الجمعة، 30 نوفمبر 2018

عن رواية الباغ للروائية العمانية بشرى خلفان

(الباغ) حديقة عمانية متنوعة 


من غرائب اللغة العربية أنّ الفعل روى يفيد معنيين؛ الأول هو السقي والثاني هو السرد، وهذا ما يحدث مع رواية (الباغ) للروايئة العمانية بشرى خلفان، فقد سَقتْ القراء من زلال الحكايات والتاريخ والازياء والجغرافية وكل ما يخص هذا البلد الذي يقع جنوب الجزيرة العربية والذي ما يزال للغالبية مجهولا نوعا ما. وما من قارئ ينتهي من هذه الرواية الا ويذهب لتفحص خارطة عمان وجباله وموانئه ومدنه التي ترد في تفاصيل الرواية.
تقع الباغ في 334 صفحة وقد صدرت طبعتها الاولى عن دار مسعى عام 2016 وبغلاف ملفت بطلاسم حروفية ورقمية ورسوم بحرية اشتهر بها اهل عمان، وما أنّ نفتش عن لوحة الغلاف حتى نكتشف انها فعلا صفحة من مخطوط قديم هو (معدن الأسرار في علم البحار) للبحار العماني ناصر بن علي الخضوري. الرواية هي الاولى للكاتبة بشرى الخلفان بعد عدة مجموعات قصصية. والباغ حكاية تمسك بتلابيب القارئ وتقبض على مشاعره تماما من خلال قصة حب عجيبة تبدأ من اول صفحاتها ولاتنتهي مع نهايتها. لكن هذه القصة لا تشبه قصص الحب التي نعرف، بل هي قصة محبة ومصير بين أخ وأخته. تبدأ الرواية بهذه الجملة: " نخوض، يا نوصل رباعة يا يشلنا الوادي رباعة"، وخاضت الكاتبة برفقة قرائها وعبر مسالك وشخوص وتتابع احداث الرواية، رحلة موفقة وممتعة  لتنتهي في آخر صفحة بالجملة ذاتها "يا نوصل رباعة يا يشلنا الوادي رباعة".  
ورغم ان عالم السرد لا يحوي الحقائق بل التأويلات، لكننا ابحرنا في حقائق تاريخية عن عمان وتقلباتها السياسية بين السلطان في مسقط والإمام في نزوى، منذ أربعينات القرن الماضي وحتى إستلام السلطان قابوس الحكم. وقد اختارت الكاتبة لبطلي الرواية (ريّا وراشد) أن يَبْدآن رحلتهما عبر الغربة والنفي الارادي كرد فعل على الظلم الذي تعرضا له من العم والعشيرة عقب وفاة والدهما: "بلاد ما ترد الظلم عن أولادها ما نبات فيها ليلة" ص11. يختار الأخوان ترك قريتهما، لكن المنفى يتضمن فكرة الإلغاء، إلغاء علاقتهما بالسماء والارض والمجتمع، ثمة خط عمودي يصل بين السماء حيث المعبود وبين الاسلاف في هدأة الموت الطويلة، وثمة خط افقي يضمُّ (القرية /السراير) حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة. وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الاخوان. هول رحيلهما هو في اقتلاعهما من نقطة التقاطع هذه وازدراعهما في بقعة اخرى لن تكون نقطة التقاطع فيها هي ذاتها، فلا السماء اولى ولا الاسلاف اسلاف ولا الهواء ولا رائحة الزرع ذاتها. لكنهما وصلا مسقطا معا، وكأنما القاريء يحاذيهما في المشي ويتماه معهما، ويتعرف من خلالهما على جغرافية مسقط ومناطقها وبحرها وقلعتها وابراجها وبوابتها، وذلك عبر ما يرويه ويصفه الراوي وهو صوت الشخص الثالث الذي اختارته الكاتبة كآلية سردية، وقدّ تعمّدَتْ اشراك القاريء لإستكشاف الأمكنة والاحدث مع الأخوين، بهذا الصوت وهذه اللغة الوصفية التفصيلية المتتابعة، فصرنا نعرف جغرافيا مسقط في أربعينيات القرن الماضي( بيت فرنس/ بيت القنصل الفرنسي، قلعة الميراني، الفرضة، قصر السلطان، بيت الباليوز/ مقر القنصل الانكليزي، مقر الجمارك، كوت الجلالي/ السجن، حارة الميابين، بيت الوادي)، كأنما تدخلنا الكاتبة إلى هذه الجغرافيا منذ الصفحات الاولى لنكون شهودا بما سيحدث من تغيّرْ جغرافي مع تتابع السرد. كان راشد مزاراعا في قريته (السراير)، يهتم بالنخيل والزرع والجني والثمر، ويحوّل مجرى المياه الى قنوات الفلج، هو ابن الحياة والارض، لا يعرف القراءة والكتابة، كأنما تقصّد ابوه ذلك لخشيته من اجتماع العلم بالقوة البدنية عند ولده، وعلّم اخته ريّا القراءة وتلاوة القرآن ولم يعلّمه، لكن راشد وقع ضحية جهله حين إحتال عليه عمه وسجنه بتهمة ظالمة، وسيهزم راشد جهله بعد حين بتعلم