لعالم مشهور في ذلك الحين ويتقن ست لغات بقدر ما هي دراسة لملامح شيخ على وشك الرحيل، وجه ذابل ولحية فضية طويلة وأكتاف متهدلة وغير مكترثة ينظر فلاديمير دال الى الموت بعينيه، لوحة يمتزج بها الضعف الحاد مع قوة الحكمة والمعرفة الباطنية.



يلفت إنتباه الزوار في الصالة الثانية من المعرض بورتريت للموسيقار الروسي الشهير تشايكوفسكي (1840-1893 ) واللوحة في آخر سنة من حياة الموسيقار، للرسام وأستاذ الفن الاوكراني الأصل نيكولي كوزنتسوف، ورغم ان تشايكوفسكي كان في أوج شهرته الا إن اللوحة تؤرخ لتعاسته وقلقه النفسي بجبين معقود الحاجبين ويد متشجنة تحط على النوتات الموسيقية ونظرة حذرة كأنه يخشى النظرات والاضواء ويقول لكل من يقترب من اللوحة لا تتفحصني. 

الصالة الثانية ضمت أيضا لوحة اخرى للموسيقار نيكولاي ريمسكي كورساكوف وهو أحد الموسيقيين الخمسة الكبار الذي يمثلون جوهر موسيقى روسيا الوطنية.
بورتريت آخر للشاعرة انا إخماتوفا يعود تاريخه الى 1914 يصورها جالسة بين شجرتين وفي يدها كتاب مكللة بهالة مشعة للفنانة الروسية اولغا كاردوفسكيس عام 1914، اخماتوفا التي كانت شاهدة شجاعة بشعرها على روسيا القرن العشرين، والتي نجت من حصار لينينغراد وعاشت كي تشهد إضطهاد ستالين لكل الناس الذين أحبتهم في حياتها بما في ذلك إعدام زوجها الشاعر نيكولاي جوموليوف عام 1921بحجة مناهضته للثورة البلشفية ( له بورتريت أيضا)  وإعتقال ابنها، في هذه اللوحة تشع الكرامة والسمو من جلستها الجانبية.          
روسيا والفن هو فرصة ثمينة لعشاق الفن والأدب الروسي كي يشاهدو أبرز اللوحات التي تؤرخ لرواد الحداثة الثقافية في روسيا والتي استعارتها ادراة الناشنونال بورتريت كالري في لندن من تريتياكوف كالري في موسكو، المعرض يستعرض ويركز على الفترة الزمنية بين 1867 الى 1914 تحديدا والتي إضمحلت فيها المسحة الشرقية للإنطباعية الروسية، وهيمنت بالمقابل هوية وطنية بالتزامن مع موجة الواقعية الروسية. كل فناني روسيا في عهد تولستوي تقاسمو الحساسية الفنية ذاتها  والارادة في الحفاظ على الهوية القومية. ومن الواضح جدا إن سيطرة الثورة البلشفية 1917 على الحياة الثقافية كان النهاية السريعة لعصر الثقافة الروسية الذهبي.
مما يلفت الإنتباه في جمع الروائيين والفنانين ورواد الثقافة الروسية هذا، إنهم كلهم يصرون أسنانهم وأغلبهم يبدو معذبين ومضطربين وفي ثلاث صالات هناك فقط إبتسامتين احداهما لمغنية الاوبرا المشهورة (ناديجدا فروبل) والاخرى لعازفة البيانو تلميذة فرانز ليست(صوفي منتير)، ولولا الشرح التعريفي بجانب كل لوحة لتخيلت نفسي انني أمام معرض لمرضى في مصحة نفسية.
يستمر المعرض في الناشنول بورتريت كالري حتى شهر حزيران المقبل بالتزامن مع عدة حفلات موسيقية ومحاضرات للثقافة الروسية.