القراءة والكتابة سريعا من صديقه علي. وما أنّ يصل مسقط حتى يفقد حريته، يفقد نخيله وزرعه ويتحول الى عتالٍ يحمل البضائع من والى السفن ثم شرطي يحمل سلاحا ثم عسكري في حامية مسقط. البحر مثل مسقط غسل جراحه وهيجها في ذات الوقت، بينما قرّب علم ريّا وحسن تلاوتها للقرآن من مضيفتها العودة التي تبنّتها وعلّمتها اسرار التداوي بالأعشاب وكيفية تغسيل الميتة وتكفينها، التي ورثتها عن امها. كان راشد طفلا غضوبا صموتا وكانت اخته ريّا اماً رؤومة وعارفة. تتزوج ريّا لاحقا من علي صديق راشد، كأن زواجها من صديق اخيها هو إرتباطا مضاعفا به.
جدوى الرواية:
أنّ كتابة رواية عن التاريخ القريب لبلد ما، لهو عمل شاق فعلا، فالكاتبة ارادتْ تضمين كل ما تعرفه عن تاريخ بلدها من خلال حكاية اخ واخته. مبرر كتابة الرواية هو الكشف والإكتشاف، والرواية التي لا تكتشف جزءً من الوجود لايزال مجهولا هي راوية غير مجدية، وقد تكون المعرفة هي مبرر الرواية الوحيد. وقد كشفت لنا الروائية بمهارة اخلاقية نادرة، خفايا علاقة انسانية قلما تناولتها الرواية من قبل وهي علاقة الاخت بأخيها وأرتباطهما المصيري معا، بدءً من اللحظة التي يربطان نفسيهما معا وهما فوق ظهر الناقة لعبور الوادي الذي تغمره السيول؛"ريا ليست بعيدة عنه، يسمع صوت تنفسها فيطمئن".
كشفت هذه الرواية ايضا الاحداث المهمة خلال حكم السلطان سعيد بن تيمور، هجرة العمانين للدراسة والعمل وتبنّيهم العقائد السياسية المختلفة، نشوء مسقط الحديثة ثم تولي السطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم. هناك تداخل بين الحقائق والمنازعات التاريخية وبين الذاكرة الشخصية للشخوص، بين انتقالات سردية رائعة من الذكريات التي يختزنها راشد في روحه والمشاهد التي يراها وهو في السيارة العسكرية المكشوفة، في طريقه الى صحار لبسط سيطرة السلطان المدعوم بالقوات البريطانية على واحة البريمي العمانية المحاذية للحدود مع ابو ظبي، لكن بريطانيا دوّلت النزاع الذي لم يُحل الا قريبا لصالح عمان.    
والرواية تستقريء الاساطير والعادات الشعبية والتداوي بالاعشاب، وتفاصيل الحياة اليومية للناس البسطاء من مأكل( التمر، القهوة، مرق السمك مع التوابل)، الملبس( كمة/طاقية، المصر/ العمامة)، (السبلة/مجلس الشيخ، البرزة/ مجلس الوالي، الصباح/ الدكة التي يجلس عليها حراس البوابات، الباغ/ الحديقة). طقوس العرس وأهازيجه، وخليط البشر المتعايشين من هنود البانيان والبلوش والعرب والإنكليز، وكل ذلك بلغة منسابة شاعرية بلا تكلف وصورية بلا إطالة في الوصف. كما نجحت الكاتبة جدا بتطريز السرد والحوارات بالدارجة العمانية وهو ما منح الرواية نكهتها الخالصة:(مدي يدش وفتحي قلبش)ص64. تقوم البنية السردية في هذه الرواية على حكايا النساء، حكاية ريّا الرائية التي حُجِبت بغلالات من الكلام والأمنيات، والتي رفض ابوها تزوجيها من ابن عمها الظالم ثم زواجها وامومتها، وحكاية أمها من قبلها التي تمت التضحية بها في زواج صلح بين القبائل، حكاية العودة وحكمتها وصندوقها ذو الأسرار، حكاية البيبي البحرينية التي تزوجت تاجرا من عمان. المرأة في هذه الرواية هي من يصنع الحدث ويديره كيفما تشاء باستثناء الحرب التي تُنْبتْ القسوة في القلوب. هي التي تشفي وتُطعم وتُعلّم:"لو علمتهن تكثر كلمة الله ويوم تكثر كلمة الله قلوب الناس ترق" ص116. وهكذا صارت ريّا معلمة في بيت(الباغ/ البستان)، الكاتبة هنا أحسنت توأمة العلم والحب مع البستان، وهل من بستان غير الحب والعلم! لكن الإستزادة من العلم تستدعي الخروج من (البستان/ الجنة)، وهذا ما حصل مع زاهر ابن ريّا حيث يهاجر الى الكويت طلبا للعلم تاركا حبيبته مزنة ابنة البستان وعلى شفتيها شبح قبلة يتيمة. المزيد من العلم سوف يشقيه ويجعله مسكوناً بالاسئلة التي ستقوده إلى مواجهة مع خاله راشد العسكري المنضبط، وإلى مصيرٍ مجهولٍ حتى نهاية الرواية.



الأحد، 21 مايو 2017

مقدمة ومختارات للشاعرة الامريكية فلورنس أنتوني/ آي

ريح من لا مكان 

  
ريح من لا مكان

الشاعرة الأمريكية فلورنس أنتوني


يجب عليها  أن تعرف
ثقل يد الرجل.
تلك الكدمات تشبه
جروح المسيح.
ودمها ذاك الاسود في القلب
 يجب ان يسيل...
 نقياً وأحمراً كما دمه
وعليها أن تكون حاملاً دائما
اذا لم يكن بطفل
فبمعرفة
إنها على قيد الحياة بسببك.
وأنك تقدر ان تسلبها تلك الحياة
بسهولة مثلما تمنحها.
معاناتها من إرثها
منك وبك ،
من المسيح..
الذي مشى على جسد إمه
ليصبح ملك الجنة
من قصيدة "قصة الأم"(مجموعة خطيئة)1986

بورتريت شعري لعنف مخضب بالجمال


" آي : الاسم الذي أرغبُ أن اُعرف به "
 هذا ماصرّحتْ به ( أنتوني فلورنس ) في عام 1969.
 قبل عقدين من هذا التاريخ كانت ام انتوني، المطلقة من زوجها الأول، حاملا بها بعد علاقة جنسية عابرة وسريعة مع مايكل أوكاوا، وهو ياباني، التقتْ به في محطة بنزين، ورغم  محاولة الام إسقاط الجنين، عن طريق الاجهاض، إلا أن " آي " حازت على مكان فوق سطح الارض، فكان إسم والدها المدون، في شهادة الميلاد، هو اسم زوج امها الاول.
لكن الام سرعان ماتزوجت ثانيةً من ستون هاينز، وهكذا عُرفتْ الشاعرة في طفولتها بإسم " فلورنس هاينز " ثم عادت واستعملت إسمها الرسمي " فلورنس انتوني " عندما اصبحت في المدرسة الثانوية ، لإعتقادها أنه أكثر شاعرية، لكن الام باحت لها، ذات يوم، بكل تفاصيل علاقة محطة البنزين الطارئة، فما كان من أناها الشاعرة الا أن إستثمرت هذه الخيبة الى فعل جمالي، كأية مبدعة كبيرة، هكذا صار اسمها : " Ai " وهي كلمة يابانية تعني : " حب " وفي ذلك تقول : " اُجبرتُ أن اعيشَ كذبة لسنوات عديدة، لذلك شعرتُ أنه لايجب أن يرفق إسمي بإسم رجل كان زوجا لأمي فقط ".

إنتبهتْ " آي " الى موهبتها الشعرية في لوس أنجلس ، وهي في سن الرابعة عشر، أثناء دراستها في المرحلة الاعدادية، فقد لفت انتباهها إعلانا عن مسابقة شعرية، وحين شرعت بالكتابة, إنتقلت عائلتها للعيش في توكسون، حتى قبل أن تحصل على الموافقة بالاشتراك في المسابقة ، لكنها بفضل هذه الحادثة عثرت على الوسيلة التي تعبر بها عن مواضيع وأحاسيس لم تتمكن التعبير عنها من قبل.
 كانت طفولتها ممزقة بالفقر : عاشت قسطاً منها في سان فرانسيسكو ، ولوس أنجلس، وصفتها  :" هناك أوقات جميلة، لكن ما يلتصق بالذاكرة أكثر هي تلك الاوقات الصعبة ".
 كان والدها بالتبني ينفق أياماً في الاستدانة من أجل إطعام العائلة . كان ذلك في سان فرانسيسكو، مدينة الشعراء المغلوبين : " ذكرياتي ليست سوداء، هي ببساطة ذكريات العيش كإنسان فقير " . 

تعدد الأعراق في جذور وثقافة الشاعرة ( أباء من أصل ياباني، مكسيكي ، أفريقي، وأمريكي، إضافة الى ام من أصل هولندي، إسكتلندي، وإيرلندي ) جعلها تنتمي للإنسانية ككل، لذلك عرفت نفسها ب: " أنا شاعرة .. ببساطة " واعتبرت أن الشعر إبداع عالمي، كأمر مفروغ منه، قالت : " لا أريد أن أُصنّف، سواءاً على المستوى الشخصي أو على المستوى الشعري، فإذا لم يكن الشاعر وإبداعه عالمياً، فأين يكمن الابداع إذن ؟ "، هكذا فإن " آي " لم تعترف بأهمية النسب والعرق لأنها طمحت لقيم أعلى من خلال شعرها، ومع ذلك، وكأي شاعرة جديرة بالاحترام، لم تخفِ مصدر إلهامها، ففي مقابلة معها  عام 1978، بعد نشرها كتابها الشعري الثاني :" قتل القاع " قالت " Ai " : إنها تستمد إلهامها من شعراء امريكا اللاتينية، وهم شعراء محليون أو شعراء قبائل، أمثال : راندال جيرال، كلوي كينيل، فيل لفاين، لويس سمبسون، وجيرالد سترن، أما في مراحل دراستها الجامعية الاولى فقد كانت تنصت باعجاب الى قصائد الشاعر كينيل، وهي قصائد تدخل القراء الى مملكة خيال سحرية حيث هوية الشاعر تنتظر أن يكتشفها القاريء. كانت " آي " معجبة بتلك القصائد، ليس فقط بتحولاتها القوية، لكن ايضاً بموسيقى اللغة وجمال المخيلة التي تلتقط الصور والالفاظ بمايشبه الكاميرا . هكذا صارت قصيدة كينيل ( الاحتمال ) مصدرا للالهام في كتابتها الشعرية . 

في عملها الشعري، كما لاحظ النقّاد، اختارت " آي " التعبير عن الاوغاد والاشرار، في إنحياز واضح الى عالم الخلف المكتظ بالبؤس، الفقر، والعنف، وهو انحياز جمالي، مفرغ من أية رسالة آيديولوجية.
 والشاعرة غالباً ماتستخدم ضمير المتكلم، الذي يضيّع على القاريء إحالته الى جنس أو لون : هناك خليط من الأصوات الواقعية غير المعروفة، وهي تعلق على ذلك قائلة :
" قصائدي تنبع من لاوعيي : أنا المشدودة بإحكام الى حياة الآخرين، الاحياء منهم والاموات ".
 لاوعيها، إذن، يبتكر شعرياً أُناساً أحياءاً، وآخرين أمواتا : تجلعهم يتقابلون في مناجاة مثيرة للقاريء : " هذا الاسلوب يتيح لي أن اصبح شخصا آخر، مثل ممثل .. أعتقد أن الناس خُلقوا كي اراقبهم، حقاً أنا أشعر إنهم شخصيات من إبتكاري ".
 ولكي تعمق اسلوبها هذا, عمدت  الى إستلهام الشخصيات والحوادث الاميركية : جون كنيدي، إميلدا ماركوس، حوادث الشغب في لوس انجلس عام 1992...، وإستخدمها كخلفية نفسية شاملة، للعديد من شخصيات قصائدها، وبتداخل الاصوات مع الاحداث في نصوصها، يحول هذه النصوص الى مايشبه الجوقة في مسرحية، وهو ما أضفى عليها رنين دقيق، مع انعكاس واسع لاهتمامات الذات المعاصرة وللظروف الانسانية المحيطة بالكائن المعاصر.
 قصائدها تصل بالشعر الى منظور آخر وجديد : الاثارة الجنسية، والعنف - سواءاً من أحداث معاصرة، أو أحداث في ذاكرة المجتمع الاميركي , والمواضيع الساخنة الحمراء، هي ثيمات قصائدها، إذ لا تميل الشاعرة الى إجتراح الاحداث من الخيال، فصورها الشعرية ملتقطة من الواقع، ومن اللغة العادية، لكن ليس بمعنى خلوها من الخيال او الشاعرية، بل هو تجلي ناصع لعمل مخيلتها، عندما ترتفع بالتقاطاتها الحاذقة الواقعية، لتصل به الى مسافات خيالية شاسعة ومحلقة.
 هكذا فإن قصائدها عبارة عن مشجب كبير للسكاكين، الفؤوس، الحراب، النصال، والمطارق التي تحطم وتشطر الرؤوس والجماجم وتمزق الجسد أرباً أو تطعن شعاع الشمس ذاته : إن ما يمكن أن يتحول الى عنف عبثي مبالغ فيه لدى شاعر آخر، يتحول بين يدي هذه الشاعرة الى أداة بلاغية حادة لاختراق النظام الاجتماعي : هذا العنف ليس مجرد قسوة مرئية من الخارج، بل هو ما تعايشه، وتعيشه شخصيات قصائدها، وهذا ما نلاحظه في المنولوجات التراجيدية لتلك الشخصيات.
نشرت " آي " كتابها الشعري الأول ( قسوة ) عام 1973، الذي كان يحمل عنوانا أولياً (  عجلات في مستنقع ) وهو رؤيا لروح الانسان، حين يقع في مصيدة اغترابه عن الحضارة، كما العجلة في المستنقع، فيفقد القدرة على النجاة بذاته، أو تخليصها . حشّدت الشاعرة في هذا الكتاب الكثير من عبارات وتعابير الجنس والعنف، كتقرير صادق عن كآبة الانسان، وعن حس الضياع غير المرئي، غير الملاحظ، وغير المعروف حتى من قبل الشخصيات ، وقد كانت " آي " تتقصد ذلك كي تحمل القاريء على التعرف ليس فقط الى كيفية تعامل الانسان مع الانسان بقسوة، وانما الى التعرف على القسوة في الذات الانسانية اولاً، ومن هنا جاء العنوان ( قسوة ) بليغاً، ومعبّراً :

" فعلتها ، كما أنذرتني أن تفعل
 وتركتَ لي الجنين ملفوفا بورق شمعي ،
 كي أنظر الى ابني "

من قصيدة " إجهاض " 1973



وخلال الثلاثين عاما لاحقة، طوّرت " آي " منولوجاتها التراجيدية الى أعمال شعرية نالت العديد من الجوائز، كجائزة مؤسسة كوكينهام 1975 عن كتابها الاول، وجائزة أندومنت الوطنية للفن عام 1985، وزمالة من معهد رادكلف 1975، اضافة الى جائزة ليمونت الشعرية التي نالها كتابها الشعري ( قتل القاع ) 1979، وجائزة الكاتب الاميركي من معهد كولومبس ، عن كتابها ( خطيئة ) 1986، وبعدها أصدرت كتابها الشعري ( كارثة ) 1991 و ( جشع ) 1993، و ( رذيلة ) 1999 الفائز بجائزة الكتاب الوطني للشعر.
 أما كتابها الشعري ( فزع) 2003فقد كان مكرساً لإنقاذ الطفولة من صدمات المجتمع غير المبالي، وفيه حوّلت الغضب الراسخ والمستمر في ذاكرتها الشخصية الى رافد لاينضب للتعبير عن نفسها / الطفلة، وبشكل صريح ومعلن، تقول :

" كأنه ضغط لايزال يُبنى ،
 وللتوٍ قلتُ :
 ساكتبُ قصيدة عنه "


وكمحصلة اخيرة فإن بعض الشخصيات المتخيلة في ( فزع ) تستمد واقعيتها من التاريخ العائلي للشاعرة، بما في ذلك امها ووالدها الياباني :

" تقول امي : كنتُ تائهة .
 تقول ، سألتْ أباك عن الطريق ،
 ولم تعرف كيف إنتهيا الى السرير .
أحيانا،
 عندما أنظر الى المرآة،
يخيل لي أرى وجهه ،
 يلوّح فوق وجهي .
ورغم أنه مجرد إختصار
عن الحقيقة الفظة ،
فالتفاصيل
توزعها امي ، تدريجيا ، الى الخارج .
أنا فقط, مَن يرى حقيقة ما ترك وراءه .
يعدو مسرعاً أكثر من سيارة الفورميلا :
أبي الهارب مثل أي رجل آخر ،
لم يخطط للبقاء طويلا . "

من قصيدة " أنساب "




وبينما تحاول المدنية المعاصرة، تكريس أصناف مختلفة من الفوارق والتعريفات، كأساس لتعريف الانسان والحكم عليه، نجد " آي " التي لم تنكر  هوياتها المتعددة، إستفزت هذه الفوارق والتعريفات، وتحدت حدود هذه المدنيّة وفوارقها، وحاولت زعزعة التعريفات والاحكام، لكن من خلال تراجيدياتها المثيرة للقراءة. بكلمة اخرى : إن قاريء قصيدتها يدرك بعمق عنف الأصوات الهامشية، من خلال رواة قصائدها الواقعين في مصيدة أدوارهم الاجتماعية .
 إن الشاعرة تعمدت صدمة المتلقي عبر قصيدتها الموغلة في الحقيقة المفجعة، رغم أنها من جانب آخر، منحته جرعة إضافية وجعلته قادراً على طرد خوفه الى الخارج وربما مواجهته في مرحلة لاحقة.
 قصائدها تُشجع على تَقَبل أصوات رواة العنف، من أجل المساهمة في خلق وعي إجتماعي من خلال فوبيا العنف هذه، فتراجيديا أصوات العنف في منولوجاتها تكشف ماذا يمكن أن يحدث لهؤلاء الذين يفشلون في العيش على النمط المثالي لمعايير المجتمع .
إن الكلمة الهامشية، حين تقال بفعل الحاضر – الزمن المضارع – تجلب اليها الانتباه من خلال التكرار وإبتكار المعاني وخصوصية الاحساس في الذات المهمشة.
 كما ان الصور الشعرية المرسومة بدقة في قصائدها عبارة عن تشكيل مكاني صرف وقد توحي بالزمان في كثير من الحالات : تلك احدى سمات عملها الشعري الذي لم يبخل في تقديم مزيج من المحسوسات الشمية والذوقية ايضاً والتي لاتقل خطورة في تشكيل الصور المرئية في بنية القصيدة .
 كما أن الشاعرة ابتكرت أصواتاً متقاربة، لتتحدى التقاليد الادبية المتعارف عليها أولاً، ولتحويل الفكرة الى جسد ثانياً : هذا التحدي للتقاليد الادبية مشوب بتحد آخر / سافر وهو السؤال عن الهوية الاميركية : هذا التحدي الجوهري يتعدى الشكل الفني إذن، يتعداه الى الصميم، ليتحول الى مراس دائم، حيث الحياة برمتها، فمن خلال تأكيدها على العنف بكل صوره ـ الاغتصاب، القتل، الاجهاض، الزنى المحرم، الانتحار، الاعتداءات المتوازية ـ كل هذه الجرائم، من وجهة نظر آي ، هي جزء أساسي من الثقافة الاميركية، لذا فإن الأُمة الاميركية هي أُمة للعنف الحضاري المعقد والمركب .
هناك الكثير من الجسارة الطموحة، والإزعاج في قصائدها, الموغلة في قلب اميركا، وقد قالت بصريح العبارة : " نحن امة نـُبدع ، نوازن حياتنا ، نتسلى ونُثار بأكثر قدر من الرذيلة : نحن نرتفع ونسقط، ولا يسمعنا أحد ". وعلى عكس تراجيديات شكسبير التي أحبتها آي، وغالبا ما إستخدمتها كأدلة في اعمالها الادبية، تتقاطع نهايات شخصياتها مع أبطال شكسبير الذين يكافحون قبل سقوطهم النهائي، لكن شخصياتها تبقى قوية حتى النهاية، تنشر الرذيلة عبر الأرض لأجيال متعاقبة، لذا فإن قصيدة آي تقترح بقاء  العنف، كصوت مسموع في توازنات المجتمع، وأن دائرة العنف الطبيعي هي وجه آخر للقوة الاميركية، تقول في المقطع التالي من قصيدة ( قياس القياس ) :

" البعض تربى على الرذيلة ،
 والبعض الآخر على مزية السقوط "


وهذا مقياس دقيق لخبرة الحياة الاميركية :

" أنا أميركي
 لا يجب أن أتمنى شيئاً,
أنا الأمريكي
لا يوجد شيء ليس لي "
من قصيدة " حذاء الشموا الازرق "  كتاب ( رذيلة ).



شغلت " آي " منصب استاذة اللغة الانكليزية في جامعة ولاية أكلاهوما, و إستمرت في كتابة الشعر من واقعها،  ومن ذخيرة ذكرياتها، فكانت ما أن تسمع اغنية، أو تشاهد نشرة الاخبار، ليلفت إنتباهها موضوع معين، فتشرع بالكتابة عنه. كانت تتمنى المضي بالتأمل : " إذا استطعت أن أكون حرة من واجبات التدريس وما سواها، اتمنى ان أقضي حياتي بالتأمل. سأكتب بالطبع، لكني سأقضي الكثير من الوقت في تأمل الكون ، وفي محاولة للاجابة عن الاسئلة الباطنية ".
أدخلت (آي) الى المشفى يوم 17 مارس 2010 لمعاناتها من إلتهابات رئوية ومن مضاعفات سرطان الثدي, وتوفيت بعد ثلاثة أيام في سياتل. 

مختارات شعرية 

لكني فقط في العاشرة*
 
 
"أجلسي فوق راحتي ."


لكني فقط في العاشرة . 


لا أراه ،
 
أسمع...
 
 شهيقه المتسارع في الظلام .


أنه وقت اللعب، بعد العشاء.


 حين نكون في الخارج ،


مختبئين تحت الشجيرات،



هو يدعوها لعبة الغميضة ،



لكن إختي الصغرى فقط من تبحث عنا


حين نختبئ 


ولا تعثر علينا ،


لأن جدي يتلقفني، 


يفرك ما بين فخذيّ بيديه

 
حينها
 
 أشعر بإثارة عظيمة وغامضة،


خارج حدود وعيّ


لا أعرف بالضبط ماذا أُسميها 


يعجبني ذاك الشعور...


نشوة اخرى


لم أجربها مسبقاً
 
ممتعة أكثر  


 من أكل القَند.



عندما سألتني جدتيّ:
 
"ماذا كنت تفعلين هناك؟"


إضطررتُ ان أكذب 


"أين؟"
 
أجيبها


"آه... لعبة الغميّضة"


تفحصتني: 
 
" هذه أخر مرة، لا لعب بعد الان" 


توقفت اللعبة
 
وأنا نسيت


عشر سنوات مرت ...
 
خمس وثلاثون


حين بدأت أسترجع ما مضى


وأسأل نفسي:


لماذا يثيرنيُ الرجال الذين يثيرون قرفي؟ 


وأرتحل للماضي المترسب..


للظلام...
 
للزفير الثقيل...
 
في حياتي


أنا التي ظننته قد فات وعبر؟


لكني تعاميّتُ فقط 
 
عن الرؤية


في دوامات وعيّ الرملية


حين تسحبني للأسفل


هناك في القعر
 
أجدُّ جدي في الأنتظار


يداه مبسوطتان لترفعاني


عارية ومبللة


كي يدعكني في نفس المكان


"لا تخافي ..."
 
 يهمس:
 
"سأدعك تذهبين سريعا"


أُجيبه:
 
"نعم "
 
وأردفها:
 
"لا"
 
 "لا أفهم لماذا تفعل معي ذلك
 
أنا فقط في العاشرة"


 لكنه يقول :
 
"هذا يكفي كي تعرفي "
 


*العنوان الأصلي لهذه القصيدة (يقول جدي).

                                          .............................

عشرون سنة زواج*

 تجعلني أنتظركَ في الشاحنة ،                                                                                                        
ذات العجلات الكبيرة المغروزة في خندق وحل
بينما أنتَ تتبول بجانب شجرة ، بعكس ،
 اتجاه الجنوب.
أسرع ..
لا أرتدي شيئا تحت تنورتي هذه الليلة  ،
لا يزال هذا يُشعلك ، لكن هذه الرافعة بلا نوافذ
والمقعد ُ
وركٌ  بارد من الجلد الصناعي
حين أضغطه بمؤخرتي .

لم أتغيّر...
لي ذات الجسد والوجه  
منذ عشرين سنة خلتْ ،
لكن حين تدخلني ، تشتغل آلتي :
ستتحلى  بالفحولة والرغبة في المضاجعة .
أسحبُ، وأنتَ تدفع :
نتقاسم بعضينا بالتساوي .
الآن  يا حبيبي ، ألقني على ظهري ،
وتظاهر أنكَ لا تدين لي  بشيء   
وربما ننطلقُ بعيداً من هنا
تاركين الماضي متكوّم خلفنا :  
لأن الصحف القديمة لاأحد يعيد قراءتها .

* عشرون سنة زواج من (خطيئة) قصائد مختارة.


.................................................................................



حوار

نبتسم لبعضنا
وأسترخي على أريكة خيزران .
كيف تشعر وأنتَ تموت ؟
 أقولُ .
تَمسّ ركبتيّ بأصابعك الزرق .
وعندما تفتح فمك،
تسقط على الارض، كرة من الضوء الأصفر
لتتركَ ثقبا محترقاً فيها.
لاتقل شيئا...
 لا أريد أن أسمع .
ابدأ فقط ،
أنا أرتدي الثوب المناسب
و بالمصادفة...
بالكاد انت تلاحظ
أصابعك تجرح ذاك الرداء
وتسمع صوت سكين تقطع ورق
و تنظر أيضا
تدرك بسهولة...  أن تلك الصورة
امتدادا لصورة اخرى ،
لأن حياتك
سلسلة من كلمات
يوما ما سوف تطق و تنفصم .
كلمات ،
تقول ،
مثل فتيات صغيرات يصنعن دائرة,
تتشابك أيديهن
ويبدأن برفعها نحو السماء
بأثوابهن المثبتة ،
مثل بالونات الهليوم البيضاء ،
وتيجان الزهور الملفوفة على الرؤوس ،
تدور وتدور بسرعة
وفوق كل ذلك،
هناك حيث أفيضُ ،
كيفما يكون
فقط, عشر مرات أنقى ،
عشر مرات أكثر رعباً
كيف يمكن لكائن أن ينجو منها ؟



ملاحظة : قصيدة حوار ، هي ايجاز  لفكرة " آي " عن الموت. الشاعرة في هذه القصيدة  تستخدم شخصاً يحتضر، كإستعارة متعددة ومفتوحة لوصف الموت، كلماتها تجعل القاري يفكر بالموت وبلغزه. تقول الشاعرة :" افكر أن الموت هكذا، واتمنى ان يكون فعلا "، فهو كرداء يتمزق .
                                        ........................
ريح من لا مكان*

اختي تلطخ وجه دميتها بالوحل ،
وتقفز بعدها الى الشاحنة عبر النوافذ .
تتجاهلني حين أمشي بمحاذاتها ،
أضربُ إطارات الشاحنة المفرغة من الهواء ، بقضيب حديدي .
الرجل العجوز يصرخ عليّ  أن أسحب فريق إزعاجاتي وأرحل ،
لكني أبقى ماشياً حول الشاحنة : أضرب بقوة أكبر

حتى تناديني امي .

 ألتقطُ حجراً وأرميه على زجاج نافذة المطبخ

يتهاوى قبل أن يصيب هدفه.

صوت الرجل العجوز يتنطّط في الهواء مثل كرة ،

يجعلني غير قادر على رفع قدمي  خطوة أُخرى .
أقف بجانبه ، أنتظر ، لكنه لا يعبأ .

أطوي القضيب الحديدي ،
 أرفعه ...
 جمجمته تنفتح بشقيّن .

إمي تركض نحونا . لكني ما أزال واقف

اُتمتمُ بالذي حصل وهي تنحني عليه .

أفلتُ القضيب الحديدي، وآخذ بندقية من البيت

 الورود حمر، وزهور البنفسج زرق،

طلقة واحدة للحصان الأسود، وإثنتان للحصان الأشقر.

 سقطوا سريعا ،
بصقتُ لساني ...
 مدمى ، لقد عضضتُه .

ضحكتُ ، تذكرتُ لساناً خارجاً بالكامل.
أمسكتُها وهي تقفز من الشاحنة ،
طلقة.

 دُميتها إستقرتْ معها على الأرض .

تلقفتُ الدمية، هززتها بين ذراعيّ.

ياه..انا جاك إبن هوراث

 النبيه ، السريع.

في البيت، أخذتُ أفضل بدلة للرجل العجوز

وحذائه الفاخر من الجلد الطبيعي

وضعتُ ثوب إمي الساتان

ودمية اختي في حقيبتي .

 بعدها ، عبرتُ الحقول الى الطريق السريع .

أنا في الرابعة عشر ، أنا ريحُ من لا مكان .

 لي القدرة على كسر القلب.

 

* العنوان الأصلي للقصيدة " الطفل " و الرجل العجوز كنية لزوج الأم، وواضح طبعا ان الطفل يقتل شقيقته، يفعل كل شيء، من اجل جذب الانظار اليه .
                                 .............................